أخبار

تجربة إكلينيكية يتعرَّض المشاركون فيها للإصابة عمدًا بفيروس كورونا.. والمكاسب العلمية جمّة

لم يُصَب بمرض «كوفيد-19» سوى نصف المشاركين في التجربة، وظهرتْ على أغلبهم أعراضٌ خفيفة.

إيوين كالاواي

  • Published online:
تشابهت الأعراض التي ظهرتْ على المشاركين في الدراسة مع أعراض بعض أشكال العدوى التنفسية الأخرى، وشملتْ هذه الأعراض الرشحَ والتهاب الحلق. أما الحُمَّى فكانت أقل شيوعًا.

تشابهت الأعراض التي ظهرتْ على المشاركين في الدراسة مع أعراض بعض أشكال العدوى التنفسية الأخرى، وشملتْ هذه الأعراض الرشحَ والتهاب الحلق. أما الحُمَّى فكانت أقل شيوعًا.

Credit: Morteza Nikoubazl/NurPhoto via Getty

في دراسةٍ تُعدُّ الأولى من نوعها، ضمن سلسلة دراسات التحدي البشري المتعلقة بمرض «كوفيد-19»، عَمَد العلماء إلى تعريض عددٍ من الشباب الأصحاء لفيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2، وقد ظهرتْ على بعض المشاركين أعراضٌ خفيفة، في حين لم تُلحَظ على البعض الآخر أيةُ أعراض. تُتيح لنا مثل هذه التجارب فرصةً نادرة لدراسة أشكال العدوى الفيروسية بعمقٍ من بدايتها إلى نهايتها. ولكن تظل هذه الدراسات مثار جدل؛ نظرًا لما تُشكِّله من خطورةٍ على المشاركين فيها.

يقول العلماءُ إن هذه الدراسة، التي أُجريتْ في المملكة المتحدة على 34 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عامًا، تُشير إلى أنه من الممكن إجراء هذه التجارب بأمانٍ، كما أن الدراسة المذكورة تُعدُّ بمثابة نقطة انطلاقٍ لإجراء المزيد من الدراسات المُتعمِّقة حول اللقاحات ومضادات الفيروسات والاستجابات المناعية لعدوى فيروس «سارس-كوف-2»، كما تدرس الاستجابات المناعية لهذا المرض. وقد نُشرتْ نتائجُ هذه التجربة في الأول من فبراير الماضي على خادم المسوَّدات البحثية «ريسيرتش سكوير» Research Square، ولم تخضع لمراجعة الأقران بعد (B. Killingley et al. Preprint at Research Square http://doi.org/hfsc; 2022).

وقد أوضحت الدراسة أن ما يقرب من نصف المشاركين الذين تلقوا جرعةً مُخفَّفة من الفيروس لم يصابوا بالعدوى، وأن بعضًا ممن أُصيبوا بالعدوى لم تظهر عليهم أية أعراض. أما المشاركون الذين أُصيبوا فعليًا بمرض «كوفيد-19» فقد ظهرتْ عليهم أعراضٌ تتراوح في شدتها ما بين طفيفة إلى متوسطة، وتضمَّنت التهابَ الحلق، والرشح، وفقدان حاستَي الشم والتذوق.

يقول مايلز دافينبورت، اختصاصي علم المناعة بجامعة نيو ساوث ويلز في مدينة سيدني بأستراليا: "من الممكن أن تُحدِث هذه الدراسة نقلةً مهمة في مجال تقييم فعّالية اللقاحات والعقاقير في المستقبل. فهي تُتيح فرصًا مهمة لدراسة المناعة داخل بيئة مُحكَمة".

ولكن بعض الباحثين تساورهم الشكوك حول ما إذا كانت النتائج التي تمخَّضتْ عنها الدراسة إلى الآن مهمةً بما يكفي لتبرير المخاطر التي تُشكِّلها التجربة للمشاركين فيها، مثل إصابتهم بأعراضٍ جانبية طويلة المدى. تقول سيما شاه، اختصاصية الأخلاقيات الحيوية في جامعة نورثويستيرن في مدينة شيكاجو بولاية إلينوي الأمريكية: "لستُ واثقةً تمامًا مما إذا كانت هذه الدراسات لها ما يُبرِّرها من الناحية الأخلاقية، وما زلتُ في انتظار المزيد من المعلومات عن نتائجها".

