افتتاحيات

إفريقيا تُصنِّع اللقاحات محليًّا

في خطوةٍ هامة، نجح باحثون من جنوب إفريقيا في إنتاج نسخة من لقاح شركة «موديرنا». حان الوقت لرفع القيود على الاستفادة من براءات الاختراع المتعلقة بلقاحات «كوفيد-19».

  • Published online:

كان لابُدَّ من وقوع جائحة لكي يفطن العالَم إلى أن دول إفريقيا تستورد نحو 99% من احتياجاتها من اللقاحات. ورغم أن القارة تحتضن نحو عشر شركات لتصنيع اللقاحات، فإن أغلبهن لا تنتج المواد الفعالة في تلك العقاقير، وتكتفي بأعمال التعبئة والتغليف لمكونات مستوردة. غياب التصنيع المحلي أحد أسباب تدنِّي معدلات التطعيم ضد «كوفيد-19» في إفريقيا، حيث لم تزِدْ نسبة من حصلوا على تطعيم كامل على 11% من السكان. وقد كرر القادة الأفارقة، في قمتهم السنوية التي انعقدت في أديس أبابا في الخامس من فبراير الماضي، عزمهم على رفع نسبة تطعيم إلى 70% من مواطني القارة خلال العام الجاري. ولكن منظمة الصحة العالمية قالت إن بلوغ تلك النسبة يتطلب زيادة معدلات التطعيم الأسبوعية الحالية بنحو ستة أضعاف (من 6 ملايين إلى 36 مليون شخص)؛ إلا أن هذه النسبة المنشودة لم تُبلَغ حتى الآن سوى في موريشيوس وسيشل. ومبادرة «كوفاكس» COVAX، وهي المبادرة الهادفة لتوفير اللقاحات للدول متوسطة الدخل والفقيرة، تكاد تنضب مواردها.

دول إفريقيا تقف دومًا في آخر الصفوف لتلقي اللقاحات، ولكن واقعتين حديثتين قد تُغيِّران ذلك الحال. خلال الأسبوع الأول من شهر فبراير، قال باحثون لدى شركة في دولة جنوب إفريقيا إنهم أوشكوا على الانتهاء من إنتاج نسخة من لقاح شركة «موديرنا» Moderna ضد «كوفيد-19»، وهو لقاح معتمد على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA). فبالتعاون مع مركز نقل التقنية، التابع لمنظمة الصحة العالمية، نجح باحثون في شركة «أفريجِن بيولوجيكس آند فاكسينز» Afrigen Biologics and Vaccines، ومقرها العاصمة الجنوب إفريقية كيب تاون، من إنتاج كميات ضئيلة من اللقاح؛ وذلك بالاعتماد على بيانات من شركة «موديرنا»، ولكن دونما تعاون مباشر مع الشركة. أوصت منظمة الصحة العالمية الباحثين بأن ينسخوا لقاح «موديرنا»، بعد أن قالت الشركة، ومقرها مدينة كامبردج بولاية ماساتشوستس الأمريكية، إنها لن تسعى لتقييد استخدام براءة اختراعها للقاح ضد «كوفيد-19» طالما استمرت الجائحة.

استشراف متى ستنتهي الجائحة، وما إذا كان الجيل الثاني من لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال سوف يَجُور على براءات اختراع بعينها – هذان كلاهما أمران محفوفان بالصعوبات. ولكنَّ تطورًا آخر قد يجعل الحياة أيسر للشركات الصغيرة، القادرة على إنتاج لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال، وقد يعينها على رفع قدراتها في الإنتاج؛ إذ يبدو أن الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية (WTO) تقترب من إبرام اتفاق يقضي برفع قيود الملكية الفكرية عن لقاحات «كوفيد-19»، وكذا علاجاته، طالما استمرت الجائحة.

هذه الفكرة، التي اقترحَتْها الهند وجنوب إفريقيا، ظفرت بدعم أكثر من مئة دولة، فضلًا عن نفرٍ واسع من الباحثين، وحملات الدعم، والشركات، ووسائل الإعلام، بما فيها مجلة Nature. أما معارضو الفكرة، فمن بينهم الاتحاد الأوروبي، وسويسرا، والمملكة المتحدة. ولكن المدير العام لمنظمة التجارة العالمية، انجوزي أوكونجو-إيويلا، يعكف على محاولة تقريب وجهات النظر. أحد الحلول التقريبية قد يتمثل في رفع قيود الملكية الفكرية فقط في الدول التي تفتقر لكفاءات إنتاج اللقاحات، وإمكانات إجراء الأبحاث بشأنها.

