أنباء وآراء

أخيرًا.. العثورُ على أحافير البرايوزوانات في رواسب من العصر الكامبري

رغم أن الأدلة الجزيئية أشارت إلى وجود حيواناتٍ مائية تُعرف باسم البرايوزوانات بين أحافير العصر الكامبري، قبل نحو 541 مليون سنة، ظلَّت تلك الكائنات غائبةً حتى وقتنا الراهن على نحوٍ يسترعى الانتباه.

أندريه إرنست ومارك إيه. ويلسون

  • Published online:

مرَّت الحيواناتُ عديدةُ الخلايا، التي تُعرَف بالميتازوانات metazoans، بمرحلة تنوُّعٍ جذري في أشكالها خلال ما يُطلَق عليه الانفجار الكامبري، الذي بدأ قبل نحو 541 مليون سنة. وأسفر ذلك عن تكوين معظم المجموعات (أو الشُعَب) الحيوانية الرئيسة المعروفة حاليًا في أقل من 15 مليون سنة، وهي فترةٌ زمنية قصيرة نسبيًا بالمقاييس الجيولوجية. وبعضُ هذه الشُعب فاتتها، فيما يبدو، حادثة التنوُّع البيولوجي آنفة الذكر، ويُستدَل على ذلك بغيابها عن السجل الأحفوري للعصر الكامبري (الذي امتد خلال الفترة ما بين 541 مليون و485 مليون سنة مضت). لكن الأدلة الجينية، المستندة إلى «ساعة جزيئية» لتقدير وقت ظهور تلك الشُعب، تُشير إلى أنها كانت موجودة في «المطبخ» الكامبري. وأبرز الشُعب الحيوانية المفقودة من السجل الأحفوري الكامبري حتى الآن هي البرايوزوا Bryozoa، وهي مجموعة من الحيوانات المائية التي توجد في صورة كائنات منفردة موصولةٍ نسيجيًا بعضها ببعض من أجل تكوين مستعمرات. وُجدتْ هذه الحيوانات بوفرةٍ في السجل الأحفوري في وقت لاحق. يُقدِّم شيليانج تشانج وزملاؤه1، في بحثٍ نشرته دورية Nature، مجموعةَ أحافير جُمعتْ من رواسب العصر الكامبري المبكر في الصين وأستراليا، من المؤكَّد أنها تخصُّ البرايوزوانات bryozoans، وهو ما يمكن اعتباره دليلًا يحل أحد الألغاز المتعلقة بالتنوُّع المبكر للحيوانات.

الشكل 1 | برايوزوان حديث Electra pilosa من بحر البلطيقيوجد هذا البرايوزوان – كما هو معهودٌ في هذه الحيوانات المائية - في صفٍ من المستعمرات. يعيش أفراد التغذية، التي يُطلَق عليها الزُويدات، في تجمُّع تراكبي ضمن بِنًى للسُكنى صندوقية الشكل (وهي الوحدات البيضاوية الكبيرة الموضحة في الصورة). تُعرَف اللوامسُ الناتئة باسم حوامل العُرف. أشار جونج وزملاؤه1 إلى التعرُّف على أحافير برايوزوانات يعود تاريخها إلى حقبةٍ زمنية مرتبطة بالتنوُّع الحيواني يُطلق عليها الانفجار الكامبري (قبل نحو 541 مليون سنة). يملأُ هذا الدليل فجوةً بارزة في السجل الأحفوري للبرايوزوانات. مقياس الرسم: 1 ملّيمتر.

