تحقيق إخباري

النمذجة الحاسوبية ربما تكون السبيل إلى تحسين لقاحات «كوفيد-19»

في خضم الاندفاع المحموم للتصدي للجائحة، لجأ العلماء إلى دراسة الخبرات السابقة كي يتخذوا القرارات المتعلقة بجرعات اللقاحات.. لكن كان في الإمكان الوصول إلى نتيجة أفضل لو استُعين بأدوات النمذجة.

إِيلي دولجين

  • Published online:
تأثرتْ القرارات الخاصة بتحديد جرعات لقاحات «كوفيد-19» بسرعة حصولها على الموافقات، وبقدرات التصنيع المتاحة.

تأثرتْ القرارات الخاصة بتحديد جرعات لقاحات «كوفيد-19» بسرعة حصولها على الموافقات، وبقدرات التصنيع المتاحة.

Dhiraj Singh/Bloomberg via Getty

عندما انضمتْ شركة «موديرنا» Moderna إلى ركْب الشركات الساعية إلى تطوير لقاحٍ لفيروس كورونا في أوائل عام 2020، لم يكن لديها سوى خبرةٍ إكلينيكية محدودة في تقنيات تصنيع اللقاحات.

جرَّب علماء الشركة لقاحاتها المعتمِبدة على الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) في مواجهة بعضٍ من الفيروسات التي تصيب البشر، مثل فيروس إنفلونزا الطيور وفيروس «زيكا». ووجدوا أنَّ الجرعات القصوى، التي تزيد كميتها عن 300 ميكروجرام، غالبًا ما تُسبِّب آثارًا جانبية غير مرغوبٍ فيها. أمَّا الجرعات الدُنيا، التي تبلغ كميتها حوالي 10 ميكروجرامات، فلم تكن دائمًا تكفي لتوليد استجابة مناعية.

لكن بدا أنَّ هناك خيارًا وسطًا؛ إذ كان هناك لقاحٌ من جرعتين يخص فيروسًا تنفسيًا آخر، يمكنه أن يتسبب في جائحة1، وهو سلالةٌ جديدة من فيروس إنفلونزا الطيور، وكانت الجرعة المُثلَى من هذا اللقاح تبلغ كميتها حوالي 100 ميكروجرام. لذلك، بدا منطقيًا لشركة «موديرنا»، التي يقع مقرها في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية، وللمتعاونين معها في المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية (NIAID) في مدينة بيثيسدا بولاية ميريلاند، أن يجرِّبوا جرعةً مشابهة للتصدي لفيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2.

وما هي إلا أيام من تحقُّق الشركة من أنَّ اللقاح الذي طوَّرته الشركة أكسب الفئران حمايةً من الفيروس، حتى بدأت الشركة تجاربها على البشر، باختبار جرعاتٍ تبلغ كمية الواحدة منها 100 ميكروجرام، لتتأكد من صحة حدسها. واختبرت الشركة أيضًا جرعاتٍ تتراوح كمية الواحدة منها بين 25 و250 ميكروجرامًا، في حال لم يكن ذلك الحدس صائبًا.

يقول بارني جراهام، النائب السابق لمدير مركز أبحاث اللقاحات التابع للمعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المُعدية، الذي أشرف على عمليات تطوير اللقاح في بداياتها: "كان هدفنا الأساسي المضي في العملية بسرعة. وهكذا، بالضبط، تجري هذه الجهود. فهي عملية لا تتسم بدرجةٍ كبيرة من الإتقان".

وهناك جهودٌ أخرى لتطوير لقاحاتٍ لمرض «كوفيد-19» اتبعتْ نهجًا مشابهًا. فجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، بالتعاون مع شركة «أسترازينيكا» AstraZeneca في مدينة كامبريدج بالمملكة المتحدة، بدأتْ في اختبار لقاحها المصنوع من فيروسٍ غُدِّي مُعدَّل وراثيًا بجرعةٍ تبلغ كميتها 50 مليار جسيم فيروسي. والسبب الأساسي الذي جعل الجامعة تختار تلك الجرعة كان أنَّ تلك الكمية استُخدمتْ في اختباراتٍ سابقة للقاحاتٍ تعتمد على نفس التقنية، لكنَّها خاصة بمُمْرِضاتٍ أخرى، منها فيروس كورونا المُسبِّب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية «ميرس» (MERS).

