رؤية كونية

 لنحتكم إلى الأدلة في قضايا تعزيز المساواة بين الجنسين!

ترتكب الجامعات ثلاثة أخطاء في سعيها لدعم تحقيق المساواة بين النساء والرجال.

ميشيل رايان
  • Published online:

JAMIE

أنا أكاديمية أدرُس تجارب النساء المضطلعات بأدوار قيادية، وأعمل مديرة لمعهد متخصص في هذه الشؤون بالجامعة الوطنية الأسترالية في مدينة كانبيرا. ومن ثمَ، أقضي وقتًا طويلًا في دراسة متطلبات تحقيق المساواة بين النساء والرجال في أماكن العمل. وقد أصبحتْ الغالبية العظمى من الجامعات، والمؤسسات البحثية، وهيئات التمويل تتبنَّى مبادرات لتحقيق التكافؤ بين النساء والرجال. ففي عام 2005، على سبيل المثال، تأسَّس في المملكة المتحدة برنامج الاعتماد «أثينا سوان» Athena Swan، الرامي إلى تحقيق العدل بين النساء والرجال في الجامعات، والذي اعتُمِد لاحقًا في أمريكا الشمالية وأستراليا ومناطق أخرى من العالم. كما اعتمدتْ وزارة العلوم والتكنولوجيا في الصين عام 2011 سياسةً لدعم النساء اللاتي يعملن في مجالات العلوم والتكنولوجيا. كذلك بدأت «منطقة البحوث الأوروبية» European Research Area والهند عام 2020 تنفيذ برامج طموحة في هذا الصدد.

وعلى الرغم من ذلك، فقد أوضحتْ أحدث البيانات الصادرة عن «المفوضية الأوروبية» أن النساء تُشكِّلن نصف عدد الخريجين حاملي شهادات الدكتوراه، إلا أنهن لا تُمثِّلن سوى الربع تقريبًا من عدد من يشغلون وظائف أكاديمية عُليا ويتقلَّدون مناصب صناعة القرار. كذلك، في أمريكا الشمالية وغرب أوروبا، لا تُشكِّل النساء سوى نسبة قوامها 33% ممن يشغلون وظائف في مجالات البحث العلمي والتنمية. وتنخفض تلك النسبة إلى 24% في شرق آسيا ومنطقة المحيط الهادي، بل وتصل إلى 18.5% في جنوب وغرب آسيا.

فما أسباب جمود حركة تحقيق المساواة بين الجنسين؟ أرى أننا قد نشهد تقدّمًا أسرع في هذا المجال، إذا استعانت المؤسسات التي تعلن التزامها بدعم المساواة بين النساء والرجال بنتائج أبحاث موثوقة في المبادرات التي تُنفّذها.

وفيما يلي، أذكر ثلاثة أخطاء شائعة ترتكبها هذه المؤسسات:

أولًا، التركيز المُفرط على إحصاءات مختزلة تخفي الفجوات بين الجنسين، كإحصاء نسبة النساء بين إجمالي أعضاء هيئات التدريس والفائزين بالمنح البحثية. كذلك، يجب أن تمتد أي محاولة لدراسة هذه الظاهرة إلى رصد الخبرات وأوجه النفوذ في هذه المناصب والمِنح. فهل تضمن المنح والمناصب التي تحصل عليها النساء حصولهن على القدر ذاته من الاعتراف بدورهن وتقديره، وامتلاك الموارد نفسها التي يحصل عليها الرجال؟ إن نسبة النساء اللاتي تُنشر أبحاثهن أو تنلن درجات الأستاذية لا تُعد ذات أهمية كبيرة، طالما جاءت أدوارهن في أغلب هذه الحالات ثانوية أو مؤقتة أو هزيلة.

دعونا الآن نتأمّل الظاهرة المعروفة باسم «ظاهرة الجرف الزجاجي» (التعيين في أدوار قيادية حرجة ومحفوفة بالمخاطر، محتم الفشل بها). فقد خلصت مع بعض زميلاتي - في أحد الأبحاث التي أجريناها قبل 15 عامًا - إلى وجود نزعة عامة لإسناد هذه الأدوار للنساء أكثر من الرجال. (M. K. Ryan and S. A. Haslam Acad. MgmtRev. 32, 549–572; 2007). آنذاك، استعنّا بأدلة قدمتها لنا الأبحاث الأرشيفية والتجريبية والنوعية في رصد هذه الظاهرة التي يمكن أن نسميها "دس السم في العسل"، وهي تنطبق على طيف واسع من الوظائف التي تشغلها النساء، سواء كانت وظائف في كبرى الشركات المُدرجة ضمن مؤشر «فوتسي 100» FTSE100 (وهو أقوى مؤشرات الأسهم في بريطانيا)، أو وظائف رئاسة أمانة المكتبات، أو حتى رئاسة الدول. وقد بدأت تلك الاعتبارات اليوم تحظى باهتمام أكبر من أي وقت مضى، في ظل سعي المؤسسات للتصدّي للجائحة، وارتفاع الأسعار وتفاقم الانقسامات المجتمعية. وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل تحصل النساء على نوعية الترقي الوظيفي نفسها التي يحصل عليها الرجال؟ 

 ويتمثَّل الخطأ الثاني في التركيز على تدريب الأفراد بدلًا من الإصلاح الشامل للمنظومات المؤسسية والثقافية. إذ أجد مرارًا وتكرارًا سيدات يتلقّين مزيدًا من التدريب والإرشاد لتشجيعهنّ على التحلي بالجرأة  في مسارهنّ الوظيفي، والتغلّب على ما يُطلَق عليه « متلازمة المُحتال» (الشعور بعدم الجدارة(، وتعزيز مهاراتهن القيادية، وحثهن على التقدم للحصول على المنح. بيد أن الأمر واضح تمامًا، إذ إن القصور لا يكمن في النساء، لكن في  التفرقة المؤسسية راسخة الجذور. 

