أخبار

روائح عتيقة تكشف أسرار مقبرة فرعونية

حَوَت الجِرار أسماكًا، وفاكهة، ودهانًا عطريا من شمع النحل، لتكون زادًا لسكان المقبرة في حياتهم الأخرى.

كولين باراس

  • Published online:
في هذه البردية من مقبرة «خا» و«ميريت»، يظهر الزوجان وهما يتضرعان لرب الحياة الآخرة.

في هذه البردية من مقبرة «خا» و«ميريت»، يظهر الزوجان وهما يتضرعان لرب الحياة الآخرة.

Credit: Leemage/Corbis/Getty

بعد أكثر من 3400 عامٍ من إيداع اثنين من قدماء المصريين في مثواهما الأخير، لم تزل تنبعث روائح زكية من جِرار الطعام التي تُركت مع الراحلَين، لتَعتاش عليها روحاهُما الأبديَّتان. فحص الباحثون الروائح ليتبينوا محتويات الجِرار (J. La Nasa et al. J. Archael. Sci. 141, 105577; 2022)، وأظهروا كيف أن أبحاث علم الآثار التي تتناول الروائح يمكن أن تُعَمّق فهمنا للماضي، وربما تجعل زياراتنا للمتاحف أكثر إمتاعًا.

كان اكتشاف مقبرة كاملة، سنة 1906، للزوجين «خا» و«ميريت» في جَبّانة دير المدينة قرب الأقصر، حدثًا محوريًا في علم المصريات. فمقبرة «خا» – الذي كان يعمل «مديرًا للأشغال»، أو مهندسًا – وزوجته «ميريت»، هي المقبرة المصرية الوحيدة، من غير المقابر الملَكية، التي لم تُمَسّ تقريبًا حتى وقت اكتشافها، وهي تمدُّنا بمعلومات هامة عن ترتيبات دفن الموظفين الكبار في ذلك العصر.

تقول إيلاريا ديجانو، باحثة الكيمياء التحليلية بجامعة بيزا في إيطاليا، إن المقبرة تحتوي "مجموعة هامة من الآثار".

خلافًا لما درجَتْ عليه ممارسات أوائل القرن العشرين، قاوم مكتشفو المقبرة الإغراء بإزالة أغطية المومياوات، وفتح أواني الطعام والشراب، حتى بعد نقل محتويات المقبرة للمتحف المصري، الكائن في مدينة تورينو الإيطالية. لا يزال محتوى أكثر تلك الآنية غير معلوم، وإن لم يعدَم الباحثون الإشارات الدالة على ذلك المحتوى، بحسب الباحثة ديجانو، التي تضيف: "لدى الحديث مع مسؤولي المتحف، علمنا أنه كانت تنبعث روائح فاكهة من أماكن عرض تلك الآنية".

وضعت ديجانو وزملاؤها بعض محتويات المقبرة – من جِرار مقفولة وأكواب مفتوحة تحمل بقايا متعطنة لأطعمة عتيقة من المقبرة – في أكياس بلاستيكية، بُغية جمع شيء من الجزيئات المتطايرة التي لم تزل تنبعث من تلك المواد. ثم استخدم الفريق المطياف الكُتَلي للوقوف على مكونات الروائح من كل عينة. تبين للباحثين وجود مركبات الألديهيدات، وهيدروكربونات ذوات الحلقات الكربون الطويلة، ما يدل على وجود شمع النحل؛ ومادة التراي-ميثلامين، التي تُصاحب عادةً السمك المجفف؛ وغير ذلك من الألديهيدات التي تشيع في الفاكهة. ستغذي تلك النتائج مشروعًا بحثيًا أكبر، ينشُد إخضاع محتويات المقبرة للفحص والدراسة مجددًا، لتكوين صورة أشمل عن عادات الدفن خارج الأسر الملَكية في الحقبة التي مات فيها «خا» وزوجته «ميريت».

يقول استيفن بقلي، الباحث في علم الآثار والكيمياء التحليلية بجامعة يورك في المملكة المتحدة، إن تحليل الروائح لا يزال مساحة جديدة في علم الآثار، ولم تحظ بعد بما تستحق من الاهتمام البحثي. ويضيف: "تجاهل الباحثون تحليل الجزيئات المتطايرة من محتويات المقابر، لأنهم افترضوا أنها تلاشت. ولكن إن أردتَ أن تفهم حياة المصريين القدماء حقا، فلا غنى عن دراسة عالم الروائح".

ومما يُذكَر في هذا الصدد، على سبيل المثال، أن البخور ذا الرائحة الزكية، المستخلص من الأصماغ العطرية، كان يحظى بأهمية بالغة في الشعائر الدينية التي كانت تؤدَّى في المعابد، وطقوس الدفن، في مصر القديمة. ولما كانت أشجار الصمغ لا تنمو في مصر، فلم يكن بُدٌّ من بعثات طموحة، تقطع مسافات بعيدة لجلب تلك الأشجار.

روائح قديمة تعبِّق المتاحف

فضلًا عما تكشفه الروائح العتيقة عن الحضارات الغابرة، فإنها قد تضيف بُعدًا آخر لتجربة زوار المتاحف. تقول سيسيليا بِمبيبر، الباحثة بكلية لندن الجامعية، إن "الروائح مساحة غير مطروقة كمدخل لماضينا الجمعي. قد نتمكن بفضل الروائح من التعاطي مع الماضي بصورة عاطفية أكثر، وشخصية أكثر".

ولا يفُوت بِمبيبر، رغم ذلك، أن تشير إلى أن بعث الروائح القديمة ليس أمرًا سهلًا؛ ذلك أن تحلل المواد وتعفنها قد ينتُج عنهما روائح تعافُها النفس، ما يعني أن الروائح التي قد نستخلصها الآن من محتويات المقابر لا تماثل الروائح الأولى، أو ما تسميه بمبيبر «البيئة العطرية» الأصلية للمقبرة.

إذا توفَّر لدينا فهم وإدراك دقيقان، إذن لأصبح في الإمكان التمييزُ بين روائح التعفن على جهة، والشذا الأصلي على جهة أخرى. ولكن أيرغب زوار المتاحف حقًا في معايشة البيئة العطرية للمقابر كاملة، بما قد يشمل ذلك من روائح غير محببة؟ هذا أمرٌ لا يزال محلَّ خلاف. يقول الباحث بقلي: "ربما يَحْسُن بمسؤولي المتاحف أن يتيحوا لزائر المتاحف أن يختار مقدار ما يقبله من تلك الروائح".