أنباء وآراء

خمسة وعشرون عامًا من الديناميكا الحرارية على المستوى النانوي

جولة في ثنايا ورقة بحثية نُشرتْ عام 1997، ونقلَتْ مفاهيم الديناميكا الحرارية من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين، بما أظهرته من إمكانية توسيع نطاق فيزياء التحولات المرتبطة بتشغيل المحركات البخارية، لتجعلها قابلة للتطبيق على المحركات الجزيئية.

تشيس بي برودرس، وبيير رونسراي

  • Published online:

بدأ تاريخ علم الديناميكا الحرارية في عام 1824 بملاحظةٍ للمهندس الفرنسي نيكولا ليونارد سادي كارنو، مفادها أنَّ هناك حدًا طبيعيًا، لا يمكن تجاوزه، لكفاءة المحركات البخارية. وعبّر عالم الفيزياء الألماني رودولف كلاوسيوس عن تلك الفكرة من خلال متباينة رياضية، نعرفها الآن بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية. مؤدَّى هذه المتباينة أنَّ هناك كميةً، أطلق عليها اسم «إنتروبي» Entropy، تستمر في الزيادة حتى يصل النظام إلى حالة الاتزان. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا القانون ركنًا ثابتًا في مناهج الفيزياء الجامعية، وبقي هكذا، لم يدخل عليه أي تحسين لمدة تزيد على قرنٍ كامل، حتى جاء كريستوفر جارزينسكي1 قبل 25 عامًا، مقترِحًا علاقةً مُحسَّنة، ذات نتائج مثيرة للاهتمام، حول الأنظمة الميكروسكوبية، مثل المحركات متناهية الصِغَر التي تحرك الكائنات الحية.

لفهم القانون الثاني للديناميكا الحرارية، تخيَّل أنك تَمطُّ شريطًا مطاطيًّا، فهذا مثال على التحول الديناميكي الحراري: عملية ينتقل بها النظام من أحد حالات الاتزان الديناميكي الحراري إلى حالة أخرى. فلكي تنجح في مطّ الشريط، يجب عليك بذل شغل، واستهلاك قدر من الطاقة. يُخزَّن جزء من هذا الشغل، ومن منظور الديناميكيا الحرارية، يبقى بالإمكان الحصول عليه مرة أخرى. هذا الجزء يُعرف بالطاقة الحرة، ويُمكن استعادته بإرخاء الشريط، أمَّا بقية الشُغل، فيُطلَق في النهاية في صورة حرارة إلى البيئة المحيطة بالنظام، دون إمكانية استعادته مرة أخرى، وكلما كان مطُّ الشريط أسرع، زادَ مقدار الفاقد من الشغل.

ولفهم الطريقة التي يوصِّف من خلالها القانونُ الثاني للديناميكا الحرارية الخواصَ والظواهر الفيزيائية بأفضل ما يكون، سيكون علينا أن نستعيد منظور عالم الفيزياء النمساوي لودفيج بولتسمان، الذي فسَّر «الإنتروبي» بأنها مقياس للعشوائية. ينص القانون الثاني على أنَّ متوسط الشغل المفقود في البيئة المحيطة بالنظام يكون في المتوسط أكبر من الصفر أو يساويه: فالشغل المفقود يرفع درجة حرارة بيئة النظام، وبذلك يزيد من عشوائية هذه البيئة، ومن «الإنتروبي» الخاصة بها، بطبيعة الحال. ومع الأسف، لا توجد طريقة يُمكن الاعتماد عليها لاستخلاص الحرارة من بيئة النظام بمطِّ الشريط المطاطي وإرخائه.

وقد استخدم جارزينسكي، في بحثه الذي يقع في أربع صفحات فقط، أدواتٍ رياضية كانت موجودة بالفعل منذ زمن بولتسمان، ليتوصل إلى نسخةٍ من القانون الثاني، تتصف بشموليتها، مثلها مثل النسخة الأصلية، ولكنها مصُوغة على شكل معادلة لا متباينة. وتنص على أنَّ قيمة أي دالة أسية للشغل المبذول (وقد تمكَّنّا من حساب متوسطها بالفعل من خلال العديد من التجارب) تكون مساويةً بالضبط لقيمة نفس دالة مقدار التغير الحادث في الطاقة الحرة. ومعنى ذلك أنَّه عند حساب متوسط قيمة الدالة الأسية للشغل المفقود السالب (يكون الشغل بالسالب عندما يتعارض متجِهَا القوة والإزاحة)، على امتداد كثير من التجارب، سيكون الناتج مساويًا تمامًا للواحد الصحيح. أصبح هذا التعبير الرياضي معروفًا بمعادلة جارزينسكي، وهو يضع قيودًا أشد إحكامًا على التحولات الديناميكية الحرارية، مقارنةً بالقانون الثاني. بل يمكننا القول إنَّ القانون الثاني يتبع معادلة جارزينسكي مباشرة (الشكل 1).

