افتتاحيات

دوريةNatureلن تسمح باستخدام الصور المصمَّمة بواسطة الذكاء الاصطناعي.. إليك الأسباب

رفض هذا النوع من المحتوى قرار يصب في صالح نزاهة البحث، والخصوصية، وحماية الملكية الفكرية.

  • Published online:
دورية Nature تقرر عدم السماح بنشرالصور المُعَدَّة كليًا أو جزئيًا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

دورية Nature تقرر عدم السماح بنشرالصور المُعَدَّة كليًا أو جزئيًا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

Credit: Artem Medvediev/Alamy

هل يتعين على Nature السماح باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإعداد الصور ومقاطع الفيديو؟ عكفت إدارة الدورية على مناقشة تلك المسألة، وتبادُل الرأي فيها، والتشاور بشأنها على مدى أشهرٍ عدة، منذ بدء الانتشار الكبير للمحتوى الذي تنشئه أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل روبوت الدردشة «تشات جي بي تي» ChatGPT وبرنامج إنشاء الصور «ميد جورني» Midjourney، في ظل ما تشهده هذه المنصات من زيادةٍ سريعة في إمكاناتها.

وقد استقر الرأي على أنه، فيما عدا المقالات التي تتناول الذكاء الاصطناعي تحديدًا، لن تنشر دورية Nature أي مواد تشتمل على صور أو مقاطع فيديو أو رسوم توضيحية مصمَّمة – كليًا أو جزئيًا – بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي، في المستقبل المنظور على الأقل.

كما سيُطلب من الفنانين وصانعي الأفلام والرسامين والمصورين المتعاونين معنا التأكيدُ على أنهم لم يلجؤوا إلى الذكاء الاصطناعي لتنفيذ الأعمال التي يقدمونها، تصميمًا أو تحسينًا (انظر: go.nature.com/3c5vrtm).

لكن، لماذا لا نسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإعداد محتوى مرئي؟ هي، في الأخير، مسألة تتعلَّق بالنزاهة. ذلك لأن عملية النشر – والنشر في مجالَي العلوم والفنون بوجهٍ خاص – تتكئ على التزام مشترك باعتبارات النزاهة، ومنها الأخذ بمبدأ الشفافية. وإننا – نحن الباحثين والمحررين والناشرين – يَلزَمُنا دومًا أن نعرف مصادر البيانات والصور، حتى يتسنى لنا التحقق من دقتها وصحتها. وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية المطروحة حاليًا لا تتيح الوصول إلى المصادر لإجراء مثل هذا التحقق.

ثم إن هناك أيضًا عامل النَّسَب أو الإسناد؛ فعند استخدام أي مادة موجودة، أو الاستشهاد بها، لابُد من أنْ تُنسَب إلى صاحبها. هذا مبدأ أساسي في ميادين العلوم والفنون، إلا أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية لا تأخذ به.

ولا يفوتُنا أن نذكر عاملَيْن آخرَين داخلَين في هذا القرار الذي انتهت إليه الدورية، هما: الموافقة، والحصول على الإذن. لابُد من الحصول على الموافقة والإذن إذا تعلَّق الأمر بالإفصاح عن هوية الشخص، على سبيل المثال، أو بالملكية الفكرية للفنانين والرسامين. وهنا، أيضًا، نرى تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي الشائعة عاجزةً عن الوفاء بهذا المطلب.

واقع الأمر أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية يجري تدريبها على الصور، دون الالتفات إلى مصدرها. زِد على ذلك أن الأعمال المحمية بموجب قوانين حقوق الملكية الفكرية تُؤخذ بشكل تلقائي لتدريب هذه الأنظمة عليها، دون الحصول على تصريحٍ رسمي من أصحابها. بل وتُنتَهَك الخصوصية في بعض الحالات؛ ولعلنا نجد مثالًا على ذلك في إنشاء أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي ما يشبه الصور الفوتوغرافية أو مقاطع الفيديو لأشخاص دون أخذ موافقتهم. ولا ينبغي أن نُغفل، في هذا الصدد، أنه بالإضافة إلى المخاوف المتعلقة بالخصوصية، فإن السهولة التي يمكن بها إنشاء هذه الصور ومقاطع الفيديو الزائفة (deepfakes) تصبُّ الزيت على نار المعلومات الخاطئة.

الضوابط الملائمة

في الوقت الحالي، تسمح دورية Nature بإدراج نصوص مُعَدَّة بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، شريطة التقيُّد بالضوابط الملائمة (انظر: go.nature.com/3cbrjbb). ومن هذه الضوابط أنه يجب الإشارة إلى استخدام أدوات قائمة على النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) في قسم المنهجية البحثية، أو الشكر والتقدير. كما يتعين على المؤلفين الإفصاح عن مصادر جميع البيانات، بما في ذلك تلك التي جرى إعدادها بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وفضلًا عن ذلك، لن تُقبَل أية أداةٍ قائمة على هذه النماذج اللغوية آنفة الذكر مؤلفًا في ورقة بحثية.

العالم على شفا ثورة في الذكاء الاصطناعي. وهذه الثورة، على ما تحمل في طيَّاتها من آمالٍ كبار، نلاحظ أنها – وبخاصةٍ عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي التوليدي – تعصف كذلك بالأعراف الراسخة في العلوم، والفنون، وصناعة النشر، وغير ذلك من المجالات. لقد تمخَّضَت تلك الأعراف، التي استغرق تطويرها قرونًا في بعض الحالات، عن أنظمة تحمي النزاهة في ميدان العلوم، وتحمي أصحاب الحقوق من الاستغلال. وإذا لم نتوخَّ الحذر في تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي، ستصبح كل تلك المكاسب عرضةً لأن تذهب أدراج الرياح.

لا تزال الجهات التنظيمية والقانونية في العديد البلدان بصدد صياغة استجاباتها لمسألة تقدم الذكاء الاصطناعي التوليدي. وإلى حين انتهائهم من ذلك، ستبقى دورية Nature، بصفتها ناشرة للأبحاث والأعمال الإبداعية، على موقفها من رفض إدراج المواد المرئية المُعَدَّة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.