افتتاحيات

نيتشر تتصدى للممارسات الإقصائية وغير الأخلاقية في البحث العلمي 

تهدف أُطر عمل جديدة إلى تحسين مشاركة مختلف الأطياف البشرية، وتبنّي الممارسات الأخلاقية في جهود التعاون البحثية العالمية، ضمن جهود أوسع للقضاء على الممارسات الاستغلالية في البحث العلمي.

  • Published online:

من المؤسف أن للممارسات الاستغلالية أشكالًا عديدة، من بينها ما يُعرَف بـ"البحوث الاستعمارية"، التي يُجريها باحثون من بيئات ذات دخلٍ مرتفع أو يتمتَّعون بامتيازات عدَّة، في بيئات ذات دخل أقل، أو على مجموعات سُكَّانية مهمشة منذ زمن طويل، دون إشراك هذه المجتمعات أو الباحثين المحليين في وضع فكرة البحث أو تصميمه أو إجرائه أو نشره. أما "التملّص من أخلاقيات البحث العلمي"، فيقع حين ينقل باحثون من بيئات أعلى دخلًا أو من ذوي الامتيازات سالفة الذكر التجاربَ والدراسات المشينة أو غير الأخلاقية، إلى بيئات أقل دخلًا، أو ذات امتيازات أقل، تكون معاييرها الأخلاقية مغايرة، أو الإشراف الرقابي بها أضعف.

هذه الممارسات ومثيلاتها خاطئة. كما أنها تضرّ بالبحث العلمي، إذ تحرمه الاستفادةَ من خبرات بالغة الأهمية، ومن أخذ سياقات لا غنى عنها في الاعتبار. بَيد أنه من المؤسف أن هذه الممارسات الاستغلالية ظلّت قرونًا عدّة النهجَ الوحيد الذي يسلكه الباحثون من مختلف أنحاء العالم عند إجراء الأبحاث في دول الجنوب العالمي. ولا تزال جوانب عدة من تلك الممارسات قائمة إلى اليوم، رغم أن دول الجنوب العالمي باتت أقدر على إجراء أبحاثها بنفسها.

من هنا، يطرح قسم «نيتشر بورتفوليو» Nature Portfolio التابع لدار نشر «سبرينجر نيتشر» Springer Nature، نهجًا جديدًا لتحسين مشاركة مختلف الأطياف البشرية في الجهود البحثية، وتعزيز تبنّي أخلاقيات البحث العلمي في الدوريات التي يُصدرها (بما فيها دورية Nature، وجميع دوريات «نيتشر بورتفوليو»). ويأتي هذا التوجُّه في إطار سعي دوريات أخرى لمجابهة مشكلات مماثلة، وبالتزامن مع تأهُّب «المؤتمر العالمي السابع للنزاهة البحثية» World Conference on Research Integrity، المُقرّر انعقاده في كيب تاون بجنوب إفريقيا، لنشر بيان يدعو للتحرّك لمواجهة هذه المشكلات.

تغيير قرون من الممارسات الخاطئة في هذا الإطار يستلزم تضافر جهود جميع عناصر منظومة البحث العلمي.

وثمة نماذج عديدة لممارسات عدم الإنصاف التي لا تزال قائمة في كثير من مجالات البحث العلمي. فعلى سبيل المثال، وجد باحثون في تحليل1 لعينة من الدراسات التي أُجرِيَت في إفريقيا بخصوص عدد من الأمراض المُعدية، أن أقل من نصف تلك الدراسات، كان الاسم الأول أو الأخير بين الباحثين المشاركين فيها لباحث إفريقي. وكشف تقرير2 آخر أن ثلثي المقالات البحثية عالية التأثير في مجال علوم الأرض بخصوص إفريقيا، لم يُسهم فيها مؤلف إفريقي.

وحتى في بحوث التنمية، التي يَنصبُّ الاهتمام الأكبر فيها على التحدِّيات التي تواجه دول الجنوب العالمي، فإن نحو ثلاثة أرباع الأوراق البحثية التي نُشرت في أهم 20 دورية معنية بالتنمية في العالم، بين عامي 1990 و2019، وضعها باحثون من دول الشمال العالمي3.

ونشر باحثون من جنوب إفريقيا عام 2018 توجيهات بخصوص سُبل حماية العيّنات والبيانات المأخوذة من دول الجنوب العالمي من الاستغلال (انظر Nature https://doi.org/gc96fq; 2018). غير أن تغيير قرون من الممارسات الخاطئة في هذا الإطار يستلزم تضافر جهود جميع عناصر منظومة البحث العلمي.

وأحدث خطوات سلكتها دورية Nature لتعزيز مشاركة مختلف الأطياف البشرية في الجهود البحثية، وتبنّي الممارسات البحثية الأخلاقية توجّهها «لائحة القواعد العالمية لإجراء الأبحاث في البيئات فقيرة الموارد» the Global Code of Conduct for Research in Resource-Poor Settings، والتي وضعها مشروع «تراست» TRUST، وهو مشروع تمويل معنيّ بأخلاقيات البحث العلمي، يُموّله الاتحاد الأوروبي. كما تسترشد هذه الخطوات بـ«لائحة قواعد أخلاقيات البحث العلمي المعنيّة بشعوب السان»  San Code of Research Ethics التي وضعتها هذه الشعوب، وهي من شعوب السكان الأصليين في جنوبي إفريقيا.