تحديد الجرعة المناسبة

استُخدمتْ دراساتُ التحدي البشري، على مدار عشرات السنين، في دراسة الإنفلونزا والملاريا وغيرهما من الأمراض المُعدية. وخلال الشهور الأولى من عمر جائحة «كوفيد-19»، دعا بعض الباحثين إلى الاستعانة بمثل هذه التجارب مع فيروس «سارس-كوف-2» بوصفها وسيلةً للإسراع من وتيرة تطوير اللقاحات المضادة للفيروس. لكن فريقًا آخر من الباحثين رأى أن تجارب التحدي البشري تنطوي على درجةٍ عالية من الخطورة، جعلَتْها غير مقبولة من وجهة نظرهم، في وقتٍ لم تكن المعلومات الضرورية عن الفيروس متوافرة بالقدر الكافي، كما لم يكن بحوزتنا سوى عددٍ محدودٍ من العلاجات الفعَّالة.

وإذا انتقلنا إلى التجربة موضع النظر، سنجد أنها أُجريت على أيدي عددٍ من الباحثين في جامعة إمبريال كوليدج لندن، بالتعاون مع مؤسسة «أوبن أورفان» Open Orphan، وهي مؤسسةٌ تجارية معنية بالأبحاث الإكلينيكية، ومقرها مدينة دبلن، وبالتعاون أيضًا مع فرعها الكائن في لندن، الذي يحمل اسم «إتش فيفو» hVIVO. وقد أُعلن عن التجربة في شهر أكتوبر من عام 2020، ثم جرى تعريض أول مجموعة من المشاركين لجرعةٍ من الفيروس في أوائل عام 2021. حصل كل متطوعٍ على مبلغ قيمته 4565 جنيهًا إسترلينيًا (أي ما يعادل 6200 دولار أمريكي) نظير مشاركتهم في التجربة التي تضمنت العزل لمدة أسبوعين على الأقل في إحدى وحدات العزل رفيعة المستوى داخل مستشفى «رويال فري هوسبيتال» Royal Free Hospital في لندن.

تلقت المجموعةُ الأولى من المشاركين جرعةً مخفَّفة جدًا تعادل تقريبًا كمية الفيروس الموجودة في قُطيرةٍ واحدة من الرذاذ الأنفي، وكان مصدرُ تلك الجرعة إحدى سلالات الفيروس التي كانت متفشيةً في المملكة المتحدة في أوائل عام 2020. وبحسب ما ذكره أندرو كاتشبول، كبير المسؤولين العلميين في مؤسسة «إتش فيفو»، توقَّع الباحثون أن معظم المشاركين سوف يصبحون بحاجةٍ إلى تلقي جرعة أكبر من الفيروس حتى تتحقق إصابتهم بالعدوى. ولكن تبيَّن أن تلك الجرعة المبدئية كانت كافيةً لإصابة أكثر من نصف المشاركين.

أُجريتْ تجربةُ التحدي البشري في لندن.

أُجريتْ تجربةُ التحدي البشري في لندن.

Credit: hVIVO

تَكَاثَر الفيروس سريعًا لدى المشاركين الذين أُصيبوا بالعدوى. وظهرت الأعراض الأولى عليهم، كما جاءت نتائج فحوصاتهم إيجابيةً، باستخدام اختبار «تفاعل البلمرة المتسلسل» PCR الحسَّاس، خلال فترةٍ تقل – في المتوسط - عن يومين من تاريخ التعرُّض للفيروس. وهذا يتعارض مع «فترة الحضانة» التي تفصل بين التعرُّض المحتمل للفيروس وظهور الأعراض، والتي تصل إلى خمسة أيام تقريبًا، وفقًا لما وثَّقته دراساتٌ واقعية أجراها اختصاصيو علم الوبائيات. وقد ظلَّت نسبُ الفيروس مرتفعةً طيلة 9 أيام في المتوسط، وإن كانت الفترة امتدت إلى 12 يومًا في بعض الحالات.

وجاءت أكثر الأعراض شيوعًا متطابقةً مع أعراض بعض أشكال العدوى التنفسية الأخرى، وتمثَّلتْ تلك الأعراض في التهاب الحلق، والرشح، والعطس. أما الحُمَّى فكانت أقل شيوعًا، كما لم تظهر على المشاركين أعراضُ السعال المستمر، الذي كان يُعد علامةً واضحة على الإصابة بمرض «كوفيد-19»، حسبما يقول كاتشبول. وقد فقد قرابةُ 70% من المشاركين الذين أُصيبوا بالفيروس حاسةَ الشم أو التذوق، بدرجاتٍ متفاوتة، ومن المعلوم أن فقدان حاسة الشم أو التذوق هو أيضًا إحدى العلامات الدالة على الإصابة بمرض «كوفيد-19». استمرتْ هذه الأعراض مدةً زادت على ستة أشهر لدى خمسة من المشاركين، وزادت على تسعة أشهر لدى مشاركٍ واحد. صحيحٌ أنه لم تظهر أيةُ أعراضٍ على بعض المشاركين، لكن الفيروس رُصد في الجزء العلوي من الجهاز التنفسي بالقدر نفسه لدى المشاركين الذين ظهرت الأعراض عليهم، كما أن مدة إصابتهم بالفيروس طالتْ بالقدر نفسه.