يقول العلماء إنَّ هذا النهج في اختيار الجرعات أنتج العديد من اللقاحات الآمنة والفعالة لمرض «كوفيد-19» في وقتٍ قياسي، ما ساعد على إنقاذ ملايين الأرواح حول العالم؛ لكنَّه لم يستفد بالضرورة استفادةً كاملة من قدرة اللقاحات على التأثير في الجائحة. فتلك التخمينات غير الدقيقة، المبنية على الخبرات السابقة للشركات، يعزو إليها البعضُ شيوعَ الآثار الجانبية الضارة التي ارتبطتْ بكثيرٍ من اللقاحات، وضعف فعالية لقاحاتٍ أخرى، والإخفاقات اللافتة التي مُنِيَت بها بعض التجارب، مثل المحاولات الأولية لتطوير جرعاتٍ مناسبة للأطفال الصغار.

يقول توماس إيفانز، كبير المسؤولين العلميين في شركة «فاكسيتيك» Vaccitech بمدينة أكسفورد، الذي ابتكر نظام توصيل الجينات القائم على الفيروسات الغُدِّيَة في لقاح جامعة أكسفورد وشركة «أسترازينيكا»: "يبدو أن الشركات أقدمت على تنفيذ العديد من التجارب والمحاولات، لعل إحداها تصيب".

إلَّا أنَّ هناك عددًا متزايدًا من العلماء يرون أنَّ صناعة اللقاحات يمكنها أن تحقق نتيجةً أفضل. فبغرض الوصول إلى أفضل استجاباتٍ مناعية ممكنة، عكف العلماء على مدار السنوات الماضية على تطوير نماذج رياضية وحاسوبية، للاسترشاد بها في اتخاذ قرارات تحديد الجرعات في تجارب اللقاحات. صحيحٌ أنَّ البعض لا يثقون في جهوزية هذه النماذج للعمل في أوقات الأزمات، والكثيرون لا يعلمون بوجودها من الأساس، لكن من يؤمنون بفائدتها يقولون إنَّ الشركات لو كانت، ببساطة، قد استغلت جميع الأدوات المتاحة لها، لكانت لقاحات «كوفيد-19» قد حققتْ نتيجةً أفضل في احتواء انتشار الفيروس، وفي الحد من الأضرار الجانبية كذلك. وعلَّق إيفانز على هذا قائلًا: "لقد أضعنا فرصةً عظيمة".

قفزة ثقة

لطالما استخدمتْ شركات الأدوية استراتيجيات النمذجة الحاسوبية لضبط جرعات الأدوية، لكن نادرًا ما كانت هذه التقنيات تُستخدم في تطوير اللقاحات. فعادةً يعتمد اختيار الجرعات المناسبة للقاحات التجريبية على الخبرات السابقة، والتجارب التي تُجرى على الحيوانات؛ ولم يختلف هذا النهج في حالة لقاحات «كوفيد-19». وأسفر اتباعه عن جرعاتٍ مختلفة للقاحات المُنتَجة (انظر الشكل: قرارات تحديد الجرعات).

كبر الصورة

اختارت الشركات المطوِّرة للقاحات كمياتٍ نجحتْ من قبل في الوقاية من أمراضٍ أخرى، لكنَّ الاستجابات المناعية يمكن أن تختلف اختلافًا كبيرًا باختلاف مسببات الأمراض. وصحيحٌ أنَّ الدراسات المُجراة على الحيوانات تزيد من ثقة الشركات في نجاح اللقاحات، إلا أن الأجهزة المناعية للفئران أو القرود تختلف عن أجهزة البشر، ويتعذَّر على العلماء أن يقفوا بدقة على حجم التغيير الذي ينبغي إجراؤه على الجرعات لتلائم كل كائن على حدة. لذلك، انتقلت معظم شركات اللقاحات من التجارب على النماذج الحيوانية إلى التجارب البشرية ببساطة عبر "قفزة ثقة"، بحسب وصف جيف باريت، الباحث في علم الصيدلة الكمية بمعهد «كريتيكال باث» Critical Path، وهي منظمة غير ربحية، يقع مقرها في مدينة توسون بولاية أريزونا الأمريكية.

لم يكن برنامج تطوير اللقاحات في شركة «موديرنا» استثناءً من ذلك النهج. فالباحثون المشاركون في الدراسات المبكرة التي أُجريتْ على الفئران اعتمدوا على نظام تطعيمٍ يتكون من جرعتين، كمية الواحدة منهما تصل إلى 20 ميكروجرامًا2. لكنَّهم، بحسب جراهام، لم يبذلوا كثيرَ جهدٍ في محاولة الربط بين مستوى الاستجابات المناعية المُلاحَظَة لدى الفئران، التي تلقتْ جرعاتٍ مختلفة، وبين النتائج المتوقعة عند تطعيم البشر، فاقتصرت خطتُهم طوالَ الوقت في التجارب البشرية على الجرعات التي تبلغ كمية الواحدة منها 100 ميكروجرام، والتي حققتْ أقصى قدرٍ من الفعّالية في حالة لقاح إنفلونزا الطيور الذي كانت الشركة تجرّبه.

