أخبار

التهاب كبد غامض يصيب الأطفال ويحيِّر الباحثين

يبدو أن عدد حالات الإصابة بالتهاب الكبد قد ارتفع بين الأطفال في المملكة المتحدة.

هايدي ليدفورد
  • Published online:
ربما يُعزى ارتفاع في عدد حالات الالتهاب الكبدي بين الأطفال إلى انخفاض في التعرُّض لأحد الفيروسات الشائعة.

ربما يُعزى ارتفاع في عدد حالات الالتهاب الكبدي بين الأطفال إلى انخفاض في التعرُّض لأحد الفيروسات الشائعة.

Peter Byrne/PA via Alamy

في غضون الأشهر الثلاث التي أعقبت دق ناقوس الخطر بالمملكة المتحدة، إعلانًا عن اكتشاف أطباء البلد لحالات التهاب كبدي غامضة، بدا أنها تصيب الأطفال الصغار، هب الباحثون على عجل، سعيًا إلى الوقوف على سبب هذه الحالات. وإحدى أبرز الفرضيات حول منشأ هذه الحالات تمثلت في وجود صلة مُحتَمَلة تربطها بجائحة فيروس كورونا الجديد.

بيد أنه في السابع عشر من يونيو الماضي، نشر باحثون من هيئة «المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها» (CDC) بيانات تشير إلى أن معدلات الإصابة بحالات الالتهاب الكبدي مجهولة السبب ظلت ثابتة منذ عام 2017 بين الأطفال حتى عمر 11 عامًا، في الولايات المتحدة المتحدة على الأقل1. وإذا صح ذلك، فمن شأن هذا الاكتشاف أن يزعزع فرضية وجود علاقة بين تلك الحالات وجائحة «كوفيد-19».

إلا أن هذه البيانات لا يجدها الجميع مقنعة. وثمة شكوك في أن تُعلن بلدان أخرى عن الاكتشاف نفسه. في ذلك الصدد، تقول ديردرا كيلي، المتخصصة في أمراض الكبد التي تصيب الأطفال، من جامعة برمنجهام بالمملكة المتحدة: "يمكنني أن أجزم، من منطلق عملي في هذا البلد لمدة 30 عامًا كطبيبة أمراض كبد، بأننا شهدنا عددًا هائلًا من هذه الحالات في عام 2022". وأعتقد أن تقدير المملكة المتحدة لأعدادها جيد للغاية".

وعلى الرغم من تلك النتائج التي تكشفت في الولايات المتحدة، تواصل هيئة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها تحري وجود صلة بين هذه الحالات والجائحة. إذ أظهر تحليل أُجريَّ في الرابع والعشرين من يونيو الماضي، أنه من بين 123 طفلًا أصيبوا بالتهاب كبد مجهول السبب في الولايات المتحدة، بلغت نسبة من ثبتت إصابتهم بمرض «كوفيد-19» قبل إصابتهم بالمرض الكبدي 26% (المرجع رقم 2). وتعكف الآن هيئة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها على جمع العينات اللازمة للتحقق من وجود أجسام مضادة ضد فيروس «سارس-كوف-2» بها، ومعرفة ما إذا كان أطفال آخرون مُصابون بالتهاب الكبد قد أصيبوا قبل ذلك بعدوى «كوفيد-19»، أُغفل رصدها، على حد ما أفاد به ديفيد شوجرمان، وهو مسؤول طبي من قسم الأمراض الفيروسية في المركز الوطني للتحصين وأمراض الجهاز التنفسي، التابع لهيئة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا الأمريكية، والذي أضاف قائلًا في هذا الصدد: "ما زلنا إلى حد كبير نتحرى مسألة ارتباط الحالات بالإصابة بفيروس «سارس-كوف-2»".

الأسباب المعروفة والمجهولة لالتهاب الكبد بين الأطفال

للإصابة بالتهاب الكبد بين الأطفال عدد من الأسباب المعروفة، من بينها العدوى بفيروسات، مثل فيروس التهاب الكبد «إيه» A، وتلقي بعض الأدوية، مثل دواء «باراسيتامول» paracetamol. مع ذلك، في كل عام، تحدث بعض حالات الإصابة مجهولة السبب بهذا الالتهاب بين الأطفال.

وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أنه في مطلع شهر إبريل الماضي، أعلنت وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة (UKHSA) حدوث ارتفاع واضح في عدد الأطفال الصغار المصابين بالتهابات كبدية خطيرة. إذ أخطرت الوكالة آنذاك باكتشاف 60 حالة يُحتمل إصابتها بالتهاب كبدي بين أطفال دون سن العاشرة في عام 2022. ويرصد الأطباء عادةً نحو 20 حالة من هذا القبيل سنويًا في المملكة المتحدة، على حد ما صرحت به كيلي.

