افتتاحيات

تصحيح  مسار جهود تطعيم الأطفال

بعد اندلاع جائحة «كوفيد-19»، وصلت معدلات تطعيم الأطفال إلى أدنى مستوياتها منذ 15 عامًا. وهو ما يعرضنا لخطر تجدد تفشي أمراض يمكن الوقاية منها، ما لم تضع الحكومات تصحيح ذلك الوضع ضمن أولوياتها.

  • Published online:
ثمة حاجة إلى حملات صحية لتدارك الانخفاض في معدلات تطعيم الأطفال في عديد من البلدان حول العالم.

ثمة حاجة إلى حملات صحية لتدارك الانخفاض في معدلات تطعيم الأطفال في عديد من البلدان حول العالم.

Credit: Hussain Ali/Anadolu Agency/Getty

في الشهر الماضي، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF)، ومنظمة الصحة العالمية نداء استغاثة مثير للقلق. فنتيجةً لاضطرابات شهدتها حملات التطعيمات المخطط لها، ما زال ما يقرب من 125 مليون طفل حول العالم في انتظار تلقيهم لتطعيماتٍ ضرورية ضد أمراض مثل الحصبة، والدفتيريا، والتيتانوس، والسعال الديكي، وشلل الأطفال. وقد أفادت المنظمتان بأننا نشهد "أكبر تراجع مطرد في معدلات تطعيم الأطفال، تحقق على مدى 30 عامًا".

وتعد جائحة «كوفيد-19» وتداعياتها السبب الرئيسي لعرقلة حملات التطعيم تلك. إذ إن تدابير الإغلاق خلال الجائحة، وتعطل سلاسل إمداد اللقاحات في أثنائها، دفع العاملين في قطاع الصحة العامة إلى صب جام تركيزهم على علاج المصابين بـ «كوفيد-19»، بينما لعبت الصراعات الأهلية والسياسية الجارية حول العالم دورًا في ذلك أيضًا.

قبل الجائحة، كانت برامج تطعيم الأطفال من أكبر النجاحات التي أحرزتها سياسات الصحة العامة العالمية. فبين عامي 2011 و2019، شمل الحد الأدنى من جرعات تطعيم الأطفال نحو 85% من الأطفال (ثلاث جرعات مضادة للتيتانوس، والدفتيريا، والسعال الديكي، وجرعة مضادة للحصبة). ولم توف هذه النسبة ما طمحت إليه السياسات العالمية من تطعيم 90% من الأطفال. مع ذلك، فقد ظلت هذه النسبة ثابتة نسبيًا لعقد تقريبًا. بيد أن هذا الاستقرار تزعزع، إذ وصلت تلك النسبة عام 2021 إلى 81% فقط.

" شهد هذا العام بالفعل ارتفاعًا في عدد حالات الإصابة بالحصبة".

ولإعادة برامج التطعيم إلى نصابها الصحيح، ستكون هناك حاجة إلى تنسيق حملات تطعيم لتدارُك هذا الانخفاض. ومع أن بعض البلدان نجحت في إسراع عجلة التطيعمات إلى الوتيرة المطلوبة، لم تستأنف 26 دولة بعد الحملات التي توقفت مؤقتًا بسبب «كوفيد-19»، بما في ذلك بعض البلدان الكبيرة متوسطة الدخل ​​مثل الهند وإندونيسيا.

مخاطر الإصابة بالأمراض ترتفع

يجب على الحكومات أن تنظِّم بالدرجة الأولى جهودها، وأن تنظر إلى تطعيم الأطفال باعتباره أولوية ملحة. قفي حال إخفاقها في ذلك، من المحتمل أن تتزايد احتمالية انتشار أمراض يمكن الوقاية منها بالتطعيمات. وقد شهد هذا العام بالفعل ارتفاعًا في عدد حالات الإصابة بالحصبة، إذ أًفُيد خلال الربع الأول منه بوقوع أكثر من 40 ألف حالة إصابة بهذا المرض. وقد استأثرت أفغانستان وإثيوبيا، واليمن بنصيب كبير من هذه الحالات، التي شكَّلت ضعف عددها المسجل في الربع الأول من عام 2021، والذي بلغ 16,500 حالة، فيما أُفيد أيضًا بوقوع حالات إصابة بفيروس شلل الأطفال البري في مالاوي، وموزمبيق، تُعد الأولى منذ ما يقرب من 30 عامًا.