يدافع المسؤولون التنفيذيون للشركة عن هذا النهج، مُحتَجِّين بالمعوقات المتعلقة بضيق الوقت وقلة البيانات. تقول جاكلين ميلر، رئيسة قسم الأمراض المُعدية في الشركة: "أنت تتخذ أفضل قرارٍ يمكنك اتخاذه، لكنَّك تسترشد في ذلك ببعض البرامج السابقة التي تضمنت بياناتٍ قليلة في المراحل الأولى من التجارب، وهي برامج تخص مستضدات لقاحاتٍ أخرى".

وهناك أيضًا اعتباراتٌ تجارية تؤثر على تلك القرارات. فشركة «فايزر» Pfizer، ومقرُّها مدينة نيويورك الأمريكية، ومعها شركة «بيونتيك» BioNTech، في مدينة ماينز الألمانية، اختارتا تقصير المدة الفاصلة بين جرعتي لقاحهما المعتمِد على الحمض النووي الريبي المرسال، وذلك لأسبابٍ مختلفة، منها رغبتهما في التفوق على «موديرنا» في السباق نحو الحصول على ترخيصٍ لتسويق منتجهما، في حين لجأتْ شركة «جونسون آند جونسون» Johnson & Johnson في مدينة نيو برونزويك بولاية نيو جيرسي الأمريكية إلى فكرةٍ أخرى، وهي أن تطوِّر في البداية نظامَ تطعيمٍ يتكون من جرعةٍ واحدة، لتُميِّز لقاحها عن غيره من اللقاحات الأخرى التي تطورها الشركات.

إضافةً إلى هذا، هناك أسبابٌ تتعلق بالصحة العامة تأسَّست عليها قرارات تحديد الجرعات، مثل الرغبة في تلقيح الناس بسرعة. وهذه الخيارات التي اتُّخذَت خلال السباق المحموم لتوفير اللقاحات كانت لها عواقبها على أرض الواقع.

جرعة لقاح شركة «موديرنا»، التي تبلغ كميتها 100 ميكروجرام، ثبت أنَّها تقي بفعّاليةٍ أكبر من الإصابة بعدوى فيروس كورونا، ومن أعراض المرض، وتقلل الحاجة إلى علاج المرضى بالمستشفيات، مقارنةً بجرعة لقاح شركتَي «فايزر» و«بيونتيك»، التي استخدمتْ 30 ميكروجرامًا فقط من الحمض النووي الريبي المرسال. ووفقًا لأحد التقديرات، فإنَّ احتمالية إصابة مُتلَقِّي لقاح «فايزر» و«بيونتيك» بالعدوى من سلالة «دلتا» المتحورة من فيروس «سارس-كوف-2» كانت أكبر منها بين مُتلَقِّي لقاح «موديرنا» بنسبة 58%3 (العيب المقابل لهذه الأفضلية كان ارتفاعَ معدلات ظهور الآثار الجانبية الضارة في حالة لقاح «موديرنا»).

ربما يرجع ذلك إلى الاختلافات في تركيب اللقاحات وفي جداول التطعيمات، بحسب جون مور، عالم المناعة بكلية ويل كورنيل للطب في مدينة نيويورك. لكنَّه، شأنه في ذلك شأن كثيرٍ من الباحثين، يرى أنَّ كميات الجرعات هي التفسير الأرجح لتلك الاختلافات في فعّالية اللقاحات، وفي مدى تحمل الناس لآثارها الجانبية. وهذا الاستنتاج تدعمه تجارب «موديرنا»، التي قارنتْ فيها بين نظام تطعيمٍ كميةُ جرعته 50 ميكروجرامًا، وآخرَ كميةُ جرعته 100 ميكروجرام4.

وهناك قرارٌ آخر، لعله كان أكثر تأثيرًا في تلك الفوارق، هو القرار الذي اتخذه المسؤولون التنفيذيون بشركتي «فايزر» و«بيونتيك» فيما يتعلق بحجم الجرعة المناسبة للأطفال من لقاح «كوفيد-19».

