افتتاحيات

الحرب في أوكرانيا وأزمة الأمن الغذائي حول العالم

الاجتياح الروسي لأوكرانيا هو أحدث التهديدات لمؤن الغذاء عالميًا. ولكن بمُستطاع الباحثين أن يساعدوا في كبح أزمات الغذاء؟ 

  • Published online:

اجتياحٌ عسكري، وحرب، ووباء عالمي، وأزمة مالية – عواملُ تضافرَتْ فيما بينها لتُعرِّض منظومات الغذاء العالمية لضغوط غير مسبوقة. فأوكرانيا وروسيا وحدهما تُنتجان، مُجتمِعَين، نحو 14% من حصيلة العالم من القمح، وحوالي 30% من صادراته، ونحو 60% من حصيلة نبات عباد الشمس عالميًا. هذه المؤن جميعها واقعة تحت التهديد؛ فقد أوقفت روسيا صادرات الغذاء والأسمدة، والمزارعون الأوكرانيون يواجهون ظروفًا قاسية، إذ يتصدون للجيش الروسي الغازي، بينما يتولون بالرعاية محاصيل هذا العام.

على أن النقص في صادرات الغذاء لا يتوقف عند روسيا؛ إذ بحلول الثاني عشر من أبريل الماضي، كانت 16 دولة قد حظرت أو قيَّدت صادرات الغذاء، وذلك بحسب روب فوس، من المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، ومقره العاصمة الأمريكية واشنطن. وهذا التناقص في مؤن الغذاء، بدوره، يرفع معدلات التضخم. وهذان العاملان معًا – نقص المؤن والتضخم – قد يُفضيان إلى تداعياتٍ كارثية على الفئات الأفقر والأكثر تهميشًا في العالم. فهناك ما لا يقل عن 26 دولة، منها الصومال والسنغال ومصر، تعتمد على روسيا أو أوكرانيا أو كلتيهما لتوفير 50 إلى 100 بالمائة من حاجياتها من القمح. فإذا استمر النزاع في أوكرانيا، فإن دولًا مثقَلة بالديون، من أثر الجائحة العالمية، قد تلجأ إلى طلب مزيد من القروض لتأمين المواد الغذائية الأساسية؛ وهو ما يثقل كاهلها أكثر، ويفاقم مشاكلها.

واضح أننا بحاجة لإجراءات عاجلة. وينبغي أن يكون من الأولويات منع وإلغاء الحظر على الصادرات، وتوفير الموارد المالية لجهود الإعانة الطارئة التابعة لبرنامج الغذاء العالمي. وكان البرنامج قد أعلن، في مارس الماضي، أنه، بسبب التضخم، يحتاج لزيادة مخصصاته بنحو 60 مليون إلى 75 مليون دولار شهريًا.

توجهات مختلفة

وإن بدا أن تشخيص المشكلة واضح، ليس هناك إجماع على ما ينبغي عمله في المدى المتوسط والطويل، لرفع قدرة الدول على التعامل مع نقص مؤن الغذاء الذي تسببه الجوائح والحروب والأزمات المُناخية. فالبحث العلمي المتعلق بمنظومات الغذاء معقَّد، ومتشعِّب الرؤى، ثم إن لدينا فجوات في الأبحاث حول تلك المنظومات. ويُضاف إلى ذلك غياب آليةٍ دولية تُلزِم الحكومات بالأخذ بمُخرجات الأبحاث المتعلقة بمنظومات الغذاء.

يذهب فريقٌ من الباحثين إلى أن الدول عليها أن تُسخِّر كل أدوات السياسة العامة من أجل خفض اعتمادها على واردات الغذاء، بما قد يقتضيه ذلك من اللجوء لاختيارات قد لا تكون الأصلح للبيئة. فقد يعني هذا، مثلًا، إزالة الغابات لزرع مزيدٍ من محاصيل الحبوب والزيوت قُرب الأسواق المحلية.

