أخبار

وسط انبهار علماء الفلك: تلسكوب «جيمس ويب» يبعث إلينا بأولى الصور العلمية

مجرات من فجر الزمن تقريبًا تُرَصِّع أعمق مشهد في السماء ليلًا.

 ألكسندرا ويتزي

  • Published online:
تُظهِر الصورة الأولى التي صدرَتْ عن تلسكوب «ويب» العنقودَ المجرِّي SMACS 0723 كما ظهر قبل 4.6 مليار سنة.

تُظهِر الصورة الأولى التي صدرَتْ عن تلسكوب «ويب» العنقودَ المجرِّي SMACS 0723 كما ظهر قبل 4.6 مليار سنة.

Credit: NASA, ESA, CSA, and STScI

حانت اللحظة التي طال انتظارها؛ فقد نُشرَتْ الصورة العلمية الأولى التي التقطها «تلسكوب جيمس ويب الفضائي» James Webb Space Telescope، التابع لوكالة «ناسا»، لتضع علماء الفلك في حالة اندهاش. عَرَض الرئيس الأمريكي جو بايدن الصورة التاريخية، وهي أعمق صورة فلكية للكون البعيد، خلال مؤتمر صحفي عُقِد في البيت الأبيض يوم الاثنين، الحادي عشر من يوليو الجاري. وفي اليوم التالي، أتبعَتْها وكالة «ناسا» بمزيد من الصور.

تُظهر الصورة الأولى، التي فُرضتْ عليها حراسة مشددة قبل الكشف عنها، النقلة الهائلة التي يمثّلها التلسكوب؛ إذ تعرِض الصورة آلاف المجرات البعيدة في كوكبة «السمكة الطائرة» Volans أكثرَ خفوتًا من أي مجرات شوهدتْ من قبل، في بقعة من السماء لا تزيد مساحتها عن تلك التي تغطيها حبة رمل على بُعد ذراع.

وجاء في تعليق بايدن المصاحب للصورة أنها تُظهِر "أقدم ضوء مُوَثَّق في تاريخ الكون، من أكثر من 13 مليار سنة مضتْ – دعوني أعيدها على أسماعكم مرةً ثانية: 13 مليار سنة". وأضاف: "من الصعب حتى استيعاب ذلك".

علَّقت فيفيان يو، عالمة الفلك بجامعة كاليفورنيا بمدينة إرفاين، بقولها: "أنا من الدهشة في غاية. ولا يسعني سوى التحديق في الصورة، ومحاولة فهم ماهية كل هذه اللطخات، وسرِّ وجودها هناك".

يتوقع العلماء أن يُحدِث تلسكوب «ويب»، وهو أكبر تلسكوب أُطلِق في الفضاء، ثورةً في دراسة الكون. واختيرت الدفعة الأولى من الصور التي من المُزمَع إصدارها، من بينها لقطة الحقل العميق، لتشمل جميع الأهداف العلمية الرئيسية للمرصد: الكون في مراحله المبكرة، وتطور المجرات والنجوم، والكواكب خارج النظام الشمسي.

نقلة في عالم الرصد الفضائي

خلافًا لتلسكوب «هابل الفضائي» Hubble Space Telescope، الذي يُعد من أكبر التلسكوبات الفضائية وأشهرها، يلتقط التلسكوب «ويب» بشكل أساسي الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء. وبدراسة الأضواء تحت الحمراء، يمكن أن يخترق سُحُب الغبار التي تحجب النجوم الوليدة، ويمكنه أن يتعمق في الكون أكثر من أي وقت مضى. يقول زولت ليفاي، عالم الفلك متقاعد الذي عكف عقودًا على مُعالجة صور تلسكوب «هابل»، إن «ويب» "ليس نسخةً محدَّثةً من «هابل»، بل إنه تلسكوب مختلف كل الاختلاف؛ فما ننظر إليه ضوء غير مرئي".

لا يُمكِن رؤية المجرات الموغِلة في البُعد عن الأرض إلا في الأطوال الموجية للأشعة دون الحمراء؛ لأن تمدد الكون قد حوّل ضوءها من الجزء المرئي من الطيف الكهرومغناطيسي إلى الأشعة تحت الحمراء. تُظهر أولى صور «ويب» للحقل العميق هذا التأثير بشكل هائل حول عنقود من المجرات المعروفة باسم SMACS 0723، والتي تقع على بعد نحو 4 مليارات سنة ضوئية من الأرض. وتنحني جاذبية العناقيد، مضخِّمةً ضوء الأجسام الواقعة خلفها، مما يسمح لعلماء الفلك بإلقاء نظرة خاطفة على الأجسام شديدة البُعد.

تقول ليزا دانج، عالمة الفلك بجامعة ماكجيل في مونتريال بكندا: "ما يلفت انتباهي هو المجرات المشوهة.. إنها تبدو كأنها ليست المجرات الأخرى التي نعرفها".

تُظهِر الصورة الأولى لتلسكوب «ويب» المجرات التي قد يعود تاريخها إلى أكثر من 13 مليار سنة، رجوعًا إلى الانفجار العظيم تقريبًا، الذي أسفر عن تشكُّل الكون قبل 13.8 مليار سنة. إنه يستدعي إلى الأذهان العديد من الصور الأيقونية عميقة الحقل التي سبق أن التقطها تلسكوب «هابل». وفي أولى تلك الصور، التي جرى إعدادها على مدار 10 أيام من ديسمبر عام 1995، تبيَّن أن قطعة السماء التي بدَتْ خاليةً تمامًا كانت في واقع الأمر مرقَّطةً بآلاف المجرات التي لم تكن مرئيةً من قبل. استغرق تجميع أول صورة للتلسكوب «ويب» 12.5 ساعة فقط، مقارنةً بالأسابيع التي استغرقها «هابل» لرصد الحقول العميقة الأخرى.