ففي تجربةٍ محدودة، شملتْ بضع عشراتٍ من الأطفال دون سن الخامسة، وجدت الشركتان أنَّه حين يتلقى الأطفال جرعتين، كمية الواحدة منهما 3 ميكروجرامات، يكفي ذلك لتحفيز استجابةٍ من الأجسام المضادة تكافئ تلك التي تنشأ لدى المراهقين والشباب الذين يتلقون جرعتين كاملتين من اللقاح. والأهم من ذلك أنَّ تلك الجرعة الصغيرة لم تتسبب في إصابة الأطفال بحالات حمى حادة، على غرار ما حدث لأقرانهم الذين تلقوا جرعاتٍ كميتُها 10 ميكروجرامات؛ وعلى أثر ذلك، قررت الشركتان اعتماد الجرعة الأصغر.

لكن في مرحلةٍ لاحقة من التجارب شملتْ آلاف الرضع والأطفال الصغار، اتضح أنَّ الحماية التي يوفرها اللقاح ليستْ كافية. إذ لم تنجح أجسام الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عامين وأربعة أعوام في إنتاج ما يكفي من الأجسام المضادة، وتبيَّن أنَّه ربما تكون هناك حاجة إلى جرعةٍ ثالثة مُعزِّزة لإكساب هؤلاء الأطفال حمايةً مناعية كافية.

وفي الأثناء، أعلنتْ شركة «موديرنا» الشهرَ الماضي أنَّ التطعيم بجرعةٍ كميتها 25 ميكروجرامًا من لقاحها يوفر درجةً من الحماية المناعية للأطفال دون سن السادسة، تكافئ درجة الحماية التي توفرها للشباب جرعةٌ كاملة كميتها 100 ميكروجرام. وتقدم الشركة حاليًا المستندات اللازمة للحصول على الموافقات التنظيمية حول العالم في جميع الفئات العمرية.

مهمةٌ صعبة

أمَا وقد تكشَّفت كل تلك المعلومات، فقد بات معظم العلماء يميلون إلى الاعتقاد بأنَّ كمية الجرعة التي اختارتها «فايزر» و«بيونتيك» لتطعيم الأطفال دون سن الخامسة كانت أصغرَ مما ينبغي. لكن، حسبما يرى كريم عازر، الذي عمل سابقًا على نمذجة أداء لقاح السل في معهد بيل وميليندا جيتس للأبحاث الطبية بمدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، من الصعب تخطئة طريقة تفكير المسؤولين التنفيذيين في شركات الأدوية، الذين كانوا يحاولون بهذا تقليل الآثار الجانبية إلى أدنى حدٍ ممكن. وأضاف الباحث: "العلاقة بين الجرعة والاستجابة في اللقاحات يمكن أن تكون معقدةً للغاية".

هناك عوامل كثيرة تجعل هذه العلاقة أكثر تعقيدًا. ففي حالة المستحضرات الدوائية التقليدية، عادةً ما تؤدي التركيزات الأكبر إلى مفعولٍ أقوى، على الأقل حتى درجةٍ معينة. لكنَّ هذا الأمر لا ينطبق على اللقاحات، لأنَّ الجرعات العالية يمكن أن تسفر في بعض الأحيان عن استجاباتٍ أقل فائدة.

قرارات تحديد الجرعات ربما تكون قد أَخَّرت الموافقة على لقاحات «كوفيد-19» المناسبة للأطفال الصغار.

قرارات تحديد الجرعات ربما تكون قد أَخَّرت الموافقة على لقاحات «كوفيد-19» المناسبة للأطفال الصغار.

Alexandre Schneider/Getty

وذلك يرجع إلى أنَّ تكرار التعرض لمستضدات اللقاح يمكن أن يدفع أقسامًا معينة من الجهاز المناعي إلى إفراز جزيئاتِ تأشير معزِّزة للالتهابات، بكميةٍ تكفي لتحفيز الظاهرة المعروفة باسم «الإرهاق المناعي»، ما يؤدي إلى قصورٍ في الحماية التي يكتسبها الجسم.

وللتوقيت أيضًا أهميته، فلو كان هناك فاصلٌ زمني طويل بين الجرعات، لربما أدَّى ذلك إلى إنتاج مزيدٍ من الأجسام المضادة الواقية، لكن إذا طال ذلك الفاصل الزمني أكثر مما ينبغي، فقد يفوت التوقيت الأمثل لتحفيز تلك الأجسام. كما أنَّ ديناميات العلاقة بين الاستجابة والجرعة تختلف اختلافًا كبيرًا بحسب العمر عادةً؛ فعندما يتعلق الأمر باللقاحات، فلا يمكننا اعتبار الطفل ببساطة مجرد شخصٍ بالغ صغير الحجم، وهذا ينطبق على اللقاحات بدرجةٍ أكبر مما ينطبق على الأدوية.

