افتتاحيات

عصفوران بحجر واحد: التخلُّص من الاتكال على روسيا.. وتحقيق الأهداف المناخية

مع تخلِّي بعض بلدان الاتحاد الأوروبي عن الغاز والنفط الروسيّين، ينبغي حثُّ الخطى في التحول إلى الطاقة النظيفة.

  • Published online:
أنبوب نقل الغاز ضمن مشروع «نورد ستريم 2»، الذي يهدف إلى رفع صادرات الغاز الطبيعي من روسيا لأوروبا

أنبوب نقل الغاز ضمن مشروع «نورد ستريم 2»، الذي يهدف إلى رفع صادرات الغاز الطبيعي من روسيا لأوروبا

Credit: Andrey Rudakov/Bloomberg/Getty

عندما أقدم فلاديمير بوتين على غزو أوكرانيا، أشعل فتيل حرب هي الأكبر في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وردًا على هذا الغزو، قطعت الولايات المتحدة، ودولٌ أوروبية عدّة، العلاقات التجارية والمالية والعلمية مع روسيا، كما لم يحدث من قبل مع عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ولكن احتياجات أوروبا من الطاقة تحول دون إقدام دول عديدة على اتخاذ إجراءات اقتصادية أكثر صرامة. فروسيا تصدِّر للاتحاد الأوروبي نحو 40% من احتياجاته من الغاز الطبيعي، ونحو ربع استهلاكه من النفط، وحوالي نصف استهلاكه من الفحم. وحيث إن هذا التبادل التجاري لا يزال مستمرًا، فإنه يمثل نقطة ضعفٍ للأوروبيين، استغلَّها بوتين، الذي أصدر أمرًا، قبل أيام، يقضي بوقف صادرات الغاز للدول "غير الصديقة" إنْ لم تدفع تلك الدول بالروبل الروسي (بدلًا من الدولار الأمريكي أو اليورو).

ويبدو أن الرئيس الروسي، باتخاذه هذه الخطوة، قد سعى إلى تحقيق هدفين: الانتقام من الدول التي فرضت عقوبات على بلاده، أو وافقت على فرضها، من جهة، وكمحاولة لدعم الروبل، من جهةٍ أخرى. فقد فقدت العملة الروسية نحو نصف قيمتها خلال الأسبوعين التاليين للرابع والعشرين من فبراير، يوم بداية الاجتياح، لتصل إلى أدنى قيمةٍ لها على الإطلاق، إذ بلغ الدولار الواحد 150 روبلًا. وصحيحٌ أن سعر العُملة قد عاود الارتفاع بعد ذلك، إلا أن الأفق يشي باستمرار التقلبات.

أصاب القادة الأوروبيون برفضهم طلبات بوتين، ويبدو، حتى اللحظة على الأقل، أن «الكريملين» قد تراجع عن طلباته. ويعتقد باحثون ومحللون أنه من المستبعَد أن يقطع بوتين صادرات الغاز عن أوروبا؛ لأن ذلك يعني أن روسيا تتخلى عن قسط كبير العائدات التي تحصّلها نظير بيع الطاقة للاتحاد الأوروبي، التي تقدَّر بنحو 700 مليون يورو (771 مليون دولار) يوميًا من بيع الطاقة للاتحاد الأوروبي؛ وهي الأموال التي تعوِّل عليها روسيا حاليًا في الإنفاق على جيشها. كما أن روسيا تملك في الوقت الراهن أن تعوض خسائرها بأن توجِّه صادراتها من الغاز إلى دول تتخذ مواقف أقلَّ عداءً تجاهها؛ لأن ذلك سيتطلب إنشاء بنًى تحتية جديدة، وهو الأمر الذي يتعذَّر إنجازه بسرعة.

ومهما يكن من شيء، فإن التهديد الروسي يحمل في طيَّاته إشارة واضحة الدلالة: على الاتحاد الأوروبي أن يسارع بالتخلي عن وارداته من الطاقة الأحفورية من روسيا، من نفط وغاز وفحم. كما أن هذا التهديد يؤكد الفكرة التي طالما قال بها باحثو المناخ والطاقة والاقتصاد على مدى عقود: وهي أن أمن المناخ وأمن الطاقة متلازمان.