فلنتخيل أننا نكرر تجربة المط: سنجد أنَّ مقدار الشغل المُبدَّد يختلف في كل مرة أجريت التجربة فيها، لأنَّ البيئة المحيطة تخضع لتغيرات حرارية عشوائية. وبينما يقتصر تعامُل القانون الثاني على متوسط سلوك الشغل المُبدَّد نتيجة تحول معين، نجد أن معادلة جارزينسكي لا تُسقط هذه التقلبات والتباينات من حساباتها. تكون هذه التقلبات ضئيلة، إلى حدٍ يتعذر معه ملاحظتها، في الأنظمة عيانية الحجم، مثل ذلك الشريط المطاطي، إلا أنها تُصبح ذات أهمية بالغة في حالة الأنظمة الميكروسكوبية، مثل الجزيئات البيولوجية المفردة. بل ويكون للعشوائية الحرارية التأثيرُ الأكبر على الأنظمة النانوية التي تعمل بالقرب من الطاقة الحرارية المرتبطة بهذه التقلبات، وهي أنظمة صغيرة للغاية؛ إذ تبلغ 21-10 × 4 جول عند درجة حرارة الغرفة. وهكذا، فإن التأثيرات الجوهرية لمعادلة جارزينسكي تحدث في العالم الميكروسكوبي، حيث يكون للعشوائية دور بارز.

ولنتبيَّن ذلك، يمكننا النظر في الأنظمة ميكروسكوبية الحجم، حيث تشتدُّ تلك التقلبات، إلى حدِّ أنها قد تمتص الحرارة من البيئة بالفعل، ما يُتيح مطَّ الجزيء البيولوجي عبر بذلِ شغلٍ أقل من التغيير الحادث في طاقة النظام الحرة. ولكن في المتوسط، يظل القانون الثاني قابلًا للتطبيق؛ لأنه لا يُمكن الاعتماد على تلك الأحداث النادرة لإنتاج الطاقة دون مقابل، فالأمر هنا – في وجهٍ ما – أقربُ إلى لعبة اليانصيب: حيث يمكن للاعب، في حالات نادرة، أن يربح، رغم أن اللاعبين، في المتوسط، يخسرون. وفي معادلة جارزينسكي، تؤدي هذه الأحداث دورًا بارزًا، لأنَّ أهميتها تتضاعف بفعلِ الدالة الأسية (الشكل 1). وتكشف المعادلة عن توازنٍ دقيق بين هذه الأحداث النادرة، التي تُشبه الفوز في اليانصيب، أي تمتص الطاقة من البيئة الحرارية، والأحداث المعتادة، التي تُشبه الخسارة في اليانصيب، والتي يُبدَّد فيها الشغل المبذول.

ومن أجل وضع هذا الطرح النظري موضع الاختبار، أُعِدَّت تجربة ديناميكية حرارية على هذا النطاق الميكروسكوبي. فبعد اكتشاف جارزينسكي بخمس سنوات، استخدم فريق من علماء الفيزياء البيولوجية مصائد ضوئية، أطلقوا عليها «الملاقط البصرية»، لتعديل جزيء واحد من الحمض النووي الريبي، يتفاعل مع نفسه ليكوِّن بِنًى أشبه بدبابيس الشعر. وقد أظهر الباحثون، بتكرار فتح هذا الجزيء الشبيه بدبوس الشعر وإغلاقه، أنَّ التقلبات الحادثة في الشغل المبذول توافقتْ بصورة كاملة الدقة مع معادلة جارزينسكي2.

تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ المقياس النانوي هو نفسه مقياس المحركات الجزيئية: وهي مركبات بروتينية تعمل كمحركات ميكانيكية في الخلية، إذ تستطيع المحركات الجزيئية أن تبذل شغلًا عبر مطِّ بوليمرات بيولوجية، أو نقل حمولةٍ ما، ضد تأثير قوة سحبٍ مُقاوِمة. وبفعل ذلك، تقود تلك المحركات عمليات ميكانيكية تحدث على نطاقات أكبر، من انقسام الخلايا إلى انقباض العضلات. ويتغذى المحرك الجزيئي الواحد على جزيئاتٍ يُتيح كلٌّ منها طاقة حرارية تفُوق الطاقة الحرارية المتولِّدة في درجة حرارة الغرفة بحوالي عشرين مرة؛ ما يعني أنَّ تشغيل المحركات الجزيئية البيولوجية محصور، من حيث المبدأ، داخل الحدود التي تضعها معادلة جارزينسكي، ما يجعل بحثه خطوة أولى في طريق الكشف عن أنَّ الديناميكا الحرارية نانوية النطاق في المحركات الجزيئية3 تتفوق على الديناميكا الحرارية عيانية النطاق في المحركات البخارية.

الشكل 1 | تحسين القانون الثاني للديناميكا الحراريةعندما يتحول نظام من حالة اتزان ديناميكي حراري إلى حالة اتزان ديناميكي حراري أخرى، مثلما يحدث عندما يُمَط جزيء بيولوجي مثلًا، يتبدد قدرٌ معين من الشغل المبذول، ويُفقَد في البيئة المحيطة بالنظام. وإذا تكرر هذا التحول مرارًا، فإنَّ مقدار الشغل المُبدَّد سيختلف من تجربة إلى أخرى. وفي معظم الحالات، يكون مقداره موجَبًا، ولكن في حالات قليلة نادرة، يمتص النظام طاقةً من البيئة المحيطة. وقد اشتق جارزينسكي1 معادلةً رياضية، تقول بأنَّ متوسط قيمة الدالة الأسية المعتمِدة على الشغل المُبدَّد بالسالب، نسبةً إلى مقدار الطاقة الحرارية، يساوي بالضبط الواحد الصحيح. ونظرًا إلى أنَّ الدالة الأسية تنحني إلى الأعلى، فدائمًا ما يكون متوسط الشغل المُبدَّد أكبر من الصفر أو يساويه، وهو ما ينص عليه القانون الثاني للديناميكا الحرارية.

الشكل 1 | تحسين القانون الثاني للديناميكا الحراريةعندما يتحول نظام من حالة اتزان ديناميكي حراري إلى حالة اتزان ديناميكي حراري أخرى، مثلما يحدث عندما يُمَط جزيء بيولوجي مثلًا، يتبدد قدرٌ معين من الشغل المبذول، ويُفقَد في البيئة المحيطة بالنظام. وإذا تكرر هذا التحول مرارًا، فإنَّ مقدار الشغل المُبدَّد سيختلف من تجربة إلى أخرى. وفي معظم الحالات، يكون مقداره موجَبًا، ولكن في حالات قليلة نادرة، يمتص النظام طاقةً من البيئة المحيطة. وقد اشتق جارزينسكي1 معادلةً رياضية، تقول بأنَّ متوسط قيمة الدالة الأسية المعتمِدة على الشغل المُبدَّد بالسالب، نسبةً إلى مقدار الطاقة الحرارية، يساوي بالضبط الواحد الصحيح. ونظرًا إلى أنَّ الدالة الأسية تنحني إلى الأعلى، فدائمًا ما يكون متوسط الشغل المُبدَّد أكبر من الصفر أو يساويه، وهو ما ينص عليه القانون الثاني للديناميكا الحرارية.

كبر الصورة

أحدَث اكتشاف جارزينسكي، الذي يُمْكننا وصفه بأنه معادلة تختبئ وراء متباينة القانون الثاني، تأثيرًا كبيرًا في فيزياء العمليات التي تجري في حالةٍ من عدم الاتزان. فمن الأمور اللافتة للنظر، أن المعادلة لم تضع أي افتراضات بشأن سرعة حدوث التحول الديناميكي الحراري. ولذلك، تظلُّ المعادلة معبرةً عن النظام، حتى إذا ابتعد مثلًا عن حالة الاتزان الحراري في أثناء التجربة. وهذا ما يعني، بدوره، أنَّ التقلبات الحادثة في الشغل المبذول أثناء عملية من العمليات الجارية، في حالة من عدم الاتزان، ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالاختلافات في مقدار الطاقة الحرة أثناء الاتزان، وهي نتيجة غير متوقَّعة، تشير إلى أن هذه العمليات تتبع قوانين عامة يمكن اشتقاقها بشكل مباشر.