وهناك عاملٌ آخر، يتعلق بماهية المؤشرات التي ينبغي قياسها عند تقييم الحماية الناتجة عن اللقاح: فهل نقيس كمية الأجسام المضادة، أم الخلايا المناعية؟ وعلامَ نعتمد: على معدلات الإصابة بالعدوى، أم على معدلات المرض والوفاة؟

يقول جون بينيست، عالم البيولوجيا الرياضية بكلية لندن للصحة العامة والطب المداري (LSHTM): "قد يختلف تعريف الجرعة المثلى اعتمادًا على ما يهمك من تلك العوامل".

وبالتعاون مع مشرفه ريتشارد وايت، وعضوة الفريق السابقة صوفي رودز، درس بينيست البيانات المنشورة الخاصة بدراسةٍ إكلينيكية مبكرة أُجرِيَت برعاية شركة «سانسينو بيولوجيكس» CanSino Biologics، التي يقع مقرها في مدينة تيانجين الصينية، والتي طورتْ لقاحًا لمرض «كوفيد-19» يتكون من جرعةٍ واحدة، يعتمد على ناقلٍ فيروسي. عمل الباحثون5 على نمذجة أداء اللقاح، بناءً على أنظمة تطعيم مختلفة الجرعات، جاعلين الأولوية في أحد تلك السيناريوهات لتحقيق المناعة الجماعية على مستوى السكان، ولسلامة الناس وقدرة اللقاح على تحفيز الاستجابات المناعية لديهم في سيناريو آخر. وفي السيناريو الثالث، حاولوا تقليل التكاليف. وفي كل حالةٍ من تلك الحالات، كانت كميةُ الجرعة المثلى - التي قُدِّرًت بناءً على بيانات أول تجربة تجريها الشركة على البشر – أكثرَ من ضعف الكمية المُقرَّة حاليًا في الصين وبلدانٍ أخرى.

تقول رودز، التي تعمل الآن ضمن فريق علماء شركة «سيرتارا» Certara، الشركة الاستشارية في مجال تطوير الأدوية، التي يقع مقرها الرئيسي في مدينة برينستون بولاية نيو جيرسي: "إنَّه لأمرٌ مخزٍ". فهي ترى أنْ لو قد أتيحتْ لها، وغيرها من المتخصصين في نمذجة الأمراض المُعدية، فرصة أفضل في الوصول إلى تلك المعلومات الكمية المختلفة في بدايات جهود التصدي للجائحة، لكان "من الممكن أن يغير ذلك من الطريقة التي طوَّرنا بها اللقاحات". إلَّا أنَّ تاو جو، كبير المسؤولين العلميين في شركة «سانسينو»، ما زال يعتقد في صحة قرارات تحديد الجرعات التي اتخذتها الشركة، موضحًا أنَّ تحليل كلية لندن للصحة والطب المداري يعد "نموذجًا مفيدًا"، لكنَّه لا يأخذ في الحسبان التحديات اللوجستية المتعلقة بتطعيم الناس بجرعاتٍ أكبر، ولا بيانات المراحل الأخيرة من التجارب، التي انبنى عليها القرار النهائي للشركة بشأن كمية الجرعة التي ينبغي استخدامها.

خبراء النمذجة

إلى جانب توماس إيفانز وغيره، تصدَّر باحثو كلية لندن للصحة والطب المداري الجهود المبذولة لوضع نظامٍ رياضي يمكن الاسترشاد به عند اتخاذ قرارات تحديد جرعات اللقاحات6. ففي عام 2015، عقد هؤلاء الباحثون أولَ ورشة عمل مخصصة لهذا الموضوع في العالم (لم يحضرها سوى بضع عشراتٍ من الأشخاص). وفي السنوات التالية، صقل الباحثون مهاراتهم في النمذجة، وكان هدفهم هو تبسيط وتحسين عملية تحديد جرعات اللقاحات في المراحل المبكرة من التجارب.

يبدأ نظام النمذجة لأي لقاحٍ تجريبي بالبيانات؛ إذ يتولى الباحثون تزويد معادلاتهم بنتائج الاستجابة المناعية الواردة من التجارب على الحيوانات، بغية إنتاج منحنى يوضح العلاقة بين الاستجابة وكمية الجرعة. ثم يُعدِّل الباحثون مدى تلك العلاقة، بما يجعلها مناسبة للبشر، باستخدام البيانات الإكلينيكية الخاصة بعددٍ أقل من الجرعات، وهي بيانات تُستمد غالبًا من أبحاثٍ سابقة أُجريت على لقاحاتٍ مماثلة. بهذه الطريقة، يتوصل الباحثون إلى توقعاتٍ لكمية الجرعة "الأفضل" لاختبارها في التجارب على البشر، ويمكنهم بعد ذلك تحسين توقعات نموذجهم مع توفر المزيد من البيانات (انظر الشكل: النمذجة المناعية).