و جدير بالذكر، أنه منذ مطلع هذا العام حتى شهر يوليو الماضي، أُصيب أكثر من 250 طفلًا في المملكة المتحدة بالتهاب كبدي. وبحلول السادس والعشرين من مايو الماضي، أُفادت منظمة الصحة العالمية بأن العدد الإجمالي لهذه الحالات بلغ تقريبًا 650 حالة في 33 دولة. وقد احتاج اثنا عشر من الأطفال البريطانيين إلى زراعة كبد، لكن لم تقع بينهم حالات وفاة. وفي الولايات المتحدة، تُوُفيَّ 11 من أصل 296 طفلًا يُعتَقَد أنهم أُصيبوا بالتهاب كبدي.

عدوى الفيروسات الغُّدَّانِيّة

في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، تعرَّض عديد من الأطفال الذين اكتُشف التهاب كبدي غامض لديهم للإصابة أيضًا بفيروس من عائلة من فيروسات شائعة معروفة باسم الفيروسات الغُّدَّانِيَّة. وقد تمخض ذلك عن تكهنات بأن حالات الالتهاب الكبدي التي أخذت في الانتشار مؤخرًا ناجمة عن إحدى الفيروسات الغُّدَّانِيّة. من جهة أخرى، على الرغم من أن هذه هي الفرضية الأرجح لدى وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة، فهي لا تجد رواجًا على نطاق واسع. فقد أشار عدد من الباحثين إلى أن هذه الفرضية يشوبها قصور فيما يتعلق ببعض الضوابط الإحصائية. إذ إن عدد حالات الإصابة بعدوى الفيروسات الغُّدَّانِيّة يصل عادة إلى ذورته في فصلي الشتاء والربيع، ولم يُعرف مُعَدَّل الإصابة بعدوى هذه الفيروسات بين الأطفال الذين لم يُصابوا بالتهاب كبدي.

كذلك لا توجد سابقة لتسبب عدوى الفيروسات الغدانية في مثل هذه الحالات؛ فليس من المعروف أن هذه الفيروسات تسبب التهاب الكبد بين الأطفال الذين يتمتعون بجهاز مناعي سليم. كما أن مستويات الفيروسات التي وُجدت لدى معظم الأطفال الذين أصيبوا بالتهابات كبدية كانت منخفضة. تعقيبًا على ذلك، تقول أوريت وايزبورد-زينمان، وهي متخصصة في أمراض الكبد التي تصيب الأطفال، من ﻣﺮﻛﺰ شنايدر لطب الأطفال في مدينة بتاح تكفا بإسرائيل: "لا أعتقد أن المسبب هو فيروس غُّدَّانِيّ".

بالإضافة إلى ذلك، في العاشر من يونيو الماضي، نشرت وايزبورد-زينمان سلسلة من الأبحاث عن حالات التهاب كبدي، تناولت خمسة أطفال مصابين بالتهاب كبدي مجهول السبب3. لم تثبت إصابة إلا واحد منهم بفيروس غُّدَّانِيّ، على حد ما ذكرته. من هنا، سوميت راوات، اختصاصي الأحياء المجهرية من كلية طب بوندلكاند في مدينة ساجار بالهند، عمد إلى فحص عينات مأخوذة من 17 طفلاً مصابًا بالتهاب كبدي مجهول السبب، ووجد فيروسات غُدَّانِيّة في ثلاث منها فقط.

بَيْدَ أن كل من وايزبورد-زينمان وراوات صرح بأن جميع الأطفال الذين فحصاهم، إما ثَبُتت إصابتهم سابقًا بفيروس «سارس-كوف-2»، أو أُصيب أحد أفراد أسرتهم به. وقد دأبت وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة على إدراج مرض «كوفيد-19» كمسبب مُحتَمَل لحالات الالتهاب الكبدي تلك. مع ذلك، لم يتبين وجود إصابة نشطة بفيروس «سارس-كوف-2» إلا لدى 15% من الأطفال المصابين بحالات الالتهاب الكبدي تلك وقت تشخيصهم بها في المملكة المتحدة، ولم تصدر الوكالة بيانات حول عدد من وُجدت لديهم أجسام مضادة لهذا الفيروس، تدل على إصابة سابقة به.

وعلى الرغم من أنه لم ترجح بصفة قاطعة كفة أي من الفرضيات إلى الآن، فإن توقيت هذا التفشي الملحوظ لحالات التهاب كبدي بين الأطفال يوحي بقوة بوجود صلة له بالجائحة، على حد قول ويليام إيرفينج، اختصاصي الفيروسات من جامعة نوتنجهام بالمملكة المتحدة. إذ قد تكون الزيادة في أعداد هذه الحالات ناجمة عن ضرر مباشر تسببت فيه عدوى سابقة بفيروس «سارس-كوف-2»، أو انخفاض في نسبة التعرُّض للفيروسات أثناء فرض تدابير الإغلاق، أو نتيجة لاستجابات مناعية شاذة يحفزها فيروس كورونا الجديد. ويوضح إيرفينج هذا قائلًا: "هذه كلها افتراضات غير مدعومة بأسس دامغة". ويستطرد قائلًا: "لكنني أشعر أن جائحة «كوفيد» قد لعبت بلا شك دورًا بالغ الأهمية".

