أنباء وآراء

إنزيمات مصممة خصوصًا لإعادة تدوير البلاستيك

تُعَد نفايات مادة البولي إيثلين تيرفثالات البلاستيكية، التي يمكن إعادة تدويرها إلى مواد مناسبة لتعبئة المواد الغذائية، شحيحةً، وهو ما يؤدي إلى نقص في هذه المواد الخام الأولية. بيد أن بعض الباحثين اكتشفوا إنزيمًا يوسع نطاق خيارات المتاح من هذه المواد.

إيجو يو. تودن فان فِلزن وجوزي سانتوماسي

  • Published online:

صحيح أنَّ المواد البلاستيكية مفيدة للغاية فيما يتعلق بأغراض التعبئة وصناعة أنواع السلع الاستهلاكية كافة، لكن سوء إدارة النفايات البلاستيكية يسهِم في تلوث الأراضي والمحيطات. ويُمكن، من حيث المبدأ، منع هذه المشكلة باللجوء إلى إعادة التدوير (الشكل 1). غير أنَّ العديد من المنتجات البلاستيكية لم يُصمَّم بحيث يكون قابلًا لإعادة التدوير الميكانيكية، التي تتضمن الصهر وإعادة المعالجة. ومن هنا، تنتج موادُّ أقلَّ جودة من البلاستيك الأصلي.

الشكل 1 | زجاجات بلاستيكية مجمعة لكي تخضع لإعادة التدوير في مدينة سورابايا بإندونيسيا. يُمكن في الوقت الحالي إعادة تدوير أنواع معينة فقط من نفايات البولي إيثلين تيرفثالات، مثل زجاجات المشروبات، لصنع بولي إيثلين تيرفثالات مُعاد تدويره ومناسب لحفظ الغذاء. من هنا، أفاد الباحث هونجيوانج لُو وفريقه البحثي بابتكار إنزيم يمكن استخدامه لإعادة تدوير نفايات البولي إيثلين تيرفثالات الأخرى.

الشكل 1 | زجاجات بلاستيكية مجمعة لكي تخضع لإعادة التدوير في مدينة سورابايا بإندونيسيا. يُمكن في الوقت الحالي إعادة تدوير أنواع معينة فقط من نفايات البولي إيثلين تيرفثالات، مثل زجاجات المشروبات، لصنع بولي إيثلين تيرفثالات مُعاد تدويره ومناسب لحفظ الغذاء. من هنا، أفاد الباحث هونجيوانج لُو وفريقه البحثي بابتكار إنزيم يمكن استخدامه لإعادة تدوير نفايات البولي إيثلين تيرفثالات الأخرى.

Credit: Juni Kriswanto/AFP/Getty

أمَّا المواد المكوَّنة في الغالب من بوليمرات معينة، مثل البولي إيثلين تيرفثالات شائع الاستخدام، فيمكن أن تُرد إلى مكوناتها الأساسية الجزيئية (المونومرات)، التي صُنعتْ منها هذه البوليمرات. بعد ذلك، يُمكن تنقية المونومرات وإعادة بلمرتها لصُنع مواد بلاستيكية جديدة. وهذا أحد أشكال إعادة التدوير "مُغلقة الحلقة". بيد أن الأساليب الكيميائية القياسية لتفكيك البلمرة تستهلك الكثير من الطاقة وتتطلَّب كميات كبيرة من القلويات والأحماض. ولذا، لا تُعد مُجدية اقتصاديًّا أو إيكولوجيًّا. ويعد استخدام الإنزيمات أحد الحلول الممكنة لهذه المشكلة، لكنَّ نقص الإنزيمات التي تتسم بنشاط تفاعلي مناسب لتفكيك بلمرة البلاستيك على نطاق مناسبٍ للاحتياجات الصناعية، أعاق تطوير استراتيجية إعادة التدوير هذه. ومن ثَمَّ، يفيد الباحث هونجيوانج لُو وفريقه البحثي1 في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature بتطويرهم نسخة مُهندَسة من إنزيم يُقرِّبنا خطوةً من تحقيق إعادة تدوير مغلقة الحلقة لمنتجات شائعة الاستخدام قائمة على مادة البولي إيثلين تيرفثالات، التي لم تُصمَّم بحيث تكون قابلةً لإعادة التدوير الميكانيكية.