الجهات المعارِضة لرفع القيود تقول بأن ذلك لن يغير مسار الجائحة، ومن مسبِّبات ذلك أن نقل المعرفة ورفع القدرة الإنتاجية سيستغرق سنوات. ولكن إنجاز الباحثين في جنوب إفريقيا يُظهر أن ذلك المنطق غير دقيق. ثم إن الهدف من رفع القيود يكمُن في تحفيز الإنتاج في الدول التي تغيب فيها تلك الكفاءة، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وضمان سرعة وصول اللقاحات إلى الفئات المهمَّشة. صحيحٌ أن شركات الأدوية قد تتخوَّف من فقدان بعض أرباحها، ولكن الباحثين الذين يدرسون اقتصاديات ذلك القطاع يرون أن على تلك الشركات أن تسهم بقدر من أرباحها لخدمة مجتمعاتها، أخذًا في الاعتبار مستوى التمويل الحكومي الذي أُنفق في تطوير لقاحات «كوفيد-19» (L. Hawksbee et al. BMJ 376, e067367; 2022).

على شركات الأدوية أن تقبل أن محادثات منظمة التجارة العالمية تبدو ماضيةً في طريقها نحو الإجماع. ثم إن الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي تسعى لبلوغ هدفٍ أُعلن عنه في شهر أبريل من عام 2021، وهو أن تكون 60% من اللقاحات المستخدمة في القارة مُصنَّعة على أرض إفريقيا، وذلك خلال العقدين القادمين. ويعزم بنك التنمية الإفريقي استثمار ما غايته ثلاثة مليارات دولار أمريكي لدعم صناعة الأدوية خلال العقد القادم، وذلك وفقًا لتصريح سولومون كوينور، نائب رئيس البنك لشؤون البنية التحتية، لدورية Nature. سيتضمن ذلك تمويل البنية التحتية للنقل والإمداد، ودعم قدرات القارة على تطوير إجراءات تطوير العقاقير، وضمان أمانها. والمستهدَفُ هو تقديم الدعم لشركتين أو ثلاث، أو مشروعين أو ثلاثة، كل عام. فضلًا عن ذلك، أعلنت شركة «بيونتِك» BioNTech أنها ستنشئ مصانع للإنتاج في رواندا والسنغال؛ وهو إقرار جدير بالترحيب بأنه ليس من المقبول أن تغيب إمكانية تصنيع اللقاحات عن قارة بأكملها. و«بيونتِك» هي الشركة التي يقع مقرها في مدينة مينز بألمانيا، وأنتجت لقاح الحمض النووي الريبي المرسال بالتعاون مع شركة «فايزر» Pfizer الأمريكية.

شفافية أعلى

أمدت الشركات الكبرى مبادرة «كوفاكس» باللقاحات، وكان ذلك في غاية الأهمية للقارة الإفريقية، التي حازت نحو 60% من لقاحاتها من ذلك المصدر وحده. وفي شهر يناير الماضي، وفرت «كوفاكس» الجرعة رقم مليار، ولكنها تعاني من شح التمويل، وتحتاج بصورة عاجلة لخمسة مليارات دولار لمواصلة توزيع الجرعات. من أكبر التحديات التي تواجه «كوفاكس» أنَّ أيًّا من الشركات أو الدول لم يتحلَّ بالشفافية الكاملة. فالشركات تميل إلى الحفاظ على سرية أعداد جرعات اللقاحات التي تنتجها، وأسعارها. والمشكلة هنا أنه حتى حين تلتزم شركة بتوفير عدد من الجرعات لمبادرة «كوفاكس» فإنها قد تمنح الأولوية في النهاية لجهة قررت دفع سعر أعلى. وهكذا، ستتأخر طلبيّات «كوفاكس» بلا تفسير. ومن ثم، لتحسين قدرة «كوفاكس» على تأمين احتياجاتها، على الحكومات أن تنشر البيانات حول أسعار اللقاحات، وتوقيتات تسلُّمها. الشركات تتمسَّك بسرية أسعارها، حتى لا يعرف المنافسون كم تدفع الحكومات لكل جرعة. ولكن فوائد تلك السرية قصيرة العمر، لأن تلك المعلومات ستُنشر، آجلًا أم عاجلًا، في ميزانيات الدول.

لعبت مبادرة «كوفاكس» دورًا محوريًا في جهود إفريقيا لمجابهة «كوفيد-19». ولكن، في المحصلة النهائية، من حق الدول ألا تُضطر للاعتماد على الدعم الخارجي لتأمين احتياجاتها من اللقاحات. ينبغي أن تحصل الدول الإفريقية على ما تحتاج من عون في جهودها لتصنيع اللقاحات محليًا، بما يستتبعه ذلك من رفع قيود براءات الاختراع، والمساعدة على رفع قدرات الإنتاج عن طريق التعاون من مركز نقل التقنية التابع لمنظمة الصحة العالمية. وينبغي أن تحظى جهود الباحثين من جنوب إفريقيا، وزملائهم المتعاونين معهم حول العالم، بالتقدير والاحتفاء: فقد دلّلوا على أن إنتاج اللقاحات يمكن أن يحدث في أي قارة في العالم.