ومن المزمع أن تدعو «نيتشر» Nature في هذه التوجيهات الجديدة واضعي الأوراق البحثية ومحرّريها ومراجعيها، لمراعاة «لائحة القواعد العالمية لإجراء الأبحاث في البيئات فقيرة الموارد» لدى وضع الأبحاث وإجرائها ومراجعتها ونشرها. ونتطلَّع أيضًا إلى أن نُتيح لواضعي الدراسات فُرصًا للتحلّي بالشفافية، فيما يتعلَّق بالمشاركة البحثية لمختلف الأطياف البشرية وتبنّي الممارسات البحثية الأخلاقية. لذا، نحثُّهم من خلال قائمة التدقيق المعنية بالسياسات التحريرية الواجب اتباعها في دورية Nature على التطوُّع بتقديم إقرار بخصوص المشاركة البحثية لمختلف الأطياف البشرية، وتبنّي الأخلاقيات البحثية في دراستهم، كي يسنح لمراجعي الأوراق البحثية الاطّلاع على هذا الإقرار، وكي يُنشر في البحث العلمي النهائي. ويُترك للمحررين، بناء على تقديرهم، حق طلب مثل هذا الإقرار من واضعي الدراسة.

ولإرشاد واضعي الدراسات عند كتابة هذا الإقرار، وللحدّ من احتمالات الوقوع في خطأ نشر "الأبحاث الاستعمارية" أو "التملص من أخلاقيات البحث العلمي"، فقد وضعنا أسئلةً قائمة على جوانب أساسية في لائحة القواعد العالمية سالفة الذكر، من أمثلتها: هل شمل تصميم البحث وتنفيذه مشاركة علماء محليين؟ هل البحث مهم للمجتمع المحلي؟ هل يُزمع تشارُك المنافع المترتبة على البحث؟ وفي المناطق ذات التشريعات الأقل صرامةً بخصوص سلامة الحيوانات وحماية البيئة، مقارنة بمقار عمل الباحثين، هل اتَّبعت الدراسة المعايير الأكثر صرامة؟

كما نحضّ واضعي الدراسات على الاستشهاد بالأبحاث المحلّية والإقليمية ذات الصلة بموضوع البحث، لتحسين جودة ما يوردونه من استشهادات مرجعية، ولتعزيز المساواة بين الباحثين على اختلاف انتماءاتهم فيما يتّصل بالاستشهاد بأبحاثهم. إذ تشير دراسة4 نُشِرت في الثلاثين من مايو الماضي إلى أن احتمالية الاستشهاد بأوراق بحثية، وضعها باحثون في قِلّة من الدول، من ضمنها الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة، أكبر من احتمالية الاستشهاد بنظيراتها عن الموضوع نفسه، لباحثين من دول أخرى.

ويهدف نهج Nature الجديد هذا إلى ضمان مشاركة باحثين من المناطق والمجتمعات المعنيّة بالبحث في عملية مراجعة الأقران.

ولا نملك بعد حلولًا لجميع المشكلات في هذا الصدد، وثمة تفاصيل دقيقة علينا التصدّي لها. على سبيل المثال، قد يكون من الضروري أن يسعى الباحث إلى إسهام أفراد من المجتمع المحلّي في البحث، لدى قيام العمل البحثي على بيانات ثانوية أو مُعلَنة، لم يُسهم هؤلاء الأفراد في جمعها5 للأخذ في الاعتبار السياق الثقافي شديد الأهمية أو تقييم الآثار المحليّة.

ولا تتصدّى Nature وحدها لهذه المشكلات. ففي العام الماضي، على سبيل المثال، أعلنت جهة النشر «بلوس» PLOS التي تتيح الوصول المفتوح إلى عدد من الأبحاث عن سياسة جديدة تهدف إلى محاربة "الأبحاث الاستعمارية". بالإضافة إلى ذلك، اقترحت6 مجموعة من الباحثين، من بينهم محررون من دوريتي «أنَسْثِيزيا» Anesthesia و«بي إم جيه جلوبال هيلث» BMJ Global Health، أن تطلب الدوريات من واضعي الدراسات التي تُجرَى في دول ذات دخل منخفض أو متوسط، تقديمَ بيان يُوضِّح كيف جرى العمل على إرساء المساواة في البحث. ومن المتوقّع أن يَستنكر بيان «المؤتمر العالمي للنزاهة البحثية» هذا العام الممارسات غير المنصفة في جهود التعاوُن البحثية بوصفها مسألة تمسّ نزاهة الأبحاث.

من هنا، حان الوقت لأن تتدارس جميع الأطراف المعنية؛ من جهات تمويل ومعاهد بحثية ومؤسسات نشر وباحثين، آلية تعاوُن بحثي لهدم إرث الإقصاء المُمنهَج.

References

  1. Mbaye, R. et al. BMJ Glob. Health 4, e1001855 (2019). | article
  2. North, M. A., Hastie, W. W. & Hoyer, L. Earth Sci. Rev. 208, 103262 (2020). | article
  3. Amarante, V. et al. Appl. Econ. Letthttps://doi.org/10.1080/13504851.2021.1965528 (2021). | article
  4. Gomez, C. J., Herman, A. C. & Parigi, P. Nature Hum. Behavhttps://doi.org/10.1038/s41562-022-01351-5 (2022). | article
  5. Lancet Glob. Health 6, E593 (2018). | article
  6. Morton, B. et al. Anesthesia 77, 264–276 (2022). | article