جدير بالذكر أن مجموعة متنوعة من مواد التعبئة تُصنع من مادة البولي إيثلين تيرفثالات، مثل الأطباق والأحواض والأكواب وشرائط أقراص الأدوية. وقد شهد العقدان الماضيان زيادةً كبيرة في الطلب على مادة البولي إيثلين تيرفثالات الشفافة المعاد تدويرها، والمناسِبة بالأخص لحفظ الغذاء2. وتجدر الإشارة إلى أنَّ النوعية الأعلى جودة من البولي إيثلين تيرفثالات المعاد تدويره تُصنَع من زجاجات مشروبات تُجمَع من خلال منظومات إيداع واسترجاع، لأنَّ هذه الزجاجات مُصممة بحيث تكون قابلة لإعادة التدوير، ولأنَّ طريقة جمعها تمنع وقوع أخطاء في فرزها. وصحيح أنَّ عدد البلدان التي تستخدم أنظمة الإيداع والاسترجاع يتزايد على نحو مطرد، وهو ما من شأنه زيادة كمية الأنواع عالية الجودة التي تُنتَج من البولي إيثلين تيرفثالات المعاد تدويره، لكنَّ سوق زجاجات المشروبات المصنوعة من البولي إيثلين تيرفثالات صغيرةٌ نسبيًا، ولا يمكنها توفير مواد كافية لأغراض تجارة التعبئة التي تحتاج كميات أكبر كثيرًا من البولي إيثلين تيرفثالات. فضلًا عن ذلك، أسفر النقص في زجاجات البولي إيثلين تيرفثالات المُجمَّعة والتي تخضع للفرز من النفايات عن ارتفاعٍ هائل في تكلفة هذه المادة الخام.

لذا، من الضروري كذلك أن يُجمَع البولي إيثلين تيرفثالات غير المُستخدَم في صنع الزجاجات، ويُعاد تدويره إلى بولي إيثلين تيرفثالات شفاف مُعاد تدويره وآمن لحفظ الغذاء. وقد اعتُمِدت منهجيات مختلفة لتحقيق المستوى المطلوب من جودة هذه المواد. على سبيل المثال، تقبل بعض الشركات إعادة تدوير الأطباق المصممة خصوصًا لإعادة التدوير؛ أي تلك التي لا تحتوي على مكونات مصنوعة من بوليمرات أخرى. فيما ابتكرت شركات أخرى عمليات إعادة تدوير كيميائية تستلزم تفكيك بلمرة الزجاجات الملونة المصنوعة من البولي إيثلين تيرفثالات، وترشيحها، وإعادة بلمرتها. إلا أن الكميات المتاحة من هذه المواد الخام لا تزال محدودة.

وعلى النقيض، فإن النفايات المُجمعة من أطباق البولي إيثلين تيرفثالات التي يجري فرزها من النفايات متوفرة مجانًا، وتتزايد كمياتها في بلدان أوروبية مختلفة، حتى إنَّ بعض البلدان يدفع في الواقع أحيانًا رسوم خدمة للشركات التي تعيد تدويرها. وتتضمن نفايات البولي إيثلين تيرفثالات هذه مزيجًا من الأطباق و«العلب الصدفية» المستخدمة في تعبئة المواد الغذائية، بالإضافة إلى أكواب وأوعية وشرائط أقراص أدوية. وتُستخدَم أطباق البولي إيثلين تيرفثالات الأكثر وفرة في تعبئة اللحوم والأسماك والأجبان في ظروف جوية مُعدَّلة تساعد في حفظ الطعام، وتتكون من غشاء من البولي إيثلين تيرفثالات، مُغطى بطبقة من مادة بلاستيكية مختلفة: وهي البولي إيثلين. وصحيح أنَّ طبقة البولي إيثلين الداخلية تسمح بإغلاق هذه الأطباق إغلاقًا محكمًا بسرعة ودقة، وهذا بالغ الأهمية للحفاظ على سلامة الأغذية، لكن هذه الطبقة المهمة تُعقِّد إعادة التدوير الميكانيكية، لأنها تختلط مع البولي إيثلين الشفاف لتُنتج خليطًا غير شفاف. ويمكن استخدام هذا الخليط لإنتاج هذه الأطباق، لكنَّ مادة البولي إيثلين تيرفثالات الشفاف المُعاد تدويره والمناسب لحفظ الغذاء تهيمن على السوق في هذا السياق.

ولم تنجح محاولات إعادة تدوير النفايات المُفرَزة من أطباق البولي إيثلين تيرفثالات باستخدام العمليات الكيميائية. إذ تتضمن هذه العمليات عادة غلي البلاستيك عند 195 درجة مئوية في الإيثلين جلايكول باستخدام مواد حفازة قلوية، وهي طريقة تُعرف باسم التصبُّن. إلا أنَّ المخلفات المتبقية من المواد الأخرى غير المصنوعة من البولي إيثلين تيرفثالات (مثل البولي إيثلين وأحبار الطباعة والملصقات وما إلى ذلك) تُشكِّل مواد هلامية في الإيثلين جلايكول المغلي تعوق ترشيح البولي إيثيلين تيرفثالات المُصبِّن وإجراء مزيدٍ من المعالجة له.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ إعادة التدوير القائمة على التحليل الإنزيمي للبولي إيثلين تيرفثالات قد تساعد في حل هذه المشكلات. وقد طرحتْ بعض الأبحاث السابقة توصيفًا لإنزيمات وكائنات حية دقيقة قادرة على تفكيك بلمرة البولي إيثلين تيرفثالات، من بينها بكتيريا واعدة لتحليل البولي إيثلين تيرفثالات عبر زوجٍ من الإنزيمات لأداء هذه المهمة3، لكنَّ هذه الاستراتيجية لم تنجح إلَّا في حال أغشية البولي إيثلين تيرفثالات غير البلورية، فضلًا عن أنَّ تفكيك البلمرة لم يكتمل عندئذ على أتم وجه. وقد اكتُشِفتْ إنزيمات أكثر فاعلية منذ ذلك الحين، لكن لم يستطع أيٌّ منها تحليل نفايات البولي إيثلين تيرفثالات الشائعة على أتم وجه في غضون إطار زمني مقبول. لذا، انخفض اهتمام شركات إعادة التدوير التجارية بهذه المساعي. بيد أن الإنزيم الذي اكتشفه الباحث هونجيوانج لُو وفريقه البحثي قد يغير كل ذلك.