كبر الصورة

المصدر: مأخوذ من المرجع رقم 6

ولإثبات جدوى هذه الطريقة، غذَّى الباحثون نموذجهم ببياناتٍ خاصة باستجابة الخلايا التائية لدى الفئران والبشر بعد تطعيمهم بلقاحٍ تجريبي مضاد لمرض السل (الخلايا التائية نوع من الخلايا المناعية). فتوقعت النماذج الرياضية أنَّ الجرعات الأقل ستوفر أفضل استجابة مناعية7. وتأكَّد ذلك التوقع من خلال الدراسات الإكلينيكية المستقلة التي كانت تُجرى بالتزامن مع مشروع النمذجة الذي يقوم عليه فريق الباحثين.

وعن هذا النهج، تقول جينيفر ليندرمان، عالمة النظم البيولوجية بجامعة ميشيجان في مدينة آن أربور الأمريكية، إنَّه قد يكون مفيدًا في توجيه القرارات الخاصة بتحديد الجرعات في المستقبل. وأضافت الباحثة: "نحن الآن في وضعٍ سيجعلنا قادرين في المستقبل على أن نُخطِّط بدقة أكبر أثناء تصميم اللقاحات". فبالتعاون مع زميلتها دينيس كيرشنر، عالمة المناعة الحوسبية في كلية الطب بجامعة ميشيجان، طوَّرتْ ليندرمان نموذجًا يُسمَّى «هوت سيم» HostSim، وهو نموذجٌ يتضمن العمليات البيولوجية في الرئة، ومعها عمليات محاكاة لما يحدث في الدم والغدد الليمفاوية8.

وعلى الرغم من أنَّ الفريق ركَّز في تطوير نموذجه في البداية على مرض السل، فإنَّ كيرشنر تشير إلى أنَّه بتغذيته بالبيانات المناسبة، ربما يكون في مستطاعه أن يساعد على توجيه عمليات تطوير اللقاحات الخاصة بأي مسببات أمراض تصيب المجاري الهوائية. وأوضحت الباحثة: "يمكننا الاعتماد على نموذجنا في حالة فيروس الإنفلونزا، وكذلك في حالة «كوفيد-19»، وأمراضٍ أخرى كثيرة".

وفي تجارب المحاكاة على الأقل، تتيح أساليب النمذجة تلك لمطوري اللقاحات أن يتحققوا من فعّالية الجرعات تحققًا أدق مما كان سيمكنهم تجربته من دونها، حتى في أكبر الدراسات الإكلينيكية. فمن خلال تجارب المحاكاة هذه، "يمكنك تجربة مجموعة أكبر من السيناريوهاتٍ"، حسبما أوضح لوكا ماركيتي، عالم الحاسوب في مركز البيولوجيا الحوسبية والأنظمة البيولوجية بمدينة روفيريتو الإيطالية (وهو مشروع مشترك بين مؤسسة «مايكروسوفت» للأبحاث وجامعة ترينتو)، الذي وَضع العام الماضي نموذجًا لدعم تطوير اللقاحات المعتمِدة على الحمض النووي الريبي المرسال9.

وقوفًا في وجه للجائحة

قبل الجائحة، لم تكن معظم الشركات ترغب في الاستثمار في هذا النوع من عمليات نمذجة أداء جرعات اللقاحات. فمنذ حوالي خمس سنوات، أقدم إيفانز ومعه كِنت كيستر، الذي كان يشغل حينئذٍ منصب رئيس قسم العلوم التحويلية في شركة «سانوفي باستور» Sanofi Pasteur (قسم اللقاحات في شركة «سانوفي» بباريس)، على إنشاء اتحادٍ بحثي يركز على تطوير الأدوات في هذا المجال، لكنَّهما لم يتمكنا من الحصول على الدعم والتأييد من جانب الصناعة أو السلطات التنظيمية، إذ "لم يكن أحدٌ يهتم حقًا بالسعي في هذا المجال"، حسبما قال كيستر، الذي يشغل الآن منصب نائب الرئيس لشؤون الطب التحويلي في المبادرة الدولية للقاح الإيدز (IAVI)، وهي منظمة غير ربحية للقاحات، يقع مقرها في مدينة نيويورك.

لكن بعد انتشار «كوفيد-19»، أصبح المزيد من مصنعي اللقاحات يجربون الآن عمليات النمذجة هذه، كما أنَّ الجهات التنظيمية تتابع ما يجري في ذلك المجال العلمي عن كثب.

