حديث المهن

نصائح سديدة مجربة من باحثات إفريقيات

اغتنمن الفرص، ودافعن عن آرائكن وتحلّين بروح الكد والاجتهاد – نصائح تُوجهها أربع باحثات يعملن حاليًا على تشكيل ملامح المشهد العلمي في إفريقيا.

  • Published online:

يُنتظر من النساء الإفريقيات الوفاء بعبء أكبر من المسؤوليات المنزلية، بالمقارنة مع كثيرات من نظيراتهن في بقية أنحاء العالم. ومَن تنخرطن منهنّ في تخصّصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) يتعيَّن عليهن أيضًا خوض غمار معارك لمواجهة النقص المزمن في التمويل والتمييز على أساس النوع. وفي إطار استعراض حياة النساء من هذه التخصصات، نُلقي الضوء على وجهات نظر أربع عالمات في إفريقيا جنوب الصحراء بشأن كيفية تحقيق النجاح في المسيرة المهنية العلمية.

كادي سال، اختصاصية في علم الأحياء الجزيئي ورائدة أعمال، تساعد على توجيه الطلاب نحو تقلّد وظائف بمجالات التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي.

كادي سال، اختصاصية في علم الأحياء الجزيئي ورائدة أعمال، تساعد على توجيه الطلاب نحو تقلّد وظائف بمجالات التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي.

CRRS 3 Mar WISE COUNSEL

كادي سال

ابحثي عن مهمة تُطلق العنان لإمكاناتك

حصلتُ على درجة الدكتوراه من جامعة ولاية أوريجون بكورفاليس في حقل دراسات الجينات المتعلقة بسكون البذور [التي تبحث القدرة على تأخير أو تأجيل إنبات البذور حتى يتهيأ لها الوقت الملائم والظروف البيئية المُثلى] ودراسات تحمّل البذور للجفاف. وعندما فرغتُ من دراساتي لنيل درجة الدكتوراه في عام 2017، ترددتُ بعض الشيء حيال تقلُّد مسار وظيفي أكاديمي، فما كنتُ لأرضى بألا يكون لعملي أثر مباشر في مجتمعي، ولم أجد  حافزًا يحثّني على التقدم كثيرًا لشغل منصب كباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه، لأنني شعرت كما لو أنني سأُجري أبحاث الدكتوراه للمرة الثانية، ولم أرغب في قضاء أربع سنوات أخرى في إجراء الأبحاث الأكاديمية، بيد أنني وعيتُ أيضًا إلى أنني سأواجه صعوبة في بناء مشواري المهني كباحثة من الصفر إذا قررتُ العودة إلى السنغال.

ولعل مشاهدة فيلم الحركة «النمر الأسود» Black Panther أشعلت شرارة حماس ما بداخلي، فالرؤية التي يجسّدها الفيلم -للكيفية التي يمكن بها الدمج بين المعارف المُكتَسبة من اللغات المحلية والثقافات والتقاليد المتوارثة في العلوم- مثَّلت جوهر ما أتحدَّث عنه في عديد من المؤتمرات. وبعد مُضي شهرين على مشاهدتي الفيلم، استيقظتُ ذات يوم واشتريتُ تذكرة طيران عودةً إلى وطني.

يظن الناس أن تحقيق التنمية في إفريقيا لا يختلف عنه في الولايات المتحدة أو فرنسا، لكن هل الأوضاع كافة على ما يُرام في هذين البلدين؟ سنتخلَّف عن الركب دائمًا إذا كنا نصبو إلى «مكانة الولايات المتحدة في عام 2022»، فجهود التنمية المستدامة يجب أن تستمدّ جذورها من الثقافة، بصون اللغات المحلية، وإدماج الممارسات الموروثة الجيدة للبيئة في هذه الجهود، ويجب أن يوائم مسار التنمية طبائعَ أبناء الوطن، والأهداف التي يطمحون في المضي ببلدهم إليها، وسيتسنّى لكِ الوصول إلى تلك الأهداف بالتحلي بالأصالة، وربما من خلال تدريس العلوم باللغات المحلية، كاللغة الوَلَفية، التي تتحدَّث بها شعوب السنغال وغامبيا وموريتانيا.

وكان هذا سبب عودتي لتأسيس «سي إس دي» SeeSD، وهي منظمة غير ربحية أطلقتها في عام 2015 من أجل النهوض بتدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفنون والرياضيات (STEAM)، والتفكير النقدي، والتنوير العلمي للشباب من الإناث والذكور في السنغال. ومقارنة بالحصول على عمل في المضمار العلمي بالولايات المتحدة، لا يمكن التنبؤ بالمنحى الذي قد يسلكه العمل في المضمار نفسه بالسنغال، فوتيرته غير مستقرة، والأمر جدّ عسير، فالحياة اليومية هناك شاقة!

ولكنني آثرت خوض التحدي الأصعب، وكنتُ أدفع نفسي وزملائي بالمنظمة دفعًا لخوضه. كنّا في مستهل حياتنا، ولم تتوافر لنا الخبرة الكافية، فاقترفنا بعض الأخطاء، ولكننا تعلَّمنا من واقع التجربة العملية، وقد نضجتُ كثيرًا منذ عودتي إلى بلدي، إذ تعيَّن على المرء خوض مفاوضات لتجاوز مشكلات كنقص التمويل، والموارد البشرية، والتدريب، وفي نهاية المطاف، أنشأنا كيانًا من العدم.

