أنباء وآراء

اكتشاف وليد المصادفة يسلط الضوء على نجوم متفجرة

اكتُشِفَ حدث فلكي نادر في رصدٍ لأشعة سينية وجيزة. ونظرًا إلى أن الوقوع على مثل هذه الاكتشافات الثمينة لا يؤتي بالنفع إلا إذا أدركنا كيف يمكن استغلال ثماره، استخدم الباحثون نتيجة هذا الاكتشاف للتحقّق من صحة نظرية قائمة منذ أمد طويل بشأن فئة من النجوم المتفجرة.

فريدريك إم. والتر

  • Published online:

رغم تزايُد البيانات المُؤرشفة بخصوص عمليات المسح الفلكي العام، لا تزال الاكتشافات الفلكية تعتمد إلى حد كبير على المصادفة المحضة. ويمكن أن توجِّه جوانب نظرية تلك الاكتشافات (وقد تحيد بها عن المسار الصحيح في بعض الأحيان). بيد أنه لا يوجد "نموذج قياسي" للكون وجميع عناصره. لذلك، يكون التقدم المُحرَز مدفوعًا في كثير من الأحيان بعوامل غير مُتوَقَّعة. غير أن رصد الظواهر الخارقة للعادة وتفسير أهميتها يتطلّب ملاحِظًا جيدًا. وفي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، ترجَم أولي كونيج وفريقه البحثي1  اكتشافًا وقع بطريق المصادفة إلى نجاح، من خلال وضع توصيف دقيق لتدفّق للأشعة السينية، رُصِدَ لمدة تبلغ 35.8 ثانية فقط، يوضِّح أن هذا الطيف من الأشعة نتج عن نجم متفجِّر من نوعية القزم الأبيض، وهو ما يُسهِم في تعزيز فهمنا لفيزياء تلك النجوم.

رُصِدت الأشعة بأداة تُسمَّى «إي روزيتا» eROSITA، وهي أداة تُجري عملية مسح لنطاقات شاسعة من السماء بحثًا عن انبعاثات الأشعة السينية كل أربع ساعات، من مدار يقع حول نقطة لاجرانج الثانية الخاصة بالأرض في الفضاء (المعروفة اختصارًا باسمL2 )، وهي نقطة تحوي أيضًا مدار «تلسكوب جيمس ويب الفضائي» James Webb Space Telescope، وتُعدّ ثاني نقاط لاجرانج الخمس الخاصة بالأرض. وهذه النقاط مناطق تتوازن فيها قوى جاذبية الشمس والأرض عن طريق تسارع الجذب المركزي الذي يتولَّد بتأثير مدارات الأقمار الصناعية، لتستقر هذه الأقمار في مدارها.

تستغرق أداة «إي روزيتا» ستّة أشهر لبناء صورة خريطة الأشعة السينية في السماء. وتجدر الإشارة إلى أنه قبل أن تتوقّف البعثة الفضائية الألمانية الروسية المشتركة نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا، كانت الأداة قد أتمَّت أربع عمليات مسح كاملة. وتُتيح لنا البيانات التي تستحدثها الأداة دراسة الاختلافات التي تطرأ على مصادر الأشعة السينية الفلكية على مدى نطاقات زمنية تتراوح بين عدّة ثوانٍ وعدّة سنوات.

انتبه كونيج وفريقه البحثي إلى أن مصدرًا شديد السطوع للأشعة السينية، لم يُرصَد إلّا مرة واحدة في عملية مسح منفصلة أُجريت في السابع من يوليو عام 2020، قد تزامن وجوده مكانيًا وزمانيًا مع انفجار مستعر كلاسيكي، عُرِف باسم «YZ Reticuli»2. من هنا، خلُص الفريق البحثي إلى صحة تنبؤ3 يرجع تاريخه إلى عدّة عقود مضت بشأن فيزياء تلك المستعرات.

يمكن تعريف انفجارات المستعرات الكلاسيكية على أنها تفاعلات نووية حرارية (تشبه بالدرجة الأولى القنابل الهيدروجينية)، وهي تتسارع فجأة بدرجة مهولة، وتنشأ على أسطح نجوم تُعرَف بالأقزام البيضاء؛ أي كميات الرماد التي تتخلَّف بعد أن تستنفد النجوم منخفضة الكتلة الطاقة النووية التي تغذّيها. ويشير مصطلح الأقزام البيضاء إلى أجرام خاملة تقترب كتلتها من كتلة الشمس، وتتسم بأحجام تُماثِل حجم الأرض. وتبلغ كثافتها قرابة مليون ضعف كثافة المادة العادية.