ويسعى الباحثون المشاركون في الدراسة إلى فهم الأسباب التي تقف وراء عدم إصابة هذا العدد الكبير من المشاركين بالعدوى رغم تعرُّضهم لفيروس «سارس-كوف-2». يقول كريستوفر تشيو، الباحث والطبيب في جامعة إمبريال كوليدج لندن، وهو المشرف على الدراسة، إن التحاليل التي أُجريتْ للمشاركين أظهرت انخفاضًا كبيرًا في نِسب الفيروس في أجسام بعض المشاركين لفتراتٍ قصيرة لكنهم لم يُصابوا بالعدوى، وهو ما يُشير إلى أن أجهزتهم المناعية كانت تهاجم الفيروس بشراسة.

من المتوقع أن تسعى الدراسات، التي ستُجرى في وقتٍ لاحقٍ على المشاركين في تجربة التحدي هذه، إلى استكشاف الأسباب التي تقف وراء ذلك. وقد أشارتْ أبحاثٌ سابقة إلى أن فيروسات كورونا المُسبِّبة لنزلات البرد العادية قد تمنح بعض الأشخاص حمايةً ضد مرض «كوفيد-19». وثمة احتمالٌ آخر، وهو أن بعض الأشخاص لديهم استجاباتٌ مناعية فطرية قوية لا تستلزم إصابةً سابقة بأحد مُسبِّبات المرض أو التعرُّض لفيروسٍ وثيق الصلة.

ويعتزم الفريق البحثي، الذي يرأسه تشيو، إجراء تجربةٍ أخرى من تجارب التحدي البشري، يَجري فيها تعريض أشخاص تلقوا التطعيم للسلالة «دلتا»، المتحوِّرة من فيروس «سارس-كوف-2». ستحاول هذه الدراسة تحديد العوامل المناعية التي تمنح الناس حمايةً من الإصابة بالفيروس ذاته مرةً أخرى بعد تلقيهم اللقاح، التي يُطلق عليها «العدوى الاختراقية» breakthrough infection. في الوقت الحالي، من المُرجَّح أن تقتصر تجارب التحدي البشري الخاصة بفيروس «سارس-كوف-2» على الأشخاص الذين تقل احتمالاتُ إصابتهم باعتلالٍ شديد، حسبما يعتقد تشيو. لكنه يستدرك قائلًا إنه مع اكتساب الباحثين خبراتٍ فيما يتعلق بإجراء هذه التجارب بأمانٍ، ربما يصبح ممكنًا التوسع في تلك التجارب.

بواعث القلق

يرى ماثيو ميمولي، اختصاصي علم الفيروسات وطب الأمراض المُعدية في المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المُعدية في مدينة بيثيسدا بولاية ميريلاند الأمريكية، أن هذه الدراسة تُجرى بشكلٍ آمن وسليم فيما يبدو.

ويُضيف ميمولي أن الدراسة من شأنها أن تمنح بعض الناس مزيدًا من الارتياح بشأن الإقدام على إجراء تجارب التحدي البشري لفيروس «سارس-كوف-2»، وهي التجارب التي يمكن أن تُفيد كثيرًا في تطوير لقاحاتٍ ضد طيفٍ واسع من فيروسات كورونا.

من جانبها، تقول ميجان ديمينج، الباحثة في علم اللقاحات واختصاصية الأمراض الفيروسية في جامعة ميريلاند بمدينة بالتيمور الأمريكية، إن هذه الدراسة جاءت مؤيدةً لمُخرَجات بعض الدراسات الأخرى المتعلقة بمرض «كوفيد-19»، مثل تسارع ارتفاع نِسب الفيروس في الجسم. بيْد أن ديمينج تُشير إلى أن الدراسة لم تُبدِّد قلقها من تعريض البشر لسلالة لا تزال قويةً من فيروس «سارس-كوف-2». وتُوضح أن ما يزيد على ثلثي المشاركين الذين أُصيبوا بالعدوى عانوا من مشكلاتٍ طويلة الأمد تتعلق بحاسة الشم أو التذوق.

وعلَّقت سيما شاه قائلةً: "هذا هو الخطر الأكبر الذي اتضح جليًا، والذي يجب أن نضعه نُصب أعيننا". وتساءلت شاه عما إذا كانت النتائج التي خرجتْ بها الدراسة إلى الآن تُسوِّغ هذه المخاطر. واختتمت قائلةً: "تحمِل هذه الدراسة، إلى جانب الأبحاث الأخرى التي يُجريها الفريق، فُرصًا واعدة بتحقيق منفعةٍ علمية واجتماعية كبيرة في نهاية المطاف، ولكننا لم نحصد بعدُ ثمارها".