يقول ماركو كافاليري، مدير وحدة التهديدات البيولوجية واستراتيجيات اللقاحات بوكالة الأدوية الأوروبية في أمستردام: "لهذا المجال أهميته؛ فكلما تمكنا من تحسين هذه التقنيات، سنصبح أكثر استعدادًا في المستقبل".

في يونيو الماضي، عقدتْ هيئة الغذاء والدواء الأمريكية ورشة عمل، ناقش فيها الباحثون أفضل الممارسات لنمذجة العلاقات بين جرعات اللقاحات والاستجابات الناتجة عنها. في هذه الورشة، تحدَّث إلى الحاضرين وايت ورودز، كما تحدث كل من أندريه كييرجك، وبيت فان دير جراف، خبيرَا النمذجة في شركة «سيرتارا»، اللذان ابتكرَا قبل الجائحة أداةً لإجراء عمليات محاكاة افتراضية لتجارب أدوية الأجسام المضادة والعلاجات البيولوجية.

ساعدتْ هذه الأداة شركات الأدوية على توقع الاستجابات المناعية غير المرغوب فيها. لكن عندما ضرب «كوفيد-19» ضربته، أدرك باحثو شركة «سيرتارا» أنَّ النموذج ذاته قد يمكن استخدامه لتوقع الاستجابات المناعية المرغوبة من اللقاحات. وفي أول اختبارٍ يجرونه عليه، غذَّى الباحثون نموذجهم بتسلسل الحمض الأميني الخاص بالبروتين الشوكي لفيروس كورونا، وهو الجزء الذي تستهدفه معظم لقاحات «كوفيد-19». وحسبما يتذكر فان دير جراف، فإنَّهم خرجوا من هذا الاختبار "بنتيجةٍ مفاجئة ومهمة".

يوضح فان دير جراف أنَّ الاستجابات المناعية التي توقعها النموذج "بدتْ ممكنةً". وبعد أن بدأت الشركات مثل «موديرنا» و«فايزر» و«بيونتيك» تنشر مزيدًا من البيانات عن تجاربها على البشر والفئران، راح علماء «سيرتارا» يزوّدون نماذج المحاكاة بهذه النتائج. وأضافوا إليها ديناميات الاستجابة الخاصة بالخلايا التائية والخلايا البائية، والتي تنتج الأجسام المضادة، كما زودوا نماذجهم بملحقاتٍ برمجية، ليأخذوا في الاعتبار التقنيات المختلفة للقاحات، وطرق التطعيم بها.

وهذا النموذج، المعروف باسم «محاكي اللقاحات» Vaccine Simulator، أصبح مع الوقت أكثر تطورًا وتعقيدًا. فقبْل أن تظهر نتائج فعّالية المجموعة الأولى من لقاحات «كوفيد-19»، كان كييرجك وفان دير جراف قد خلصَا بالفعل إلى أنَّ الفصل بين الجرعات بمُددٍ أطول من المُدد التي تُقيِّمها الشركات من شأنه أن يؤدي إلى تحسين استجابات الأجسام المضادة10. وقد أُكِّدَت تلك الأفضلية لاحقًا بفضل البيانات الواردة من المملكة المتحدة، التي اتبعتْ جداول تطعيم أطول أثناء طرح اللقاحات.

قرارات تحديد الجرعات

كانت شركة «دايتشي سانكيو» Daiichi Sankyo من أولى شركات الأدوية التي استعانتْ بتقنية «سيرتارا» في برنامجها لتطوير اللقاحات. هذه الشركة، التي يقع مقرها في طوكيو، بدأت التجارب البشرية للقاحها المعتمِد على الحمض النووي الريبي المرسال في مارس 2021، ورغم تأخرها عن بقية الشركات، فإنَّ هذا أتاح لمنظمي التجربة فرصةً للتعلم من تجارب الشركات الأخرى.

درس علماء الشركة نظم التطعيم والجداول الزمنية للجرعات التي تتبعها لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال الأخرى، وتوصلوا إلى أنَّ الجرعة التي يمكن أن تحفز أفضل استجابة مناعية، وفي الوقت نفسه تزيد من قابلية الجسم لتحمُّل آثار اللقاح، تتراوح كميتها بين كمية جرعة «فايزر» و«بيونتيك» البالغة 30 ميكروجرامًا، وكمية جرعة «موديرنا» البالغة 100 ميكروجرام. وخطط علماء «دايتشي سانكيو» للمضي قدمًا وإجراء تجربةٍ أولية، لتقييم جرعاتٍ تصل كميتها إلى 60 ميكروجرامًا من الحمض النووي الريبي المرسال.