الأمر الوحيد الواضح هو أن هذه الحالات ليست مرتبطة بالتطعيمات المضادة لمرض «كوفيد-19». إذ لم يتلق هذه التطعيمات سوى عدد قليل من الأطفال الذين أُصيبوا بالتهاب كبدي في المملكة المتحدة.

والدراسة التي أجرتها هيئة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، لتناوُل هذه الحالات في الفترة من عام 2017 حتى عام 2022، تشكك في صحة أيَّة تفسيرات تعزو هذه الحالات إلى الجائحة. إذ نَقّب فريق الدراسة في بيانات واردة من سجلات الرعاية الصحية، وسجلات زراعة الأعضاء وفي فحوص معملية لعينات من البراز بحثًا عن الفيروسات الغُّدَّانِيّة. وفي النهاية، في أوساط الأطفال، لم يجد الفريق البحثي أي زيادة حديثة في عدد حالات التهاب الكبد أو عمليات زراعة الأعضاء، أو عينات البراز التي تكشف وجود فيروسات غُّدَّانِيّة1 بها.

تشخيصات لم تتكشف بعد

بَيْدَ أن وايزبورد-زينمان ترى أن تحليل السجلات الصحية الإلكترونية تحليلًا بسيطًا قد لا يكشف المعدلات الحقيقية لالتهاب الكبد مجهول السبب بين الأطفال. وأضافت أنها حاولت إجراء دراسة مماثلة في إسرائيل، لكنها سرعان ما اكتشفت أنه كان عليها التنقيب في السجلات الصحية يدويًا للوصول إلى تشخيصات لم تتكشف بعد. فعلى سبيل المثال، تَبَيَّن أن إحدى حالات التهاب الكبد نجمت عن دواء استَخدَم في أثناء إحدى عمليات زراعة الكُلى. واتضح أن أخرى كانت ناتجة عن عدوى بفيروس معروف أنه يتسبب في التهاب الكبد. ولم تشر الرموز التي توضح مسببات هذه الحالات إلى ذلك في السجلات. وفحوص السجلات التي تُجرى على عجل كان من شأنها أن تدرج هذه الحالات لتضاف إلى الحالات مجهولة السبب. وتقول وايزبورد-زينمان إن هذا اللغط يجعل من الصعب رصد الحالات غير مجهولة السبب حقًا. وأضافت قائلة: "من المستحيل رصد زيادة في عدد هذه الحالات، فالأمر ملتبس حقًا".

في إبريل الماضي، حسم عدد من الباحثين أيضًا قرارهم بأن معدلات التهاب الكبد مجهولة السبب بين الأطفال في أوروبا القارية لم تشهد ارتفاعًا عن مستوياتها المرجعية4. إلا أن كيللي، التي خدمت كاستشارية في التحليل الذي خرج به هؤلاء الباحثون، تنوِّه إلى أنه جاء ضمن دراسة محدودة النطاق. فوفقًا لما أفادت به، كما هو الحال في الولايات المتحدة، يشوب ضرب من الفوضوية بيانات الرعاية الصحية في أوروبا. ولم تشمل الدراسة الاستقصائية الأوروبية التي تمخضت عن هذا التحليل سوى المستشفيات التخصصيّة.

ومؤخرًا، طلبت بلدان، من بينها إسرائيل والمملكة المتحدة، من الأطباء بها إخطار سلطات الصحة العامة بحالات التهاب الكبد مجهولة السبب التي تقع بين الأطفال. وتفيد كيللي، أنه بالإضافة إلى الدراسات التي انطلقت للوقوف على مسبب هذه الحالات، قد يسلط هذا الإجراء الضوء على حفنة حالات التهاب الكبد الغامضة التي أخذت تظهر بين الأطفال كل عام، سواء كانت مرتبطة بمرض «كوفيد-19»، أم لا.

وتضيف قائلة: "ربما امتلك هؤلاء الأطفال سمات ما تجعلهم عُرضة للإصابة بهذه الالتهابات.وأحد الجوانب الإيجابية في هذا السياق هو أننا قد نكتشف ماهية تلك السمات".

References

  1. Kambhampati, A. K. et al. Morb. Mortal. Wkly Rep. 71, 797–802 (2022).| article
  2. Cates, J. et al. Morb. Mortal. Wkly Rep. http://doi.org/10.15585/mmwr.mm7126e1 (2022). | article
  3. Cooper, S. et al. J. Pediatr. Gastroenterol. Nutr. https://doi.org/10.1097/MPG.0000000000003521 (2022). | article
  4. de Kleine, R. H. et al. Euro. Surveill. 27, pii=2200369 (2022). | article