الشكل 1 | برايوزوان حديث Electra pilosa من بحر البلطيقيوجد هذا البرايوزوان – كما هو معهودٌ في هذه الحيوانات المائية - في صفٍ من المستعمرات. يعيش أفراد التغذية، التي يُطلَق عليها الزُويدات، في تجمُّع تراكبي ضمن بِنًى للسُكنى صندوقية الشكل (وهي الوحدات البيضاوية الكبيرة الموضحة في الصورة). تُعرَف اللوامسُ الناتئة باسم حوامل العُرف. أشار جونج وزملاؤه1 إلى التعرُّف على أحافير برايوزوانات يعود تاريخها إلى حقبةٍ زمنية مرتبطة بالتنوُّع الحيواني يُطلق عليها الانفجار الكامبري (قبل نحو 541 مليون سنة). يملأُ هذا الدليل فجوةً بارزة في السجل الأحفوري للبرايوزوانات. مقياس الرسم: 1 ملّيمتر.

Credit: Andrej Ernst

يُشار بالمصطلح برايوزوا إلى الحيوانات الحزازية؛ وهي كائنات تُشبه الطحالب ظاهريًا. تعيش هذه الكائنات في الموائل البحرية وموائل المياه العذبة على حد سواء، ويتكون غذاؤها من العوالق النباتية بشكلٍ أساسي. والبرايوزوانات شُعْبة من شُعَب الميتازوانات الجَوف-معوية (وهي حيواناتٌ توجد أمعاؤها في تجويفٍ مركزي مملوءٍ بالسوائل)؛ التي تعد بدورها جزءًا من مجموعة تُسمَّى العجلانيات العُرفية Lophotrochozoa. تمتلك العجلانيات العُرفية بنيةً تُعرف باسم «حامل العرف» lophophore، وهي عبارة عن حلقةٍ من اللوامس ذات نتوءات تُسمَّى الأهداب، وتَبسط البرايوزوانات حواملها العُرفية لالتقاط الطعام عن طريق التغذية بالترشيح (انظر الشكل 1). وتشمل سماتُها التشريحية المُميّزة الأخرى قناةً هضمية وفتحة شرج تُفتَح إلى خارج حامل العُرف.

تتميز البرايوزوانات بأنها كائناتٌ تعيش في مستعمراتٍ حصرية؛ ونتيجةً لذلك، فإن أفرادها (التي يُطلق عليها الزُويدات zooids) في كل مستعمرةٍ يتسمون بالحجم الصغير والبنية البسيطة نسبيًا مقارنةً بأفراد العجلانيات العُرفية التي لا تعيش في مستعمرات، مثل الديدان الحدوية وعَضُديات الأرجل. ونظرًا إلى الشكل التراكُبي الذي يُميِّز بنية المستعمرات التي تعيش فيها تلك الكائنات، يمكن للبرايوزوانات إسناد بعض المهام في المستعمرات إلى أفرادٍ متخصصين مسؤولين عن أنشطةٍ مثل التنظيف والدفاع والتكاثر. لذا فإن التعرُّف على قُرابة 15 ألف نوع من البرايوزوانات ضمن الأحافير ونحو 6500 نوع موجود بالفعل يدل على نجاح تلك الحيوانات2.

تمتلك معظم البرايوزوانات «هياكل عظمية» تتكوَّن من كربونات الكالسيوم، ومن الممكن أن تحتوي هذه الهياكل على أحد شكلين بلوريين من كربونات الكالسيوم، يُسمى أحدهما الكالسيت، والآخر الأراجونيت؛ أو من خليط من هذين المعدنين. وكان اكتسابُ تلك الكائنات هذا الهيكل العظمي المعدني ارتقاءً بنيويًا مهمًا؛ حيث أسهم ذلك إسهامًا كبيرًا في الإسراع من تطوُّر البرايوزوانات. حدث هذا الارتقاء البنيوي مرتين على الأقل أثناء تطوُّر الشُعبة، وهو ما أدى في النهاية إلى ظهور مجموعة من البرايوزوانات تُسمَّى Stenolaemata خلال العصر الأوردوفيشي (الذي امتد خلال الفترة ما بين 485 مليون و444 مليون سنة مضت)، ومجموعةٍ أخرى من البرايوزوانات تُسمَّى Cheilostomata خلال العصر الجوراسي (الذي امتد خلال الفترة ما بين 201 مليون و145 مليون سنة مضت). من المعلوم أن أجزاء الجسم المعدنية لديها فرصةٌ أكبر للتحجُّر مقارنةً بالأجزاء غير المعدنية؛ وهو الأمر الذي يجعل للبرايوزوانات سجلًا أحفوريًا مُبهرًا، لا سيما مجموعة Stenolaemata التي تعود إلى حقبة الحياة القديمة المعروفة بالعصر الباليوزي (الذي امتد خلال الفترة ما بين 541 مليون و252 مليون سنة مضت). ومع ذلك، لا يزال الغموضُ يحيط بنشأة شُعبة البرايوزوانات.