وفي تصريحات أدلى بها باحثون لدورية Nature، أكدوا أن الدول الأوروبية قادرة على أن تجتاز الشتاء المقبل دون حاجة إلى واردات الطاقة الروسية، وبلا انقطاع في الكهرباء. ولكن هذا سيتطلب إجراءات عاجلة على غير جبهة، منها تعزيز التعاون الدولي، بما يقود إلى زيادة واردات الغاز الطبيعي من دول أخرى، وإطلاق عددٍ من مشروعات الطاقة النظيفة، واستحداث إجراءات للحفاظ على الطاقة، ورفع كفاءة استخدامها، وقد يكون من هذه الإجراءات أيضًا تدشين برامج لترشيد استخدام الطاقة.

وإذا كان الهدف العاجل هو توفير ما يكفي من الطاقة للاستخدامات اليومية، فإن الهدف طويل المدى ينبغي أن يكون التخلي عن الوقود الكربوني نهائيًا. من شأن ذلك أن يتيح لأوروبا التخلُّص من اعتمادها على روسيا من جهة، وتحقيق أهدافها المناخية من جهةٍ أخرى. فكما ورد في تقرير الأسبوع الماضي من تقارير «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» (IPCC)، سيتطلب تحقيق هذا الهدف الاستعاضة عن الوقود الأحفوري، الذي يغذي منظومات توليد الكهرباء الوطنية وفي المقاطعات، بالطاقة المتجددة. كما أن ذلك يتطلَّب إطلاق السيارات التي تُسَيّر بالكهرباء، والهيدروجين المستخلص من مصادر متجددة، وكذلك إعادة تجهيز المنازل والمتاجر، لتستخدم طاقة أقل، وتنتج طاقة أكثر. وفضلًا عن ذلك، لا بُد من استراتيجيات تتعلق بالطاقة، واحتجاز الكربون، وتخزينه، بما يقلل الانبعاثات الكربونية التي تُطلقها الصناعات الثقيلة. لن يكون أيّ مما تقدم سهلًا، ولكن لا خيار أمامنا إلا اتباع هذا السبيل، إذا كنّا نبغي للعالَم مستقبلًا أنظف وأكثر أمانًا.

والحقُّ أن الباحثين والنشطاء المعنيين بقضايا البيئة ينادون باتباع هذا السبيل منذ عشرات السنين. فقد حذروا الحكومات من مغبَّة الاعتماد على الوقود الأحفوري، لا لأن له عواقب وخيمة على المناخ فحسب، وإنما لأنه يزعزع السياسة الدولية أيضًا؛ إذ إنه يكرِّس حالة الاتكال على أنظمة سياسية تبثُّ القلاقل في الساحة الدولية.

وسواءٌ أقرَّر الأوروبيون التوقُّف عن شراء الغاز الروسي، أم قرروا غير ذلك، فلا سبيل – في أغلب الظن – إلى تحاشي التبعات الاقتصادية البالغة التي ستنجُم عن استمرار صعود أسعار الغاز. ولما كانت شركات عديدة لا تستطيع تحمُّل الصدمات الاقتصادية بغير دعم، وإلا فقد الكثيرون وظائفهم، فلا خيار لدى الحكومات سوى أن تسارع بتقديم العون.

والزعماء الأوروبيون في غنًى عن أن نُذكِّرهم بأنهم إنما يموِّلون عدوًا يتربص ببلادهم. ولما كان الأمر كذلك، فحريٌّ بهم أن يبقوا في مواجهة هذا التهديد صفًا واحدًا، وأن ينسِّقوا فيما بينهم لتسريع وتيرة التحول للطاقة النظيفة؛ وهي خطوة لا محيص عنها لتحقيق الهدف الذي أرسته اتفاقية باريس للمناخ، التي تهدف لإيقاف احترار الأرض عند مستوى 1.5 درجة فوق ما كانت عليه حرارة كوكبنا قبل بداية حقبة التصنيع.

السعي إلى تأمين حاجات الطاقة ربما يعني، في المدى القصير، تزايدًا في الاعتماد على الوقود الأحفوري لإنتاج الطاقة، ولكن يجب ألا تلتبس علينا الرسالة الجوهرية: على قادة أوروبا أن يدركوا أن هجر الوقود الكربوني هو الإجابة لمسألتي أمن الطاقة وأمن المناخ، كلتيهما. فإن تمكنوا من وضع أسس الطاقة النظيفة للمستقبل، كجزء من استجابتهم للحرب المستعرة في أوكرانيا، فسيكون ذلك درسًا يستفيد منه العالم أجمع.