افتتاحيات

الآثار المترتبة على انقطاع الطمث: الدور المنوط بالجامعات في هذا الصدد

بعض النساء يتركن المجال العلمي لأن أرباب العمل لا يقدمون لهن الدعم اللازم خلال هذه المرحلة من حياتهن. وهذا الوضع لا يجب أن يستمر بأي حالٍ من الأحوال.

  • Published online:
يحدث انقطاع الطمث في الوقت الذي يرتقي فيه الأشخاص إلى مناصب أعلى.

 يحدث انقطاع الطمث في الوقت الذي يرتقي فيه الأشخاص إلى مناصب أعلى.

Credit: Luis Alvarez/Getty

نصف سكان الأرض سيمرون بمرحلة انقطاع الطمث، فتلك مرحلة طبيعية من مراحل التقدم في العمر، وهي تؤثر على غالبية النساء، كما تؤثر على بعض الرجال المتحولين جنسيًا والأشخاص الواقعين ضمن النظام الجنسي غير الثنائي. في هذه المرحلة، تنخفض نسب الهرمونات، بما يشمل الإستروجين والبروجسترون والتستوستيرون، وهذا يؤدي إلى ظهور أعراضٍ يمكن أن تستمر عقدًا من الزمان أو أكثر. والمؤسف في الأمر أن الآثار التي تلحق بحياة المرأة وعملها جراء انقطاع الطمث لم تلفت إليها الأنظار إلا في العقد الأخير أو نحو ذلك، حينما غدت محورًا لعددٍ محدود من الدراسات.

لا شك في أن أعراض انقطاع الطمث، مثل الأرق والشعور بالتعب وصعوبة التركيز، قد يكون لها تأثيرٌ كبير على حياة المرأة. ويكتشف الباحثون حاليًا أن هذه الأعراض من شأنها أيضًا أن تُحدث اضطرابًا في عددٍ كبير من المهن. ففي العام الماضي، توصلت دراسةٌ أُجريتْ في اليابان على آلاف الأشخاص – وهي الدراسة الأولى من نوعها في البلاد التي انصب تركيزها على العلاقة بين انقطاع الطمث والعمل – إلى أن الآثار المترتبة على "انقطاع الطمث'' نالتْ من خُمس النساء اللائي خُضن هذه المرحلة، حيث قدمن استقالتهن من العمل، أو رفضن الترقية، أو قللن ساعات عملهن، أو تعرضن لخفض درجتهن الوظيفية جراء الأعراض التي عانين منها (انظر: go.nature.com/38sf3uh).

وكثيرًا ما يحدث انقطاع الطمث في الوقت الذي يرتقي فيه الأشخاص إلى مناصب أعلى، أو يُسنَد إليهم مهام كثيرة المطالب. وفي مجال الأبحاث، كما هي الحال في المهن الأخرى، يكاد يكون مؤكدًا أن هذا التزامن يدفع بعض النساء إلى إعادة النظر في طموحاتهن المهنية، مما يضيف سببًا آخر إلى أسباب التراجع الذي يشهده المجال العلمي في أعداد النساء. ولا ينبغي أن تضطر النساء اللائي يخضن هذه المرحلة من الحياة أن ينسحبن من المجال أو يتركن وظائفهن بسبب قلة الدعم المقدم لهن من أرباب العمل، كما أشرنا في تحقيقٍ صحفي مهني (انظر:Nature 605, 381-384; 2022 ). صحيحٌ أنه لا بد أن يُفسح المجال للجميع كي يختار ما يريد، لكن لا ينبغي أن يشعر أحدٌ بأنه مجبرٌ على اتخاذ أي قرار بسبب مكان عمل لا يوفر الظروف المواتية.

ثمة طرقٌ عديدة يمكن من خلالها لأماكن العمل البحثية أن تقدم الدعم لموظفيها الذين يمرون بمرحلة انقطاع الطمث، كما اقترح مؤلفو أحد المقالات التي نُشرت في شهر إبريل الماضي في مجلة «بي دي جيه» Team BDJ (J. A. Bell et al. BDJ Team 9, 24–26; 2022). فإتاحة نظام ساعات العمل المرنة، وقبول أعراض انقطاع الطمث كسببٍ وجيه للحصول على إجازة مرضية - بمثابة نقطة انطلاقٍ جيدة. كما تعمل بعض مواقع العمل على تهيئة أماكن هادئة للموظفين؛ وهذا لا يساعد فحسب أولئك الذين يعانون من الحساسية للضوضاء، وهبات الحرارة، وغيرهما من أعراض انقطاع الطمث، ولكنه يفيد أيضًا أولئك الذين يبحثون عن وقتٍ هادئ لدواعٍ أخرى.