أقدمُ الحفريات التي أكَّد الباحثون في السابق أنها تنتمي إلى البرايوزوانات، تعود إلى بداية العصر الأوردوفيشي، وتحديدًا إلى الفترة الزمنية الفاصلة التي يُطلَق عليها حقبة التريمادوشي (ما بين 485.4 مليون، و477.7 مليون سنة مضت)، وقد عُثر على تلك الحفريات في الصين3. ومع ذلك، فإن لهذه البرايوزوانات شكلًا (تركيبًا) معقدًا، ومن ثمَّ لا بد أن تكون قد مرتْ بالفعل بتاريخٍ طويل من التطوُّر. إضافةً إلى ذلك، تُشير الدراساتُ الجزيئية، التي حدَّدتْ تاريخًا تقديريًا لنشأة البرايوزوانات، إلى فترةٍ زمنية أقدم من تلك الحفريات بنحو 44 مليون سنة، في بواكير العصر الكامبري6،5.

رُشِّحت العديدُ من الأحافير في السابق لتُصنَّف ضمن برايوزوانات العصر الكامبري، لكن اتضح في نهاية الأمر أنها كانت أحافير لكائناتٍ أخرى. يُقدِّم جونج وزملاؤه الآن نوعًا من الأحافير بوصفه أقدم البرايوزوانات المعروفة. يُطلِق الباحثون على هذا النوع اسم Protomelission gatehousei، وينسبونه إلى العصر الكامبري المبكر في أستراليا وجنوب الصين. تُمثِّل البقايا التي عُثر عليها هياكلَ عظمية بحجم ملّيمتر واحد لحيوانٍ مُركَّب يمتلك مجموعةً من الخصائص التي تُميِّز البرايوزوانات على وجه الخصوص. تتميز الهياكل العظمية لهذه الحفرية بسماتٍ ترتبط ارتباطًا خاصًا برُتيبة من البرايوزوانات تُسمَّى Ptilodictyina كانت موجودة في العصر الأوردوفيشي.

لا يُظهِر النوعُ المعروف باسم Protomelission gatehousei أي اختلاف يخص أشكال الزُويدات من شأنه أن يُبيِّن تقسيم العمل في المستعمرة. تتميَّز الزُويدات باتساقها في الشكل والحجم، وتصطف بانتظامٍ في سلسلة طولية بسيطة من الصفوف. ويُفترَض أن هذا الحيوان لم يتعرَّض للتمعدن، وقد حُفظِت بقاياه نتيجةً لتغيراتٍ أخرى (تتمثَّل في تعديلٍ كيميائي يسمى الفَسْفَتة الثانوية) طرأتْ على جدران جسم ذلك الحيوان. وعمليةُ التمعدن تلك شائعةٌ في العصر الكامبري نظرًا لأن مياه تلك الفترة كانت غنيةً بأيونات الفوسفور اللازمة لهذا التعديل. في العصر الأوردوفيشي، ارتفع منسوب كربونات الكالسيوم الذائبة في مياه البحر وأتاحتْ تلك الظروف حدوث التنوُّع السريع للحيوانات والنباتات التي احتوت هياكلها العظمية على الكالسيت. وقد اكتسبتْ البرايوزوانات هياكل عظمية كربونية وتنوَّعتْ، على غرار العديد من الشُعب الأخرى، في إطار ما يُسمَّى حدث التنوُّع البيولوجي الأوردوفيشي العظيم.