إذ استخدم واضعو الدراسة نظام تعلم الآلة للتنبؤ بالطفرات التي قد تطرأ على إنزيمات تحليل البولي إيثلين تيرفثالات (المعروفة اختصارًا باسم PETases)، والتي قد تُحسن الاستقرار الحراري لهذه الإنزيمات وفاعليتها. وبتصميم إنزيمات متحورة واختبار فاعليتها، اكتشف الفريق البحثي إنزيمًا يحتوي على خمس طفرات مُقارنة بإنزيمات تحليل البولي إيثيلين تيرفثالات برية النمط. ويتسم هذا الإنزيم بفاعلية أفضل في تحليل البولي إيثلين تيرفثالات مقارنة بالإنزيمات برية النمط والإنزيمات المُهندَسة البديلة. وقد أطلق الفريق البحثي على هذا الإنزيم اختصارًا اسم FAST-PETase، تعبيرًا عن فاعليته، ونشاطه، وثباته، وقدرته على التحمُّل.

إذ يستطيع إنزيم FAST-PETase تفكيك بلمرة البولي إيثلين تيرفثالات تمامًا في ظروف "معتدلة" نسبيًّا؛ في غضون أسبوع عند درجة حرارة الغرفة، أو في غضون يوم واحد عند درجة حرارة قدرها 50 درجة مئوية. كما يمكن لهذا الإنزيم تفكيك بلمرة البولي إيثلين تيرفثالات غير البلوري مباشرةً. أمَّا البولي إيثلين تيرفثالات البلوري بنسبة تتجاوز 25% (مثل ذلك المُستخدَم في صناعة الزجاجات)، فيتطلب معالجة حرارية مُسبَقة لجعل البلاستيك غير بلوري. وأثبت واضعو الدراسة أنَّ الإنزيم يمكن أن يحلل عينات مأخوذة من 51 منتجًا غير معالَج من المنتجات المصنوعة من البولي إيثلين تيرفثالات، غير مستهلك سلفًا، وهو ما يثبت قدرته على التعامل مع مجموعة متنوعة من المواد الخام. واللافت أنَّ أي مخلفات تتبقى من المواد غير المصنوعة من البولي إيثلين تيرفثالات في الخليط كانت لا تذوب وتُشكل مواد هلامية، وذلك لأنَّ الإنزيمات تؤدي وظيفتها عند 50 درجة مئوية فقط في محلول مائي، وهو ما يجعل محلول البولي إيثلين تيرفثالات الذي فُككتْ بلمرته أسهلَ كثيرًا في ترشيحه ومعالجته من المحاليل الناتجة من التصبن.

ويوضح واضعو الدراسة أنَّ إنزيم FAST-PETase يُمكن استخدامه لإعادة التدوير مُغلقة الحلقة؛ إذ يُنتِج تقريبًا 2.8 جرام من البولي إيثلين تيرفثالات عديم اللون من ثلاثة جرامات من البولي إيثلين تيرفثالات الملوَّن. ومن ثَمَّ، إذا أمكن ابتكار آلية تجارية تستخدم ذلك الإنزيم، فسيُمكن أخيرًا إعادة تدوير جزء كبير من نفايات التعبئة البلاستيكية (تتراوح نسبته بين 10 و15% تقريبًا من النفايات في هولندا، على سبيل المثال) في حلقة مُغلقة لصُنع بولي إيثلين تيرفثالات شفاف مُعاد تدويره، ومناسب لحفظ الغذاء، وجاهز لإنتاج مجموعات جديدة من الأطباق والأوعية والأكواب وشرائط أقراص الأدوية.

References

  1. Lu, H. et al. Nature 604, 662–667 (2022). | article
  2. PETCORE Europe. https://www.petcore-europe.org/news-events/409-pet-market-in-europe-state-of-play-2022.html (2022). | article
  3. Yoshida, S. et al. Science 252, 1196–1199 (2016). | article

إيجو يو تودن فان فِلزن وجوزي سانتوماسي

يعملان في مركز فاخينينجن للأبحاث الغذائية والبيولوجية في جامعة فاخينينجن، 6708 WG فاخينينجن، هولندا.

البريد الإلكتروني لكل منهما:

ulphard.thodenvanvelzen@wur.nl

giusy.santomasi@wur.nl

صرَّح إيجو يو تودن فان فِلزن بعدم وجود تضارب في المصالح عند كتابته هذا المقال.