يُشار إلى هذه القوانين بمبرهنات التقلب، وكان ظهورها قد بدأ بالفعل في السنوات التي سبقت النتيجة التي توصل إليها جارزينسكي، إلا أن قلةً من الباحثين هم من فَطِنوا إلى قيمة تأثيرها وقتذاك4. ولعل أكثر هذه النظريات شيوعًا نظرية جافين كروكس، التي تعتبر نُسخةً منقحة من معادلة جارزينسكي، وتُقدم وصفًا إحصائيًّا لسهم زمن العمليات، وهي طريقة لحساب احتمالات ما إذا كان مقطع الفيديو الخاص بتجربةٍ ما يمضي قُدُمًا، أم يرجع إلى الخلف6. وقد أطلقتْ موجةُ الاكتشافات الأساسية هذه شرارةَ تطوير الديناميكا الحرارية العشوائية الحديثة، التي تعتبر إطارًا رياضيًّا يصف الخصائص الديناميكية الحرارية للأنظمة الميكروسكوبية: من المحركات الجزيئية نانوية الحجم، حتى المواد الغروانية ميكروسكوبية الحجم7.

وصحيحٌ أنَّ معادلة جارزينسكي لا تزال ضرورية لفهم الفيزياء الإحصائية الحديثة، وأنَّ صحتها قد تأكدتْ في سياقات عدة2،8، إلا أن محاولات تطبيقها المباشر جاءت مُخيبة للآمال حتى الآن؛ إذ لم تُتَرجَم إلى أية تطبيقات تكنولوجية متقدمة ذات أهمية. فرغم إمكانية استخدامها بوصفها أداةً لتحديد الاختلافات في مقدار الطاقة الحرة في عمليات محاكاة الديناميكيات الجزيئية9 على سبيل المثال، ما زال هذا الاستخدام مُقيّدًا بأن تكون العلاقة مرهونةً بأحداث شديدة الندرة.

وقد ظهرتْ طائفة واعدة من العلاقات التي تُمثِّل انعدام اليقين في الأنظمة الديناميكية الحرارية، لوصف التقلبات الحادثة في حالة عدم الاتزان، وهي علاقات تتصف بكونها أكثر عمليةً، لأنها لا تعتمد على أحداث بهذه الندرة 11،10. وعلى وجه العموم، تبقى ورقة جارزينسكي البحثية مفضلةً لدى الفيزيائيين، ويجب على الطلاب قراءتها بانتباه، لبساطتها وأسلوبها الرائع، فضلًا عن تأثيرها على فهمنا للديناميكا الحرارية؛ إذ قلَّما يكون لاكتشاف ما هذا الأثر الواضح عند نشر الورقة البحثية التي تتناوله.

References

  1. Jarzynski, C. Phys. Rev. Lett. 78, 2690–2693 (1997). | article
  2. Liphardt, J., Dumont, S., Smith, S. B., Tinoco, I. Jr, & Bustamante, C. Science, 296, 1832–1835 (2002). | article
  3. Pietzonka, P., Barato, A. C. & Seifert, U. J. Stat. Mech. 2016, 124004 (2016). | article
  4. Evans, D. J., Cohen, E. G. D. & Morriss, G. P. Phys. Rev. Lett. 71, 2401–2404 (1993). | article
  5. Gallavotti, G. & Cohen, E. G. D. Phys. Rev. Lett. 74, 2694–2697 (1995). | article
  6. Crooks, G. E. Phys. Rev. E 60, 2721–2726 (1999). | article
  7. Seifert, U. Rep. Prog. Phys. 75, 126001 (2012). | article
  8. Saira, O.-P. et al. Phys. Rev. Lett. 109, 180601 (2012). | article
  9. Park, S. & Schulten, K. J. Chem. Phys. 120, 5946–5961 (2004). | article
  10. Barato, A. C. & Seifert, U. Phys. Rev. Lett. 114, 158101 (2015). | article
  11. Gingrich, T. R., Horowitz, J. M., Perunov, N. & England, J. L. Phys. Rev. Lett. 116, 120601 (2016). | article