ويذهب فريقٌ آخر إلى أن الأزمة الحالية تمثل فرصةً لحثِّ الخطى في اتجاه مستقبل أكثر وعيًا بمتطلبات البيئة. فممارسات الزراعة الكثيفة هي من بين الأسباب الأساسية وراء خسارة التنوع الحيوي، ثم إن الزراعة تسهم عالميًا بنحو 30% من انبعاثات غازات الدفيئة. هناك أربعة سياسات على الأقل يمكن من خلالها خفض تلك التبعات إلى أدنى مستوى، مع ضمان توفير مؤن الغذاء، وذلك بحسب الداعين لتلك السياسات.

أربعة اعتباراتٍ يجدُرُ بنا أن نلتفت إليها في هذا الصدد. أولًا، نحو ثلث الأرض المزروعة عالميا موجهة لإنتاج أعلاف الحيوانات، وذلك وفقا لمعهد الموارد العالمية، وهو مركز بحثي مختص بشؤون البيئة، ومقره واشنطن العاصمة. يستطيع البشر أن يحصلوا على حاجياتهم من الطاقة، وباستخدام أراضٍ أقل، لو خفضوا استهلاكهم من المنتجات الحيوانية. ثانيًا، نحو ثلث الغذاء الذي يُنتَج حول العالم لا يجد سبيله إلى موائد الطعام؛ إذ يتبدد خلال سلسلة الإنتاج، أو يُهدَر لدى بلوغه المستهلكين. تحسين طرق الحصد والتخزين قد يخفض الهدر، وكذلك فقد تكون مفيدةً جهودُ تنبيه المستهلكين لاختيارات غذائية تعكس وعيًا بالمسؤولية.

ثالثًا، أغلب الأراضي المزروعة يسودها عدد محدود من محاصيل الغذاء، كالقمح والأرز والذرة والصويا والبطاطس؛ وهذا ينال من التنوُّع الحيوي. تنويع الزراعة، بحيث تشمل عددًا أكبر من محاصيل البقول والمكسرات والزيوت والخضروات، قد يفيد الكوكب والبشر على السواء؛ لأن تلك المحاصيل تمد الأراضي بمُغذّيات هامة.

أخيرًا، بالإمكان تحويل الأراضي الزراعية المخصصة الآن للوقود الحيوي إلى إنتاج محاصيل الغذاء. فنحو 40% مما تنتج الولايات المتحدة من الذرة موجَّه لصناعة الكحول الإيثيلي (الإيثانول). وتشير أبحاث إلى أن الوقود الحيوي الذي تنتجه أراض زراعية لا يقدِّم الفائدة المرتجاة في خفض احترار المناخ1.

تحديات بحثية

كل من تلك الإجراءات له كلفة، ومن ثم ينبغي أن يخضع كل منها لتقدير المكاسب والخسائر؛ وهذا ما يُكسِب البحث العلمي أهميةً قصوى في هذا الشأن. بعض المجالات البحثية يعوزها الاتساق والاكتمال. فقد وجد تحليل للأبحاث المنشورة في مجال الزراعة (وهو مشروع يحمل اسم: «سيريز2030» Ceres2030) أن الدراسات الموجهة لتلبية احتياجات صغار المزارعين لم تَزد على 5% من مجموع الدراسات (انظر: go.nature.com/3rjkwiw). كما انتهى التحليل إلى أن كبار المموِّلين لأبحاث الزراعة يوجهون نصيب الأسد من دعمهم المالي لأبحاث محاصيل الحبوب الأساسية2. تقول إستر تيرنهاوت: "ليس فهمنا لمنظومات الطعام كاملًا، وجزء من المشكلة يتمثل في طريقة اختياراتنا البحثية المتعلقة بمنظومات الغذاء". تعمل تيرنهاوس رئيسةً لقسم العلوم والتكنولوجيا والمجتمع بجامعة اتفنتي في هولندا.