كذلك تحتاج الجهات المانحة الدولية إلى تنسيق جهودها، والتعاوُن مع الحكومات لدفع عجلة التطعيمات. ومع أن الحاجة الأكبر في هذا السياق تكون للعاملين المدربين في مجال الصحة العامة، ويشمل هؤلاء المختصين بإعطاء التطعيمات، فنحن بحاجة أيضًا إلى أشخاص مدربين على توصيل العلوم والتوعية الطبية، ممن يمكنهم تشجيع الأفراد على تلقي التطعيمات حال ترددهم في الإقبال عليها. وقد صرحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة بأن بعض السلطات الصحية المحلية تحتاج أيضًا إلى مساعدة في الوقوف على الأسر التي لم يتلق أفرادها بعد التطعيمات، وتسجيل إحصائيات بأعدادها، وهو دور يمكن أن ينهض به الطلاب والباحثون، على حد سواء. وهناك أيضًا مجال لمزيد من تبادل المعارف والخبرات، فيمكن للمنظمات الدولية، على سبيل المثال، تسهيل هذا التبادل بين البلدان التي تمكنت من تدارُك انخفاض وتيرة التطعيمات، وتلك التي لا يزال يقع عليها هذا العبء.

وتشمل الدول التي نجحت في تصحيح مسيرة التطعيمات بنجلاديش، التي تمكنت من إعادة معدلات تطعيم الأطفال إلى مستويات ما قبل الجائحة بفضل تضافُر شتى جهود الجهات المعنية هناك، بدايةً من مكتب رئيس الوزراء إلى السلطات الصحية المحلية. كما تدرَّب هناك الآلاف من العاملين بالرعاية الصحية على كيفية إعطاء اللقاحات، ووزعت الدولة أيضًا أدوات رقمية تعرض آنيًا البيانات عن نسبة التطعيمات في البلد للسماح للعاملين في مجال الرعاية الصحية بتحميل هذه البيانات ومتابعتها.

وتمكنت أيضًا بلدان أخرى من تحقيق نسب التطعيم المُستهدفة التي وُضعت قبل انتشار الجائحة، وذلك من خلال إطلاق حملات لتطعيم الأطفال ضد مرض «كوفيد-19»، بالتوازي مع تطعيم الأطفال بلقاحات الأمراض الأخرى وتوفير الخدمات الصحية والتوعوية الأخرى. على سبيل المثال، وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة، جمعت السلطات في جمهورية إفريقيا الوسطى بين حملات التطعيم ضد فيروس كورونا الجديد، وحملات التطعيم ضد شلل الأطفال، وإعطاء فيتامين «إيه» A، والقضاء على أمراض الطفيليات. فيما نشر العراق فرق تطعيم متنقلة. وفي إثيوبيا، تُجرى مسوح استقصائية للوقوف على موقف النساء من جرعات التطعيم ضد «كوفيد-19»، عند ذهابهن إلى مراكز الرعاية الصحية، للحصول على الرعاية الطبية قبل الولادة وبعدها، وتُتاح لقاحات المرض لهن. وفي بعض المناطق الريفية في مالي، حيث يصعب إطلاق الحملات الصحية لتدارك الانخفاض في مستويات التطعيم بسبب الصراعات الأهلية والسياسية، يتلقى أيضًا الأطفال التطعيمات ضد الأمراض مع توفير خدمات صحية روتينية لهم، مثل الرعاية الصحية الأولية.

وجدير بالذكر أن الأطفال في بعض من أفقر البلدان والأسر، في البقاع التي تعاني ضعف أنظمة الصحة العامة، وفي  مناطق النزاعات، تراجعت بينهم بالأخص معدلات التطعيم. إلا أنه يمكن تصحيح هذا الوضع بسهولة. فوفقًا لتصريح أدلت به إلى دورية Nature ليلي كابراني، رئيسة هيئة مناصرة حقوق الأطفال في الرعاية الصحية في منظمة الأمم المتحدة للطفولة  "ببسيط العبارة، بحوزتنا الأدوات التي نحتاجها، بما في ذلك اللقاحات التي أثبتت فاعليتها، بيد أن كل ما نحتاجه الآن هو توفيرها إلى المجتمعات التي تحتاجها". ونحن في دورية Nature نؤيد تمامًا هذا الرأي.