أنباء وآراء

الحقيقة قد تحسن معدلات الإقبال على تطعيمات «كوفيد»

أدى اطلاع الأفراد على آراء الأطباء حول اللقاحات المضادة لمرض «كوفيد-19»، إلى ارتفاع نسب الإقبال على التطعيمات المضادة لهذا المرض بأربع نقاط مئوية بعد تسعة شهور. وتشير هذه النتيجة إلى أن الجهود التوعوية والتحفيزية البسيطة قد تكون لها بصمات إيجابية مستدامة.

نينا مازار

  • Published online:

شهد العالم جهودًا غير مسبوقة، استلزمت ضخ استثمارات قيمتها مليارات الدولارات، من أجل تطوير لقاحات فعالة مضادة لفيروس «سارس-كوف-2»، وإنتاجها، وتوزيعها. واليوم، تواجه الدول تحديًا آخر، يتمثل في الوصول إلى كيفيةٍ لإقناع جميع أفرادها بتلقي هذه اللقاحات. إذ دب تردد في الإقبال على التطعيمات المضادة للفيروس، أسهم فيه ضعف الثقة فيها والمعلومات المغلوطة عنها، وعن وكالات الصحة، والجهات الحكومية وخبراء الصحة1. من هنا، يفيد الباحث فويتش بارتوش وفريقه البحثي، في بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature بأنه يمكن تعزيز مستويات الإقبال على التطعيمات، من خلال تدخل إجرائي يُتخذ لمرة واحدة، ألا وهو إحاطة الأفراد بآراء الأطباء الحقيقية عن التطعيمات ضد «كوفيد-19».

وقد أجرى بارتوش وفريقه البحثي تجربتهم في جمهورية التشيك، التي جاء ترتيبها في المركز الثاني من حيث عدد الوفيات المسجلة منذ اندلاع الجائحة، بين 53 دولة من أكبر اقتصادات العالم، وذلك اعتبارًا من أبريل الماضي (انظر go.nature.com/3n4hqzq). وقد اغتنم واضعو الدراسة إجماع قطاع عريض من الشعب التشيكي (يمثل نسبة قوامها 73% من أفراده) على أن الأطباء في بلدهم جديرون بالثقة3.

عرض الباحثون على 2101 من الأشخاص المشاركين في الدراسة، شكلوا ما يقرب من نصف المشاركين فيها، نتائجَ استبيان نُفذ بالتعاون مع منظمة غرفة التشيك الطبية، ووجه تساؤلات لـ9650 طبيبًا من مختلف أنحاء البلد، ملتمسًا آراءهم عن التطعيمات ضد مرض «كوفيد-19». وقد كشف الاستبيان أن 90% من الأطباء أبدوا اهتمامهم بتلقي تطعيم ضد المرض (أو تلقوه بالفعل)، وأن 95% منهم يعتزم توصية من يتمتعون بقسط جيد من الصحة من مرضاهم به، وأن 89% منهم يثق في التطعيمات المضادة لمرض «كوفيد-19» المعتمَدة من وكالة الأدوية الأوروبية. وقد تلقى المشاركون هذه النتائج بعد سؤالهم عن آرائهم حول نظرة الأطباء إلى التطعيمات المضادة لـ«كوفيد-19».

قدَّم بارتوش وفريقه البحثي هذه التوعية المحفِّزة على التطعيم مرة واحدة في منتصف شهر مارس من عام 2021، أي بعد مضي شهرين من بدء طرح التطعيمات للجمهور. وقد أتبعوا هذا الإجراء التدخلي بإحدى عشرة مرحلة أخرى من جمع البيانات، ضمت المشاركين أنفسهم، واستمرتْ حتى نهاية شهر نوفمبر من عام 2021. وقد طلبوا من المشاركين في كل مرحلة أن يبلغوهم بجرعات التطعيم التي حصلوا عليها، ومن ثم يتحقق منها واضعو الدراسة لاحقًا.

قبْل هذا الإجراء، رأى المشاركون أن نسبة الأطباء الذين قد يرغبون في تلقي تطعيم ضد الفيروس، تبلغ في المتوسط 57% فقط، وأن 61% منهم يثقون باللقاحات المضادة للفيروس، لكن بعد مضي أسبوعين من هذه الإجراءات التوعوية، ارتفعتْ هاتان النسبتان المئويتان إلى 63% و67% على الترتيب، بين المشاركين الذين اطلعوا على نتائج الاستبيان.

