افتتاحيات

عالِمات إفريقيا يغيِّرن وجه القارة السمراء

يجدُر بالباحثين الدوليين الاصطفاف للتعاون مع العالِمات في شتّى أنحاء قارة إفريقيا.

  • Published online:

تتميز العالِمات في قارة إفريقيا بالحسّ الريادي، وسعة الحيلة؛ فهن يتوصلن إلى حلول مبتكَرة للمشكلات ذات التأثير على مجتمعاتهن، كما أن العديدات منهن يسعَين بهمةٍ ونشاط من أجل إشراك غيرهن في أبحاثهن. ولكن كي يحقق عدد أكبر من النساء الإفريقيات إنجازاتٍ في العلوم، يجب إرساء سياسات تساعد على إزالة الحواجز التي تعوق نجاحهن، وتحفّز أوجه التعاون الدولي. يدخل هذا ضمن نطاق ما توصلتْ إليه سلسلة خاصة من المقالات المنشورة في دورية Nature، بالإضافة إلى نتائج تصويت شارك فيه 249 باحثًا إفريقيًا، أغلبهم (217 باحثًا) يعملون في البلدان الإفريقية، في حين بلغ عدد الباحثات المشاركات في التصويت 103 باحثات.

وتوضح سلسلة مقالاتنا أن الباحثات في البلدان الإفريقية ينجحن ويزدهرن في الوقت الحالي؛ فهنَّ يُؤسِّسن الشركات، ويطلقن الجهود غير الهادفة للربح في مجال تعليم العلوم، ويُدربن الجيل الجديد من العلماء، ويَلتَحِقْن بالوزارات المعنية بالصحة، والزراعة، والفضاء في بلدانهن.

تضم قائمة أسماء هؤلاء العالِمات الباحثة السنغالية خادي سال، التي كانت في عام 2020 على رأس مشروع لتصنيع الكمامات للوقاية من مرض «كوفيد-19»؛ كما تضم الباحثة الكينية فيرونيكا أوكيلّو، التي تُجري أبحاثها حول الطرائق صديقة البيئة للتخلص من المعادن الثقيلة، كالكروم والزرنيخ. وتضم القائمة أيضًا الباحثة أستر تسيجايه، المتخصصة في دراسة «فيروس نقص المناعة البشرية» HIV، والتي تساعد في تدريب الباحثين في إثيوبيا؛ والباحثة الكينية إليزابيث كيماني-موراج، التي تعكف على دراسة سوء التغذية بالمجتمعات الحضرية في مدينة نيروبي.

وفي دولة جنوب إفريقيا، تحولت الباحثة بونتشو ماروبينج من العمل في قطاع التعدين إلى تقديم المساعدة في تطوير البرنامج الجنوب إفريقي لعلم الفلك والفضاء. وفي دولة غانا، تدرس الباحثة أنجيلا تابيري علم الجبر الكمي، كما أسستْ شبكة من عالِمات الرياضيات. أما في الكاميرون، فتساعد الباحثة أديدجا أماني في إدارة برامج التطعيمات بوزارة الصحة العامة الكاميرونية. وفي نيجيريا، تُجري الباحثة أمينة أحمد الإمام، المتخصصة في علم الأحياء الدقيقة، أبحاثها في مجال إنتاج أنواع الوقود من الكائنات الدقيقة.

يُضاف إلى هؤلاء أسماء كثيرة من العاملات في مجال تمكين المجتمع، اللاتي يحرصن على إتاحة العلوم أمام قواعد جماهيرية أكبر، أو يبذلن قصارى جهدهن من أجل الارتقاء بتعليم العلوم. وغالبًا ما كانت إنجازات هؤلاء الباحثات تأتي لتكلّل فترة من الدراسة أو البحث خارج بلادهن؛ وهي النتيجة التي تكرَّر ظهورها في التصويت. فمن بين 103 باحثات شاركن في التصويت، درَستْ 59 باحثةً في الخارج؛ لأسباب تضمنت اكتساب الخبرات على النطاق الدولي، وتكوينَ شبكات من العلاقات المهنية، والعودةَ إلى بلادهن بخبرات في مجالات بعينها.

ويتضح أيضًا من ملفات التعريف الشخصية لهؤلاء الباحثات أن نسبةً غير قليلةٍ منهن قدَّمن تضحيات بالغة على المستوى الشخصي للحصول على درجات الدكتوراه. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما كانت الأمهات اللاتي يدرسن خارج بلادهن يبتعدن عن أطفالهن شهورًا في المرة الواحدة، ويتركنَهم في رعاية آخرين، كالآباء أو الأجداد.

وجديرٌ بالذكر أن النساء في إفريقيا يتعرضن لمعوقات أكبر، تعترض سبيل مواصلة مسيرتهن المهنية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، بالمقارنة مع نظيراتهن في البلدان ذات الدخل المرتفع، حيث يكون نقص التمويل من أبرز المشكلات. تُضاف هذه المعوقات إلى بعض التحديات المعهودة أمام النساء جميعِهن في شتى أنحاء العالم؛ فالعديد منهن في حاجة إلى وقت مستقطع للحمل، وإجازات الوضع، واستراحات الرضاعة، كما جرت العادة أن تتولى النساء قسطًا أكبر من رعاية الأطفال والواجبات المنزلية.