لكن عندما أجرت الشركة بالتعاون مع «سيرتارا» عملية محاكاة للاستجابات المناعية للقاح لدى عددٍ من المشاركين الافتراضيين، وجد باحثوها أنَّ الأفراد الأكبر سنًا لم تُحفَّز لديهم استجاباتٌ قوية من الأجسام المضادة عندما حصلوا على أكبر جرعةٍ مُقرَّرة. وتقول ريوكو ساوامورا، التي تقود أحد فرق النمذجة بالشركة: "أثارتْ هذه النتيجة نقاشًا داخليًا بشأن تصميم المرحلة الأولى من التجارب". وفي نهاية المطاف، أضافت الشركة جرعةً تبلغ كميتها 100 ميكروجرام إلى بروتوكول تجربتها الأولى على البشر.

ويستخدم علماء «أسترازينيكا» حاليًا نموذج «سيرتارا» لمحاكاة السيناريوهات التي لم تتناولها الدراسات الإكلينيكية السابقة التي أجرتها الشركة على لقاحها. فهم يدرسون الاستجابات المناعية لدى المجموعات السكانية التي لم تكن مُمثَّلة بدرجةٍ كافية في التجارب (مجموعاتٌ عرقية معينة مثلًا، ومن يعانون من خللٍ في المناعة)، لتوقُّع تلك الفئات التي يمكن أن تستفيد إن حصلتْ على جرعاتٍ غير الجرعات القياسية. ويتقصَّى هؤلاء العلماء كذلك التغيرات التي ستطرأ على المناعة على المدى الطويل، للاسترشاد بها في تحديد التوقيت الأمثل للتطعيم بالجرعات المعززة.

لكنَّ قلةً فقط من خبراء تطوير اللقاحات تؤمن بهذا النهج. فيقول عنه إميليو إميني، الرئيس التنفيذي لمعهد جيتس للأبحاث الطبية، والمدير السابق لأبحاث اللقاحات في شركتي «فايزر» و«ميرك» Merck: "نوعًا ما، هناك عددٌ ضخم من المتغيرات التي عليك أن تحاكيها بالنمذجة. وفي الوقت الحالي، لا توجد نماذج واضحة مرتقبة تتيح لك الخروج بذلك التوقع المبدئي الذي تحتاجه، إلا من خلال الاعتماد على الاستقراء بأفضل درجةٍ ممكنة".

ومع هذا، فأساليب النمذجة هذه تزداد رواجًا. إذ صرَّحتْ إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بأنَّها تلقتْ في نهاية عام 2021 أول طلبٍ لترخيص لقاحٍ مُصمَّم باستخدام النمذجة، لتحسين العلاقة بين الجرعة والاستجابة إلى أقصى درجة ممكنة.

وعلى الرغم من أنَّ ميلر وغيرها من المديرين التنفيذيين في مجال اللقاحات يقولون إنَّه من المبكر للغاية أن يبدؤوا في اختيار جرعات اللقاحات في التجارب البشرية بناءً على توقعات أدائها، فإنَّهم قد يغيرون رأيهم هذا عندما تحصل تلك الأدوات على الموافقات وتُثبِت فعّاليتها. وتقول ميلر عن ذلك: "مع اكتسابنا مزيدًا من الخبرة، سنتبنى ذلك النهج بكل تأكيد".

References

  1. Feldman, R. A. et al. Vaccine 37, 3326–3334 (2019). | article
  2. Corbett, K. S. et al. Nature 586, 567–571 (2020). | article
  3. Dickerman, B. A. et al. N. Engl. J. Med. 386, 105–115 (2022). | article
  4. Chu, L. et al. Vaccine 39, 2791–2799 (2021). | article
  5. Benest, J., Rhodes, S., Quaife., M., Evans, T. G. & White, R. G. Vaccines 9, 78 (2021). | article
  6. Rhodes, S. J., Knight, G. M., Kirschner, D. E., White, R. G. & Evans, T. G. J. Theor. Biol. 465, 51–55 (2019). | article
  7. Rhodes, S. J. et al. NPJ Vaccines 3, 36 (2018). | article
  8. Joslyn, L. R., Linderman, J. J. & Kirschner, D. E. J. Theor. Biol. 539, 111042 (2022). | article
  9. Selvaggio, G. et al. CPT Pharmacometrics Syst. Pharmacol. 10, 1448–1451 (2021). | article
  10. Giorgi, M., Desikan, R., van der Graaf, P. H. & Kierzek, A. M. CPT Pharmacometrics Syst. Pharmacol. 10, 1130–1133 (2021). | article