وبمقارنة نسبة الإقبال على تلقي التطعيمات بين المشاركين الذين خضعوا لهذه التوعية التحفيزية، وأولئك الذين لم يخضعوا لها، يتضح وجود زيادة تدريجية وأثر دائم في نسب الحصول على التطعيمات (الشكل 1). فقد كان الفارق في نسبة الإقبال على التطعيمات بين المجموعتين لا يُذكر في المراحل الأولى من جمع البيانات، عندما كان طرح اللقاح للجمهور محدودًا. بيد أنه في شهر يوليو من عام 2021، فور طرح اللقاحات بالمجان لجميع البالغين، ارتفع الإقبال على التطعيم باللقاحات في أوساط أفراد المجموعة التي تلقت توعية تحفيزية بنسبة تتراوح بين 4 و5 نقاط مئوية. وتُعد هذه زيادةً ضخمة. وظل الفارق بين المجموعتين من حيث الإقبال على التطعيمات ثابتًا نسبيًا حتى نهاية فترة جمع البيانات. ومن المؤشرات المشجّعة أن واضعي الدراسة أفادوا بوجود نسبة فارق مشابهة بين المجموعتين (تبلغ أربع نقاط مئوية)، من حيث اعتزام أفرادهما الحصول على جرعة لقاح معزِّزة، وهو ما تبين عندما طلب واضعو الدراسة من أفراد المجموعتين الإفادة بمدى استعدادهم لتلقي التطعيمات قرب نهاية فترة جمع البيانات.

الشكل 1 | تغيير نسبة الإقبال على التطعيمات بعد إجراء تدخلي بسيط. في عام 2021، عرض بارتوش وفريقه البحثي على بعض المشاركين في الدراسة بعضَ المعلومات عن موقف الأطباء من التطعيمات المضادة لمرض «كوفيد-19». ودرس الفريق البحثي مدى تأثير اتخاذ هذه الإجراءات التوعوية التحفيزية لمرة واحدة على نسب الإقبال على تلقي التطعيمات. ويشير الشكل البياني إلى نسب الإقبال على تلقي التطعيمات في 11 تاريخًا خلال الأشهر التسعة التي أعقبتْ تطبيق هذه الإجراءات التدخلية في حال المشاركين الذين تلقوا التوعية التحفيزية وأفراد مجموعة المقارنة. (نقلًا عن الشكل 4، من المرجع 2، باستخدام نقاط البيانات التي خلص الباحثون إليها من مجموعة مقارنة موضحة في خطة الدراسة).

الشكل 1 | تغيير نسبة الإقبال على التطعيمات بعد إجراء تدخلي بسيط. في عام 2021، عرض بارتوش وفريقه البحثي على بعض المشاركين في الدراسة بعضَ المعلومات عن موقف الأطباء من التطعيمات المضادة لمرض «كوفيد-19». ودرس الفريق البحثي مدى تأثير اتخاذ هذه الإجراءات التوعوية التحفيزية لمرة واحدة على نسب الإقبال على تلقي التطعيمات. ويشير الشكل البياني إلى نسب الإقبال على تلقي التطعيمات في 11 تاريخًا خلال الأشهر التسعة التي أعقبتْ تطبيق هذه الإجراءات التدخلية في حال المشاركين الذين تلقوا التوعية التحفيزية وأفراد مجموعة المقارنة. (نقلًا عن الشكل 4، من المرجع 2، باستخدام نقاط البيانات التي خلص الباحثون إليها من مجموعة مقارنة موضحة في خطة الدراسة).

كبر الصورة

تتمتع هذه الدراسة بعدة مواطن قوة، تكسبها تفوقًا بين الدراسات الأخرى. فعلى سبيل المثال، كان المشاركون يمثلون بدرجة كبيرة سكان جمهورية التشيك البالغين، على اختلاف نوعهم الجنسي، وأعمارهم، ومستواهم التعليمي، ومناطق إقامتهم، ومواقفهم من تطعيمات «كوفيد-19». كما كانوا يعبرون عن النسب الفعلية لتلقي التطعيمات. ويدل ذلك على أن الإجراءات التدخلية التي تبناها بارتوش وفريقه البحثي قد تكون فعّالة حال توسيع نطاقها، لتشمل سكان البلد بأسرهم.

علاوةً على ذلك، تُعد هذه الدراسة واحدة من بين عدد قليل من الدراسات، التي لم تقتصر على استطلاع مدى استعداد الأفراد لتلقي تطعيمات «كوفيد-19». وكانت أيضًا الوحيدة التي تقصتْ فاعلية الأثر السلوكي لتقديم آراء (واقعية) إيجابية تصحح المفاهيم الخاطئة، تدلي بها مجموعة موثوقة من الخبراء المعنيين. بالمقارنة، كانت دراسات سابقة قد ركزتْ على إجراءات تدخلية، مثل إمكان منح مكافآت نقدية لمتلقي التطعيمات (كمنحهم جوائز يانصيب)، وبث رسائل نصية للتوعية – على سبيل المثال - بفوائد التطعيم، وفاعلية اللقاحات، ومعايير السلامة، والمفاهيم الاجتماعية السائدة التي تكتنف التطعيمات5. بالإضافة إلى ذلك، لما كان بارتوش وفريقه البحثي قد جمعوا بيانات على مدار فترة طويلة الأمد لمراحل مختلفة من طرح اللقاحات، سمحتْ لهم نتائج دراستهم بملاحظة أثر مستدام لإجرائهم التدخلي، لم يؤد إلى إسراع وتيرة الإقبال على التطعيمات فحسب، بل زاد كذلك من الإقبال عليها، في أوساط شريحة فرعية من السكان، ترددتْ في السابق في الإقبال على التطعيمات.