علاوةً على ذلك، أفادت بعض الباحثات، في تصريحات أدلَيْن بها لدورية Nature، أنهن لم يحصلن على ترقياتهن بالسرعة نفسها التي ترقَّى بها نظراؤهن من الذكور، وذلك بالرغم من أنهن ينشرن أبحاثهن بالمعدل نفسه، ويوفرن صنوف التمويل والتجهيزات اللازمة للبحث العلمي للاستعانة بها في مؤسساتهن البحثية، مثلهن مثل أقرانهن من الرجال. وتتنوع أسباب ذلك لتشمل، تقييم النساء وفقًا لمعايير متقادمة. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما لا تُجرَى تسويات لسد الفجوات في سجلات نشر الأبحاث والتمويل نتيجة حصول السيدات على إجازات رعاية الأطفال. وعلى الرغم من أن الفجوة العالمية بين الجنسين آخذةٌ في الرأب، يتنبأ «المنتدى الاقتصادي العالمي» بأن هذا لن يحدث في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى قبل 95 عامًا، استنادًا إلى المعدلات الحالية (انظر: go.nature.com/3i9oxb9).

تكشف سلسلة مقالاتنا أيضًا الآثار المترتبة على حالات نقص التمويل المزمن في إفريقيا وسعة الحيلة اللازمة لوضع العديد من المشروعات البحثية على مسارها. ففي البلدان التي تعاني الجامعات فيها من قصور الوصول إلى برامج المنح الوطنية، يشترك بعض الباحثين والطلبة، اعتمادًا على مرتباتهم، في التمويل الجماعي لشراء الكواشف الكيميائية، والمعدات البسيطة اللازمة للأبحاث. إنهم يقدمون هذه التضحيات، وغيرها، عن طيب خاطر؛ لأنهم يدركون أن خبراتهم البحثية ستزيد من قيمتهم، من جهة، وستعود بالنفع على مجتمعاتهم، من جهةٍ أخرى.

الباحثون في إفريقيا في أمسِّ الحاجة إلى استثمار مستقر طويل الأمد من مصادر تمويل داخلية وخارجية، بما في ذلك رأس المال المغامر. وفي تصويت دورية Nature، أفاد 56% (122 من أصل 217) من المشاركين العاملين في مجال العلوم في إفريقيا بأن نقص التمويل هو أشد الصعوبات التي يواجهونها في مسيرتهم المهنية، بل إنه يمثل أكبر همّهم، رجالًا كانوا أم نساءً، في حين احتل تحقيق التوازن بين الحياة العملية والحياة الشخصية المركز الثاني بين أكثر ما يُقلق النساء. فحبَّذا لو تبذل الحكومات الإفريقية والجهات المانحة الدولية جهودًا أكبر لمساعدة العلماء على تحقيق طموحاتهم؛ فالزيادات في التمويل، مهما قلَّ حجمها، يمكن أن تقطع شوطًا طويلًا نحو التعجيل ببناء الأمم.

غير أن بعض المبادرات التي تنطلق على مستوى القارة تساعد في مواجهة التحديات أمام العالِمات الإفريقيات في المنظومة البحثية. فمنذ عام 2011، رعى الاتحاد المعني بالتدريب على الأبحاث المتقدمة في إفريقيا (CARTA)، ومقره نيروبي، 228 زميلًا في دراسات درجة الدكتوراه وما بعدها في عدد من البلدان، علمًا بأن 57% من هؤلاء الباحثين كنَّ من النساء. بالإضافة إلى ذلك، تحتل سيدتان مركزين قياديين في الاتحاد: وهما المديرتان المساعدتان كاثرين كيوبوتونجي، وشارون فون.

وبالمثل، قدم المعهد الإفريقي للعلوم الرياضية (AIMS) – وهو شبكة من المراكز تمتد عبر بلدان قارة إفريقيا – التدريبَ المكثف لنحو 2500 طالبٍ في برامج ماجستير الرياضيات، مع توفير الإقامة، من بينهم أكثر من 800 طالبٍ يواصلون الدراسة للحصول على درجة الدكتوراه. والجدير بالذكر أن السيدة ليدي هاكيزيمانا، المتخصصة في العلوم التربوية، تشغل منصب رئيس المعهد الذي يهدف في الأساس إلى زيادة عدد طلاب الرياضيات في قارة إفريقيا، وتمثيلِ المرأة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والذي تُمثل النساء ثُلثَ خريجيه.

وتزداد قوة هذه الشبكات عندما ينضم إليها الباحثون في البلدان ذات الدخل المرتفع، التي عادةً ما تتميز بالبنى التحتية العلمية الأكثر تقدمًا. فللباحثين في هذه البلدان دورٌ محوري، يتجسد في التعاون مع الباحثين في إفريقيا.

يمكن لهذه الشراكات أن تعود بالنفع على العلماء في إفريقيا، بل وفي جميع أنحاء العالم. فمن بين الباحثين الأفارقة مَن هم رواد في مجالاتهم، كما أن العلماء في قارة إفريقيا قادرون على فتح آفاق جديدة للمشروعات البحثية، بالاستعانة بما لديهم من معارف وخبرات. وعلى ذلك، يجب النهوض بمبادرات التعاون الدولي. فكما تَبيَّن من جائحة «كوفيد-19»، يمكن تنفيذ هذه الجهود المتبادَلة بسلاسة عبر المنصات الافتراضية. وبما أن عدد العالِمات الإفريقيات في ازدياد، فقد تُثمر الشراكة معهن مكاسبَ جمّة.