في قمة هامة، عُقدَتْ العام الماضي تحت رعاية  الأمم المتحدة، ناقشت الوفود المشارِكة فكرة إنشاء هيئة لمنظومات الغذاء، تماثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC). ستتلقى تلك الهيئة المزمعة الأسئلة من صانعي السياسات، وسترد عليها، كما ستقدِّم توصيات تعتمد على تحليل ما يجتمع لها من معلومات. وسوف تكون تقاريرها بمثابة تذكير للجهات المموِّلة للأبحاث بالفجوات في البحث العلمي التي تستحق انتباههم.

ولكنْ لتلك الفكرة منتقدوها. وهؤلاء يشيرون، عن حق، إلى أن مجال منظومات الغذاء لا تعُوزه الهيئات رفيعة المستوى، التي تضمُّ باحثِين ينتجون معرفة علمية. فهناك ما لا يقلُّ عن 11 لجنة وهيئة3 موجهة لتلك الأغراض. من بينها اللجنة رفيعة المستوى التي تضمُّ خبراء تابعين للجنة الغذاء العالمي (CFS)، التي تقدِّم لمنظومة الأمم المتحدة المشورة العلمية المستمرة.

ما يفتقر إليه المجال البحثي المتعلق بمنظومات الغذاء هو آلية دولية يحصل صناع السياسة بمقتضاها على تقييمات مستقلة للأبحاث المتاحة، وتلزمهم باتباع توصيات تلك الأبحاث، بطريقة تماثل ما تؤديه تقارير هيئة تغير المناخ آنفة الذكر، والتي تمد الحكومات بالبيانات التي تعينها على أداء عملها في مؤتمرات الأمم المتحدة للمناخ.

يدرس جمعٌ من الخبراء، يعملون لصالح المفوضية الأوروبية في بروكسل، إمكانية إنشاء هيئة لمنظومات الغذاء تماثل هيئة المناخ. يُتوقع أن تذهب توصيات ذلك الجمع، المزمع نشرها الصيف القادم، إلى أن المنظمات الحالية لا تلبي الاحتياجات. ولكن الحل، وفقا لباحثة البيئة جاكلين مكجليد، وهي عضوة في جمع الخبراء، لا يكمُن في إنشاء هيئة جديدة تماثل هيئة المناخ. وإنما سيطرح الخبراء بذل جهودٍ أكبر في تجميع المعرفة والمعلومات من المجموعات المهمَّشة. وقد يُضاف إلى ذلك تدشين «مركز تجميع» معلومات، يتبع الأمم المتحدة، لينتقي ما تحتاجه الحكومات من لجان التوصيات العلمية، ثم يدمج تلك التوصيات ضمن التزامات دولية، كما هو الحال فيما يتعلق بالمناخ، والتنوع والحيوي، وأهداف التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة.

ليس واضحًا بعدُ إن كان فريق الخبراء سينجح في إقناع ما يكفي من الأفراد والمؤسسات لتعمل معًا من أجل توسيع وإنفاذ التوصيات العلمية المتعلقة بمنظومات الغذاء. ولكن ما سينتج من تحليل بحثي، ومن إعادة نظر في المُسَلَّمات، سيكون مفيدًا بلا شك. ويجب أن ننظر للأزمة الأخيرة بوصفها لحظة اجتمع فيها العالم على هدف تجديد منظومات الغذاء، وتجديد الأجندة البحثية المتصلة تلك المنظومات. وكما تقول شيريل هندريكس، الباحثة في سياسات الغذاء بجامعة بريتوريا بجنوب إفريقيا، إن "الأوضاع الجيوسياسية الآن باتت واضحةً للعيان على نحوٍ لم يدُر لنا ببال".

 

 

References

  1. Jeswani, H. K., Chilvers, A. & Azapagic, A. Proc. R. Soc. A 476, 20200351 (2020). | article
  2. Pingali, P. Food Sec. 7, 583–591 (2015). | article
  3. Singh, B. K. et al. Nature Food 2, 838–842 (2021). | article