وقد أوضحتْ الأبحاث التي أجريناها أن طموحات النساء وثقتهن في قدراتهن لا تقلّ في طبيعتها عن تلك التي يتمتع بها الرجال، ولكنها تتآكل تدريجيًا نتيجة الظروف التي تواجهها النساء في أماكن العمل، والتي تنتهج التفرقة، مثل غياب نماذج يُحتَذى بها، والتعرُّض لمعاملة مختلفة مقارنة بنظرائهن من الرجال. كما أن النساء بطبيعتهن لا يجنحن لتجنّب خوض المخاطر، لكنهن يعملنَ داخل بنى مؤسسية تُكافئ الرجال على ذلك، بينما تُعاقَب النساء على الفعل ذاته.  

واتخاذ إجراءات تستهدف الأفراد يُسهم، في أحسن الأحوال، في إحراز إصلاحات قصيرة الأمد، تستفيد منها قلّة من النساء ممن يتمتَّعن بالفعل ببعض الامتيازات. أما في أسوأ الأحوال، فتلك الإجراءات، تسهم في تعزيز الافتراضات القائمة بشأن النجاح والقدرة على القيادة التي تنبني عليها ممارسات التمييز الممنهج ضد النساء. ومن الثابت أن برامج التدريب التي تقدَّم للنساء قد تُسفر عن آثار عكسية، بأن تصبح عاملًا ضاغطًا آخر يستنزف وقتهن.

"القصور لا يكمن في النساء، لكن في  التفرقة المؤسسية راسخة الجذور".

 أمَا الخطأ الثالث، فهو التفاؤل المفرط، والذي من شأنه أن يُدمّر جميع الجهود المبذولة في هذا الشأن. فرغم أن التطورات التي أُحرزت على صعيد تحقيق المساواة بين الرجال والنساء حقيقية وينبغي الاحتفاء بها، فإن الدراسات التي رصدت نسبة النساء داخل مجالس الإدارات، وفي الأفلام، وفي مختلف المهن، أوضحت أن الرجال والنساء على حد سواء ينزعون نحو المبالغة في تقدير نسبة تمثيل النساء بهذه المحافل.

وقد أوضحت إحدى الدراسات التي أجريناها أنَ الجراحين البيطرين الذين يشعرون أن التحيز ضد النساء لم يعُد يُمثل مشكلة في مجال عملهم، كانوا في الغالب يجنحون لجعل رواتب زميلاتهن من النساء أقل من الرجال، كما أتاحوا لهن فرصًا أقل في الترقي الوظيفي. وفي دراسة أخرى، وجدنا أن الرجال الذين كانوا يغالون في تقدير نسبة النساء في المهن الطبية هم أقل الداعمين لمبادرات تحقيق المساواة بين النساء والرجال.

نحن، إذن، في حاجة إلى إجراءات تُعالج قضية غياب المساواة بين النساء والرجال بشكل حقيقي، وبكل ما تنطوي عليه من تعقيدات وتفاصيل دقيقة.

إلا أن هناك أمثلة جيّدة لخطوات ملموسة يمكن اتخاذها: (1) إدخال تغييرات مؤسَّسية من شأنها إبراز دور النساء وإعلاء أصواتهنّ، مثل حظر تشكيل جلسات المؤتمرات المقتصرة على الرجال، ومطالبة منظّمي المؤتمرات بذِكر نِسبة النساء المشاركات في المؤتمرات كمتحدّثات رئيسيات أو أعضاء  في جلساتها. (2) مساءلة كبار المسؤولين عما يُحرَز من تقدّم في مجال تحقيق المساواة بين النساء والرجال، وهو النهج الذي يسلكه برنامج «داعمي التغيير في أستراليا» Australian Champions for Change، والذي يرصد أعضاؤه بعضَ العوامل التي تتجلَّى فيها التفرقة، مثل الرواتب والترقيات والخبرات الوظيفية. (3) جعل تقديم التمويل البحثي للمؤسسات مرهونًا بتبنّيها خطة تضمن المساواة بين النساء والرجال، وتتسم بالشفافية وكفاية الموارد، مثلما هو الحال في استراتيجية الاتحاد الأوروبي لدعم البحث والإبداع. إذ إن تخفيض سقف هذه المتطلبات، وهو ما أعلنت بريطانيا عام 2020 عزمَها فعله، يعكس أوجه التراجع التي يشهدها دعم تقدّم النساء، وهو ما نرى تفاقمه في خضم الظروف الحرجة التي يمر بها العالم أجمع.

إن النوايا الحسنة لا تكفي لتحقيق التغيير، ولا الاكتفاء بإحصاءات مختزلة، أو وضع برامج تدريب أو تبني نظرة وردية متفائلة لا تستند إلى أسباب وجيهة. فالتغيير يستلزم المواظبة على تكريس الطاقات واستثمارها، وتشجيعًا كافيًا، وإجراءات مدعومة بأدلة من الواقع.

التعريف بكاتبة المقال: ميشيل رايان، أول مديرة لـ«المعهد العالمي للنساء في الأدوار القيادية» Global Institute of Women’s Leadership بالجامعة الوطنية الأسترالية في مدينة كانبيرا.

البريد الإلكتروني: michelle.ryan@anu.edu.au