وعندما تتزايد كتلة قزم أبيض في نظام فلكي ثنائي عن طريق مراكمة مواد من النجم المصاحب له في هذا النظام (الشكل 1)، فإن الضغط الهائل عند قاعدة طبقة غاز الهيدروجين المضافة يدفع الغاز إلى حالة يتحدّد فيها ضغطه عن طريق الخصائص الكمومية لإلكتروناته، وليس عن طريق الضغط الحراري. يعني ذلك أن الهيدروجين المتراكم لا يتمدّد، حتى مع استمرار درجة حرارته في الارتفاع. ويحدث تفاعل نووي حراري عندما تزيد سخونة تلك الطبقة بدرجة كافية لتحفيز تفاعلات اندماج.

الشكل 1 | بداية انفجار مستعر. عندما يتراكم غاز الهيدروجين على نجم القزم الأبيض من نجم مُصاحب له في نظام فلكي ثنائي (الصورة ليست وفق مقياس رسم معين)، يزداد الضغط ودرجة الحرارة في الطبقة المتراكمة، لكن الغاز لا يتمدّد. ومع استمرار الارتفاع في درجة الحرارة، ينطلق تفاعل نووي حراري يتسارع بغتة. ويُسهم قدر من الطاقة المنبثقة في قذف الطبقات الخارجية للقزم الأبيض، وهو ما يُسفر عن انفجار مستعر (غير موضّح في الصورة)، يمكن في النهاية رؤيته بالعين المجردة. ومع ذلك، أفاد تنبؤ في السابق3 بأن قدرًا من الطاقة المنبعثة جرّاء الانفجار يتسرّب على الفور عبر الطبقة المتراكمة، ويمكن رصده في صورة وميض لأشعة سينية منخفضة الطاقة، وهو ما أمكن لكونيج وفريقه البحثي1 التحقّق منه مؤخرًا.

الشكل 1 | بداية انفجار مستعر. عندما يتراكم غاز الهيدروجين على نجم القزم الأبيض من نجم مُصاحب له في نظام فلكي ثنائي (الصورة ليست وفق مقياس رسم معين)، يزداد الضغط ودرجة الحرارة في الطبقة المتراكمة، لكن الغاز لا يتمدّد. ومع استمرار الارتفاع في درجة الحرارة، ينطلق تفاعل نووي حراري يتسارع بغتة. ويُسهم قدر من الطاقة المنبثقة في قذف الطبقات الخارجية للقزم الأبيض، وهو ما يُسفر عن انفجار مستعر (غير موضّح في الصورة)، يمكن في النهاية رؤيته بالعين المجردة. ومع ذلك، أفاد تنبؤ في السابق3بأن قدرًا من الطاقة المنبعثة جرّاء الانفجار يتسرّب على الفور عبر الطبقة المتراكمة، ويمكن رصده في صورة وميض لأشعة سينية منخفضة الطاقة، وهو ما أمكن لكونيج وفريقه البحثي1 التحقّق منه مؤخرًا.

كبر الصورة

وبما أن معدّلات تفاعلات الاندماج تلك تزداد بسرعة كبيرة مع ارتفاع درجة الحرارة، ولأن هذا الارتفاع في درجة الحرارة لا يُخفّف الضغط، سرعان ما يخرج التفاعل عن السيطرة. وكاستجابة فورية، يتفجَّر جزء كبير من الطبقة المتراكمة على النجم، ما يزيد من نصف قطره زيادة هائلة ويُسهم في تخفيف الضغط.

 

تجدر الإشارة إلى أنه في عام 1990، أفاد تنبؤ3 بأن هذا التفاعل المتسارع بغتة من شأنه أن يُنتج وميضًا ساطعًا عندما تصل طاقة الانفجار إلى غلاف الفوتوسفير (الطبقة الخارجية للقزم الأبيض). وعند تلك النقطة، يصل سطوع النجم إلى أقصى درجة مُمكنة، فيما يُعرَف باسم ضياء إدينجتون، لأن تسارع التفاعلات الخارجية في مادة النجم نتيجة ضغط إشعاعاته يُطابق تسارع التفاعلات الداخلية به بسبب الجاذبية. وقبل أن يمكن قذف الطبقة المتراكمة، حين يكون نصف قطرها قريبًا من نصف قطر القزم الأبيض، ستكون درجة حرارة النجم قد وصلت إلى عدة ملايين من الدرجات3، لكن تلك الحرارة من شأنها أن تبرد سريعًا بحيث ينتقل الإشعاع الكهرومغناطيسي من نطاق تردّد الأشعة السينية مع تزايُد نصف قطر المادة المتراكمة بمعدل عدة آلاف من الكيلومترات في الثانية الواحدة، فتسنح رؤية المستعر بالعين المجردة بعد مدّة تتراوح بين عدة ساعات وعدة أيام، عندما تكون درجة الحرارة قد انخفضت وانتقل الإشعاع المنبعث إلى الترددات الضوئية.