تُظهِر دراسةُ جونج وزملائه أن تطوُّر البريوزوانات مرَّ بتاريخٍ مدهشٍ - وإن كان محجوبًا في السابق - خلال العصر الكامبري المُبكر. ورغم أن كثيرًا من الباحثين تبنوا هذا الافتراض، لم يُقدَّم أي دليلٍ موثوق به على صحته إلا في وقتنا الحاضر. فيُفسِّر عدمُ وجود أجزاءٍ صلبة في الهيكل العظمي للنوع P. gatehousei سببَ غياب البرايوزوانات عن السجل الأحفوري للعصر الكامبري في السابق.

من بين البرايوزوانات الحديثة، هناك مجموعتان لا تحتوي أجسامهما على عناصر معدنية، وتحملان اسم Ctenostomata وPhylactolaemata، وكلتاهما، كما هو متوقع، ليس لها سجل أحفوري يُعتدُّ به. ويُفترَض أن طائفة Stenolaemata – وهي مجموعة البرايوزوانات التي تحتوي هياكلها العظمية على الكالسيت والتي كانت أكثر وفرةً وتنوعًا في العصر الباليوزي - قد انحدرتْ من سلفٍ غير معروف، رخو الجسم، ويوصف بأنه شبيه بطائفة ctenostome، حيث يتميز بجدار غير معدني للجسم ومسكن zooecia (وهو الحيز المحيط بزويدات الحيوان) على شكل صندوق. يشترك النوع المُسمَّى Protomelission gatehousei في بعض السمات مع أفراد طائفة ctenostomes من حيث الجدار غير المعدني للجسم، والحقيبة صندوقية الشكل التي تعيش فيها الزُويدات؛ كما يشترك أيضًا في بعض السمات مع طائفة stenolaemates (من حيث نمط تشكُّل الحقائب صندوقية الشكل والبنية المُستعمراتية ثنائية الجوانب المشابهة لورقة الشجر، مع وجود الزُويدات على كل جانب). ويحمل هذا النوع السمات الملائمة التي تُرشِّحه لأن يكون أحد الأسلاف المُبكرة للبرايوزوانات. وبما أننا توصَّلنا في الوقت الحالي إلى حل لغز الأسلاف، فمن الممكن أن ينصب تركيز العلماء في الفترة القادمة على استكمال التفاصيل الخاصة بقصة تطوُّر البرايوزوانات من العصر الكامبري المُبكر إلى العصر الأوردوفيشي المُبكر.

يُقرُّ المؤلفان بعدم وجود تعارض في المصالح.

References

  1. Zhang, Z. et al. Nature 599, 251–255 (2021). | article
  2. Schwaha, T. in Phylum Bryozoa (ed. Schwaha, T.) 1–10 (de Gruyter, 2020).  | article
  3. Xia, F.-S., Zhang, S.-G. & Wang, Z.-Z. J. Paleontol. 81, 1308–1326 (2007). | article
  4. Ma, J., Taylor, P. D., Xia, F. & Zhan, R. Palaeontology 58, 925–934 (2015). | article
  5. Budd, G. E. & Jackson, I. S. C. Phil. Trans. R. Soc. B 371, 20150287 (2016). | article
  6. Erwin, D. H. Development 147, dev182899 (2020). | article

أندريه إرنست: يعمل أستاذًا في معهد الجيولوجيا بجامعة هامبورج، مدينة هامبورج 20146، ألمانيا.

مارك إيه. ويلسون: يعمل أستاذًا في قسم علوم الأرض بكلية ووستر، مدينة ووستر، أوهايو 44691، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني:

andrej.ernst@uni-hamburg.de

 mwilson@wooster.edu