مع ذلك، لا تخلو الدراسة من أوجه القصور، لا سيما فيما يتعلق بطرق نقل تطبيق الرؤى المتعمقة المستخلصة منها إلى سياقات أخرى وتوسيع نطاقها6. فأولًا، كانت الإجراءات التدخلية التي تبناها الفريق البحثي تحركها عوامل قاصرة على جمهورية التشيك، تتمثل في الثقة واسعة الانتشار في الأطباء، والشيوع الكبير لاستحسان تطعيمات «كوفيد-19» بين الأطباء، واستهانة المواطنين بدرجة كبيرة بهذا الشيوع. بيد أن واضعي الدراسة لم يقطعوا بأن تأثير إجراءاتهم التوعوية التحفيزية قد اعتمد على هذه العوامل، أم أن تلك العوامل تسببتْ فيه.

ثانيًا، خطة التجربة، وانقسام المشاركين فيها إلى مجموعتين فقط (مجموعة تلقت التوعية التحفيزية، وأخرى لم تتلقَّها)، أعجزا واضعي الدراسة عن تحديد دور كل من هاتين السمتين في النتيجة التي انتهوا إليها. على سبيل المثال، إلى أي مدى كان سؤال المشاركين عن آرائهم حول مواقف الأطباء، قبل تلقي نصفهم للتوعية التحفيزية، مهمًا فيما خلصتْ إليه الدراسة؟ وما مدى إسهام كل من المعلومات الثلاث المتعلقة بمواقف الأطباء في نتائج الدراسة؟

وأخيرًا، بالرغم من أن الدراسة أُجريتْ على عينة معبرة عن سكان جمهورية التشيك، يبقى محتملًا أن تنجح توسعة نطاق إجراءاتها التدخلية دون أي انخفاض في فاعليتها7. فعلى سبيل المثال، وافق المشاركون في الدراسة على الانضمام إلى مجموعة نقاش تُستطلع آراؤها بصفة منتظمة، وإن كان من الصعب ضمان تحقق مستويات مشاركة مماثلة في أوساط المجتمعات السكانية الأوسع نطاقًا، لا سيما بإبداء اهتمام بالتوعية التحفيزية أو الثقة في نتائجها8.

ومع ذلك، تُعد النتائج التي توصل إليها بارتوش وفريقه البحثي – على أقل تقدير – مثيرةً للاهتمام. إذ طرح الفريق إمكانية الإسهام في زيادة معدلات الإقبال على تلقي تطعيمات «كوفيد-19» المنقذة للأرواح بإجراءات توعوية تحفيزية، تعد نسبيًا بسيطةً، وغير مكلفة، تستهدف المفاهيم المغلوطة9 عن آراء الأطباء، وتُتخذ مرة واحدة.

وبالنظر إلى التأثير الكبير نسبيًا الذي أحرزته هذه الإجراءات التدخلية، مقارنة بغيرها من الإجراءات4، يحدوني الأمل في أن يضيف الباحثون هذه الإجراءات التوعوية التحفيزية إلى جعبة أدوات تدخلاتهم لعلاج المشكلة. وينبغي للباحثين مستقبلًا النظر في تجريب الاستعانة بهذه التوعية التحفيزية في بلدان أخرى وفي تدخلات صحة عامة أخرى، في سياقات مماثلة. وعلى أفضل تقدير، قد تلهم هذه الدراسة الباحثين لاستكشاف الآليات الكامنة التي تقف وراء النتائج التي لاحظها بارتوش وفريقه البحثي، للوصول إلى فهم أفضل لمدى إمكانية تعميم هذه النتائج.

تقرّ مؤلفة المقال بعدم وجود أي تضارب في المصالح، وقد نُشر هذا المقال على الإنترنت في الأول من يونيو من عام 2022.

References

  1. Roy, D. N., Biswas, M., Islam, E. & Azam, M. S. PLoS ONE 17, e0265496 (2022). | article
  2. Bartoš, V., Bauer, M., Cahlíková, J. & Chytilová, J. Nature 606, 542–549 (2022). | article
  3. Blendon, R. J., Benson, J. M. & Hero, J. O. N. Engl. J. Med. 371, 1570–1572 (2014). | article
  4. Sunstein, C. R. Nature Hum. Behav. 6, 9–10 (2022). | article
  5. Batteux, E., Mills, F., Jones, L. F., Symons, C. & Weston, D. Vaccines 10, 386 (2022). | article
  6. Mažar, N. & Soman, D. Behavioral Science in the Wild (Univ. Toronto Press, 2022).
  7. List, J. A. The Voltage Effect (Penguin Random House, 2022). 
  8. Kettle, S., Hernandez, M., Sanders, M., Hauser, O. & Ruda, S. Behav. Sci. 7, 28 (2017). | article
  9. Pennycook, G. et al. Nature 592, 590–595 (2021). | article
Affiliation