أخبار

كيف يتأقلم لاعبو كرة القدم مع حرارة الجو في قطر؟

التساؤل المطروح حول كيفية الحفاظ على الأداء الرياضي في ظل الحرارة الشديدة يصبح أكثر إلحاحًا مع تصاعد حدة التغير المناخي.

كاثرين ساندرسون

  • Published online:

Credit: Fabrice Coffrini/AFP/Getty

انطلقت أولى مباريات كرة القدم في كأس العالم للرجال في قطر في العشرين من نوفمبر الماضي، حين وصلت الحرارة إلى 30 درجةً مئوية، وتجاوزت نسبة الرطوبة 50%. عندما فازت قطر باستضافة البطولة لأول مرةٍ في تاريخها قبل 12 عامًا، كانت الحرارة الشديدة واحدًا من مخاوف عديدة، فمنذ ذلك الحين، ارتفع المتوسط السنوي لدرجات الحرارة في قطر بمعدل درجةٍ مئوية تقريبًا. وتعتبر نسخة 2022 من كأس العالم أول بطولة تقام في شهرَي نوفمبر وديسمبر، في محاولةٍ لتفادي سخونة الصيف في قطر. ولكن كيف يتعامل اللاعبون مع هذا الأمر؟ وهل ستحمل البطولة دروسًا حول سُبل تكيّف الأنشطة الرياضية في عمومها مع عالمٍ يعاني من الاحتباس الحراري؟

حين يتعلق الأمر بالحرارة وصحة الرياضيين، نجد أن المقياس الأقوى والأصح دلالة هو «مؤشر ميزان الحرارة الرطب» (WBGT)، الذي يقيس الحرارة والرطوبة معًا، إضافةً إلى عدد من العوامل الأخرى، مثل زاوية سقوط أشعة الشمس وسرعة الرياح. فارتفاع الرطوبة يزيد من الشعور بالحرارة في الأجواء المحيطة، وتصبح آلية التبريد داخل الجسم – وهي التعرُّق الذي يسمح بتبخر السائل المائي خارج سطح الجلد – أقل فاعلية بكثير، نظرًا لتشبُّع الهواء بذرات الماء. وبالتالي فإن ممارسة الرياضة مع ارتفاع مؤشر ميزان الحرارة الرطب قد يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة الأساسية للجسم إلى مستويات خطيرة.

يمكن للاستادات مكيَّفة الهواء أن تساعد على خفض التعرض للحرارة للاعبين في كأس العالم، إلا أن هذا لن يقي اللاعبين من التعرُّض لشيءٍ من الإجهاد الحراري. فالهواء المكيَّف سيكون تأثيره أكبر بكثير على الجماهير منه اللاعبين؛ ذلك أن الهواء البارد يتدفق من أسفل المقاعد الموجودة في المدرجات ومن الجدران الجانبية للملعب، حسبما ترى كارولين برودريك، وهي عالمة متخصصة في مجال الرياضة بجامعة نيو ساوث ويلز بأستراليا ورئيسة الجهاز الطبي للاتحاد الأسترالي للتنس والمدير الطبي للفريق الأوليمبي الأسترالي. تقول برودريك: "يظل أن الحرارة على أرضية الملعب أقل منها خارج الاستاد، ولكن بدرجة أقل".

ويقول تيس إيسفوجلز، الأخصائي الفسيولوجي المتخصص في التمارين الرياضية بالمركز الطبي لجامعة رادباود في منطقة نميخين بهولندا، إن العديد من الاستادات مفتوحة السقف، ما يجعل اللاعبين عُرضة للإجهاد الحراري، خاصةً في المباريات التي تُلعب في منتصف النهار، مضيفًا أن المجمعات التدريبية في كأس العالم لا تزيد على كونها "ملاعب تدريب عادية، دون أي تكييف للهواء".