وفي عددٍ من البلدان، أنشأتْ بعض الكيانات شبكات الأقران - سواء في العالم الواقعي أو الافتراضي - من أجل تقديم الدعم للنساء اللائي يخضن مرحلة انقطاع الطمث. ومن أمثلة ذلك مؤسسة «ريد هوت ماماز» Red Hot Mamas في كندا والولايات المتحدة. وتعد "مقاهي" سن اليأس التي بدأتْ نشاطها في المملكة المتحدة مثالًا آخر، وهي تتيح الفرصة لتنظيم اجتماعات غير رسمية يُتاح فيها لأي شخص، بصرف النظر عن نوعه الجنسي، أن يحصل على معلوماتٍ عن انقطاع الطمث، وأن يتناقش بشأن هذه المرحلة أثناء تناول الوجبات السريعة والمشروبات.

وفي العام الماضي، أطلقت الجمعية الملكية في لندن، والتي تعد أقدم أكاديمية علمية على مستوى العالم، مجموعة دعم الموظفين في مرحلة انقطاع الطمث. وتعكف الجمعية في الوقت الراهن على وضع المبادئ التوجيهية اللازمة للتأكد من أن النساء يعرفن الكيفية التي يحصلن بها على الدعم، مثل التكيف مع الأدوار الوظيفية، أو ساعات العمل، أو التكنولوجيا. كما وضعتْ جامعة نوتنجهام، بفروعها في كلٍ من المملكة المتحدة، والصين، وماليزيا مجموعةً من المبادئ التوجيهية بهدف مساعدة المديرين في دعم الموظفين الذين يمرون بمرحلة انقطاع الطمث. ويمكن أن يشمل ذلك إتاحةَ نظام ساعات العمل المرنة، أو تحسين نظام التهوية - من خلال توفير مراوح مكتبية، على سبيل المثال، أو الاستعانة بطرقٍ أفضل مثل استخدام الأساليب المبتكرة في البناء والتصميم الداخلي.

وإضافةً إلى ذلك، يمكن أن تقدم أماكن العمل المشورة بشأن كيفية التعامل مع الأعراض، أو توفر المعلومات المتعلقة بالجهات التي يمكن الحصول منها على هذه المشورة – وإن كانت هناك حاجةٌ إلى مزيدٍ من الجهود البحثية في هذا المجال أيضًا.

ورغم كل هذا، يجب أن يُقدم هذا الدعم بعناية، حيث إنه إذا وُضعت السياسات المؤسسية وبرامج الدعم من غير إتاحة الفرصة أمام الأفراد الأكثر تضررًا للمشاركة فيها، فإن ذلك قد يؤدي إلى إشعار أولئك الذين تهدف إلى دعمهم، بالحرج والخزي. تواصلتْ دورية Nature مع العديد من النساء اللائي عبّرن عن قلقهن من أن يؤدي إبراز التحديات التي تواجهها بعض النساء أثناء انقطاع الطمث، إلى إعراض أرباب العمل الأكاديميين عن تعيين السيدات الأكبر سنًا. وهذه المخاوف مفهومة، ولا بد أن تكون هناك بعض القواعد الأساسية لمناقشتها. فلا ينبغي إطلاقًا للمؤسسات أن تجبر أحدًا على الكشف عن حالته، من حيث انقطاع الطمث من عدمه، ولا أن تطالبه بأن يشارك في أي نقاشاتٍ تتعلق بهذا الموضوع إذا كان لا يرغب في المشاركة فيها.

إن اتخاذ موقف المتفرج لا ينبغي أن يكون خيارًا مطروحًا على الإطلاق. فالعديد من أرباب العمل (ومنهم دار نشر «سبرينجر نيتشر» Springer Nature) يتعهدون بتقديم الدعم في مكان العمل للأشخاص الذين يمرون بمرحلة انقطاع الطمث. وتشمل هذه التعهدات ضمانَ إصغاء مدرائهم إليهم في حال تواصلهم معهم، والتأكد من توافر الدعم العملي لهم، غير أن هذه التعهدات ليست سوى خطواتٍ أولية. فبمقدور جميع أرباب العمل - ومنهم أولئك العاملون في المجالين العلمي والبحثي - اتخاذُ خطواتٍ أكبر من تلك في هذا الشأن.

ويحتاج المجتمع البحثي أيضًا إلى تكريس المزيد من الاهتمام والموارد لدراسة تأثير انقطاع الطمث على الحياة المهنية في كل مكان، دون الاقتصار على البلدان ذات الدخل المرتفع. ويتعين على المؤسسات التي لم تبدأ بعد في التصدي للصعوبات التي يفرضها انقطاع الطمث على الحياة العملية، أن تتخذ خطواتها الأولية في هذا الصدد الآن. فقد حان الوقت للتخلص من الشعور بالخزي والوصم المرتبطين بانقطاع الطمس. وعندما ينتهي هذا الشعور، سيصبح البحث العلمي بالنسبة للجميع مجالًا أفضل للعمل فيه.