في وقت لاحق، وبعد مضي فترة تتراوح ما بين أيام وشهور من وقت حدوث الانفجار، تخف الطبقة المقذوفة المتمددة إلى حد يُتيح مرور الأشعة السينية منخفضة الطاقة عبرها (وهي تلك الأشعة التي تقل طاقتها عن كيلو إلكترون فولت واحد). ومن ناحية المبدأ، يُفترَض أن تجعل هذه العملية سطحَ القزم الأبيض مرئيًا من جديد، لأنه يظل يُشع ضوءًا بدرجة سطوع تقترب من «ضياء إدينجتون»، لكن لم تسبق قبل الآن رؤية وميض الأشعة السينية منخفضة الطاقة.

تتطلَّب الأرصاد الفلكية صبرًا، كما تتطلَّب أيضًا براعة في تفسيرها. على سبيل المثال، عند رصد وميض سريع للأشعة السينية في بيانات «إي روزيتا»، فطن كونيج وفريقه البحثي إلى أن ذلك الوميض تزامن وجوده في موضع انفجار المستعر «YZ Reticuli»، في التوقيت المتوقع لذلك الانفجار، وهو ما أتاح للباحثين بعد طول انتظار التحقق من صحة التنبؤ المُعلن عنه عام 1990.

جدير بالذكر أنه بالإضافة إلى أن هذا الاكتشاف الذي وقع بمحض المصادفة يؤكّد النظرية التي وُضعت عام 1990، فإنه أيضًا يطرح استنتاجين جديدين؛ أولهما هو حساب تقديري دقيق لمدة التفاعل النووي الحراري، ونستطيع من خلال حساب الفارق الزمني بين هذا التفاعل وبداية توهج الانفجار بترددات ضوئية الوصول إلى ديناميات غلاف الفوتوسفير المتمدد. أما الاستنتاج الثاني، فهو أن درجة حرارة السطح وقت الانفجار تحدّ كتلة القزم الأبيض.

ولعلّ الدرس المُستفاد من هذه الملاحظات أن رصد حدث فلكي وجيز وغير متوقّع يمكن أن يُتيح لأفراد فريق بحثي بارع أن يستنتج وقوع ظاهرة فلكية نادرة والخروج بفوائد منها. ودرءًا لتصوُّر سهولة تحقيق هذا الاكتشاف، تجدر الإشارة إلى أن موضع انبعاث الأشعة السينية كان في الواقع شديد السطوع إلى حد منع أداة الرصد «إي روزيتا» من تبيّنه، إذ تأثَّرت أرصادها تأثرًا شديدًا بالفوتونات "المتراكمة" التي كانت تصل إليها بوتيرة سريعة تفوق قدرتها على عدّ هذه الفوتونات أو حصرها. وهو ما أدَّى إلى تعقيد تحليل البيانات بشدة. ولكن بالتغلب على تلك المشكلة، تمكّن كونيج وفريقه البحثي من سدّ فجوة معرفية تشوب فهمنا لكيفية حدوث الانفجارات التقليدية للمستعرات. ختامًا، تجدر الإشارة إلى أن جميع هذه النتائج كانت ثمرة رصد دقيق استغرق 35.8 ثانية.

References

  1. König, O. et al. Nature 605, 248–250 (2022). | article
  2. McNaught, R. H. CBET 4811 (2020). 
  3. Starrfield, S., Truran, J. W., Sparks, W. M., Krautter, J. & MacDonald, J. in Physics of Classical Novae (eds Cassatella, A. & Viotti, R.) 306–310 (Springer, 1990).

فريدريك إم. والتر يعمل في قسم الفيزياء والفلك بجامعة ستوني بروك، ستوني بروك، نيويورك 11794، الولايات المتحدة الأمريكية. وعنوان بريده الإلكتروني: frederick.walter@stonybrook.edu