حيوانات استوائية

اللاعبون يمتلكون القدرة على تهيئة أجسامهم، لو أتيح لهم الوقت الكافي لذلك. ساعد إيسفوجلز على إعداد وتجهيز الرياضيين الهولنديين لحدث رياضي كبير آخر، ألا وهو دورة الألعاب الأوليمبية التي أقيمت في طوكيو عام 2020، حيث عمد قبل الدورة إلى إخضاع الرياضيين المشاركين للاختبار في بيئات خاضعة للرقابة ويمكن التحكم فيها، بدأ فيها من درجة حرارةٍ بلغت 16 درجةً مئوية، ثم تدرَّج بعد ذلك صعودًا إلى أجواء تحاكي المناخ الصيفي في طوكيو (J. Q. de Korte et al. Sports Med. 51, 2423–2436;2021). وعن ذلك يقول إيسفوجلز: "لاحظنا انخفاضًا في مستوى الأداء بمعدل 25% في المتوسط". وللحد من هذا التأثير، بدأ فريقه في تدريب الرياضيين في درجات حرارة مرتفعة، ووجدوا أن أداءهم قد تحسن بعدها في الأجواء الحارة. شارحًا هذه المنهجية، قال إيسفوجلز: "نحن حيوانات استوائية"، فبالنسبة للاعبي كرة القدم القادمين من أجواء مناخية مشابهة لتلك السائدة في شمال أوروبا، فإن التعرض للحرارة لمدة 10 أيام إلى 14 يومًا يعتبر كافيًا للتأقلم مع المناخ.

كما يُجري الباحثون تجارب تدور حول كيفية اكتشاف الحالات التي تصل فيها حرارة جسم اللاعب إلى مستوياتٍ مفرطة، وسُبل تبريد الجسم وصولاً به إلى المعدلات الآمنة. يقول أولِي جاي، مدير حاضنة الأعمال البحثية المتعلقة بالحرارة والصحة بجامعة سيدني: "المشكلة ليست في حرارة الجو، وإنما في حرارة الجسم". بمساعدة كارولين برودريك، تمكن جاي وزملاؤه من تطوير مقياسٍ للإجهاد الحراري يمكّنهم من إعطاء قياس مبسَّط للمخاطر عند ارتفاع الحرارة. ويقول جاي إن هذه المنظومة طُبِّقت بنجاح في بطولة أستراليا المفتوحة للتنس، مما أدى إلى توقف إحدى مباريات بطولة السيدات في الدور نصف النهائي في عام 2019 ريثما تتم تغطيةُ الاستادِ وتبريدُه.

ومن التدابير الأخرى التي ثبتَتْ فائدتها، استخدام المناشف المبرَّدة بالثلج، وشرب المياه الباردة، أو قطع الثلج الممزوجة بالماء لخفض درجة الحرارة الأساسية للجسم. يقول جاي إن من السهل إدخالَ تلك الإجراءات والتدابير في لعبة التنس على فترات منتظمة، نظرًا لأن اللعبة بها فترات استراحة محددة، مدتها 90 أو 120 ثانية. إلا أنه في كرة القدم، يصبح تنظيم هذه الاستراحات أصعب.

التغير المناخي

السؤال الخاص بكيفية الحفاظ على مستوى الأداء الرياضي في ظل الحرارة الشديدة أصبح أكثر إلحاحًا مع تصاعد درجات الحرارة بفعل الاحتباس الحراري. وقد حثت الرابطة الدولية للاعبي كرة القدم المحترفين (FIFPRO)، ومقرُّها العاصمة الهولندية أمستردام، القائمين على كرة القدم أن يُولوا اهتمامًا أكبر بمسألة اللعب في الأجواء الحارة، التي عَزَتها الرابطة إلى التغير المناخي. كما طالبت بالمزيد من الحماية للاعبين، بما في ذلك السماح باستراحة لشرب الماء.

ويقول إيسفوجلز إن عبء التغيُّر المناخي ربما يقع على الرياضيين الهواة أكثر من غيرهم، نظرًا لأنهم لا يتمتعون بما يتمتع به نظراؤهم المحترفون من تدابير تهدف إلى التخفيف من حدة الحرارة والتكيف مع التغيرات المناخية.

أما جاي فيرى أن الرياضة يمكنها أن تواصل مسيرتها في ظل هذا المناخ المتغير بالإدارة الذكية والمراقبة والمتابعة، إلى جانب التدابير التي تحد من المخاطر. يقول: "إذا توفَّرَتْ لديك منظومة لإدارة المخاطر تستند إلى الأدلة، وتعمل بكفاءة وفاعلية، مع تطبيقها بالشكل الصحيح، فإنك في واقع الحال توسِّع نطاق الأجواء التي يمكن للاعبين أن يلعبوا فيها بأمان".