يتخصص التلسكوب «ويب» أيضًا في التَّنْظِير الطَّيْفِيّ، ودراسة كيفية تفاعل الضوء مع المادة عند أطوالٍ موجية مختلفة. فيمكن لأطياف الأشعة تحت الحمراء للأجسام الفلكية التي سينتجها هذا التلسكوب أن تكشف عن التركيب الكيميائي للأجسام، بدرجةٍ تعجَز الصور عن الوصول إليها. تقول إليزابيث كيسلر، المؤرخة بجامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا، وقد درست التأثير الجمالي لصور «هابل»: "من هنا سوف تنبثق منجزات علمية مثيرة حقًا".

تأتي الصور العلمية الأولى التي التقطها تلسكوب «جيمس ويب» بمثابة مُتَنَفَّس لمشروع التلسكوب، بعد سنوات من التأخير، وزيادات في التكاليف عمَّا كان مخطَّطًا له، تُقدَّر بمليارات الدولارات. وُضِع تصوُّر هذا التلسكوب في البداية في عام 1989، وقد كلَّف وكالة «ناسا» في نهاية المطاف ما يقرب من 10 مليارات دولار أمريكي. ويُعَد هو المرصد الفضائي الأكثر تعقيدًا على الإطلاق. كان على مرآته الأولية، التي يبلغ عرضها 6.5 متر، أن تنطلق منطوية، ومن ثم تنفتح مثل الفراشة تنشر جناحيها، وذلك من خلال سلسلة من المناورات التي تكتنفها الأخطار. كان على المهندسين اختبار حاجب الشمس المُلحَق به، والذي يُقَدَّر حجمه بحجم ملعب التنس — وهو مصنوع من طبقات رقيقة جدًّا من غشاء البوليمر المُغَطَّى بالألومنيوم — عدةَ مرات للتأكد من أنه سوف ينفتح بشكل سليم، ومن ثم يحمي أدوات التلسكوب في حالة التجمد العميق للفضاء الخارجي.

أسهمت وكالتا الفضاء الأوروبية والكندية، اللتان شاركتا وكالة «ناسا» في مشروع التلسكوب، بما يقرب من مليار دولار أخرى إجمالًا، من أجل جعل التلسكوب حقيقة ملموسة. وأُطلِق التلسكوب في نهاية المطاف في ديسمبر 2021، ثم أمضى ستة أشهر في تجهيز أدواته لأداء مهمته العلمية؛ ومن المُتَوَقَّع أن يعمل لمدة 20 عامًا على الأقل.

العالم يراقب

يحمل التلسكوب اسم «جيمس ويب»، نسبةً إلى جيمس إدوين ويب، الذي رأَس وكالة «ناسا» عندما كان «برنامج أبولو لاستكشاف القمر» Apollo Moon-exploration Programme في أوجِه، في ستينيات القرن الماضي. وقد دعا بعض علماء الفلك إلى اختيار اسمٍ مختلف للتلسكوب؛ بدعوى أن جيمس ويب شغل دورًا قياديًا بارزًا في وزارة الخارجية الأمريكية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي، عندما كانت الوزارة في صدارة الجهات التي ضلعت في تنفيذ السياسة التي انتهجتها الحكومة الأمريكية وقتذاك، والتي كانت تقضي بالتعرُّف على المثليِّين من الموظفين، وفصلِهم من وظائفهم. غير أن وكالة «ناسا» ذكرت أنها لم تقف على دليل يبرر تغيير اسم التلسكوب. ويواصل كبير مؤرخيها بالإنابة، جنبًا إلى جنب مع مؤرخ آخر، بحث المسألة، ومن المُتَوَقَّع إصدار تقرير عما يتوصلون إليه قريبًا.

لا تمثل الصور الأولى الواردة من «ويب» سوى أول الغيث، الذي سوف تتبعه منجزات علمية أخرى، سيجعل التلسكوبُ الطريقَ إليها ممهَّدًا. وقد استغرق التقاط هذه الصور أكثر من 120 ساعة من الرصد خلال الأسابيع القليلة الماضية. وتشمل الدراسات المقبلة استكشاف كوكبَي المشتري وزُحل، والنجوم الصغيرة الخافتة المعروفة باسم الأقزام الحمراء، والمجرات البعيدة التي يصطدم بعضها ببعض، والكواكب الصخرية الساخنة التي تدور حول النجوم الأخرى. وتتوقع يو، التي تتولى أمور زمن الرصد على «ويب»، الحصولَ على بياناتها الأولى بالفعل من التلسكوب يوم الخميس. فذلك هو الوقت الذي سيرفع فيه فريق عمل التلسكوب عمليات رصد اندماج المجرات على أحد المواقع الإلكترونية؛ لتتمكن هي وزملاؤها من الوصول إليها.

ويتذكر ليفاي العمل على بعض إصدارات الصور الأكثر شهرة في «هابل»، مثل نشر الصور التي التُقطتْ بعد أن زار رواد الفضاء التلسكوب الذي يدور حول الأرض لرفع مستوى أجهزته. ويقول: "أنت تدرك أن العالم كله يراقب، وأنَّ عليك أن تؤدي مهمَّتك كما ينبغي".

يبدو أن هذا ما فعله التلسكوب الجديد «جيمس ويب». يقول ليفاي: "أظن أنه يعمل بشكل يفُوق توقعات الجميع. وهذا أمرٌ رائع".