كما تعيَّن على المرء هناك خوض مُعترك السياسة أيضًا، فالبعض يربط الطموح بالسعي إلى منصب سياسي، وقد يتشكَّك في امتلاكك دافعًا مختلفًا، ومن شأن ذلك أن يدفع جهات التمويل المحلية إلى الإحجام عن دعم مؤسستك.

ولا شكّ أننا بحاجة إلى توسيع نطاق تدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فالتداعيات الوخيمة لجائحة «كوفيد-19»، على سبيل المثال، بدأت تكشف لنا أخطار عدم توجيه الطلاب نحو وظائف في مجالات التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي، وهي وظائف من شأنها أن ترسم ملامح المستقبل، وإذا لم نصبح جزءًا من الاقتصاد العالمي ونستغلّ المعارف لابتكار التقنيات، فسنغدو هالكين لا محالة.

التحيز على أساس النوع قضية تواجهها النساء في كل مكان، والأدهى أنني أواجه في بلدي أيضًا تحيزًا بحق الشباب! وأحاول التغلب على تلك التحيزات بإعلاء صوتي من خلال عملي، إذ لا أميل إلى الترويج لنفسي كمشاهير الإنترنت على منصات التواصل الاجتماعي، أو المشاركين في المؤتمرات الدولية.

عوضًا عن ذلك، أنهض بعملي، وأحيانًا، لا يُعرف الشخص المسؤول عن إنجاز العمل، لكن، في نهاية المطاف، إنجازاتِك ستتحدث عنكِ، فإن أثبتِ أن بمقدورك تحقيق النجاح، فستبرهنين على كفاءتك، ولهذا، كُلّفت بإعداد برامج الشهادات الجامعية ودرجات الماجستير في مجالي الوراثيّات الجزيئية والمعلوماتية الحيوية بجامعة السنغال الافتراضية في دكار، ونعمل على إنشاء مساحة المختبرات اللازمة من أجل استيعاب فصول تدريس الدورات وإجراء الأبحاث، ولم تُطلَق هذه البرامج بعد، ويجب بدء العمل عليها جميعًا من الصفر.

لم أُرزق بأطفالٍ لأنني منكبّة على عملي، وأنا سعيدة بتمتعي بالاستقلالية، فبمقدوري أن أخرج بفكرة وأعمل على تحقيقها لأراها تُترجم إلى واقع، لشد ما يطيب لي ذلك!

وبوصفي مشرفة، أتعاون مع كثيرات من النساء، وعليّ أن أتحلّى بالمرونة في التعامل معهن، لكثرة ما يقع على كاهلهن من أعباء أسرية. ويجب أن تؤسس الإناث مزيدًا من الشركات من أجل تحقيق استيعاب أفضل للسيدات في قوة العمل، فهن يقدمن -في المقابل- كثيرًا للأعمال.

ولعلّ الجزء الأصعب في أن تصبح المرأة رائدة أعمال، أنَّ عليها أن تبذل مجهودًا مضاعفًا لما يبذله الرجل، كي يُكتب لها النجاح. فعادةً ما تواجه النساء استخفافًا بهن، لكن في مرحلةٍ ما، ينبغي ألا يساورك الندم على قراراتك القيادية، فما عليكِ سوى إنجاز العمل، وإبراز مهاراتك التنظيمية.

اضطلعتُ في عام 2020 بقيادة مشروع لتصنيع واقيات وجه للعاملين في مجال الرعاية الصحية بمختلف أنحاء السنغال، للحماية من فيروس «كوفيد-19». وقد استدعى هذا التنسيق بين عدّة منظمات، وبما أنني امرأة يافعة، تشكك البعض في قدرتي على أن أكون قائدة حازمة، فكان عليّ في نقطة ما أن أثبت مجددًا سيطرتي على مقاليد الأمور، وتسيير دفّة المشروع. لم يرق ذلك للجميع، لكن من يعبأ بذلك؟ فبمجرد أن تصلي إلى هدفكِ، ستكونين قد أثبتِّ جدارتك.

كما يجب أن تكتشفي ما يُطلق العنان حقًا لإمكاناتك، أي عمل يُذكي جذوة شغفكِ، فمن شأن ذلك أن يوفر لك الدافع والطاقة اللذين تحتاجين إليهما للتفوق على من سبقكِ من الرجال الأكبر سنًا.

ويمكن تطبيق الخبرات المكتسبة من مساعيكِ لنيل درجة الدكتوراه في سياق "البلدان الإفريقية الناشئة". فالمهارات التي اكتسبتُها خلال دراستي لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه -ممثلة في بناء مسيرة مهنية من الصفر، ومحاولة نشر بحثي، والتمتع بالاستقلالية وملكة التفكير النقدي- هي خبرات وطني في أمسّ الحاجة إليها، وهي نافعة لأبعد الحدود في إنجاز الأهداف.

كادي سال رائدة أعمال، ومتخصصة في علم الأحياء الجزيئي، وأستاذ مساعد بجامعة السنغال الافتراضية في دكار، وقد أسّست المنظمة غير الهادفة للربح «ساينس إديوكشن إكستشينج فور ساستينابل ديفلوبمنت» Science Education Exchange for Sustainable Development، فضلًا عن مختبر الابتكار «يوبيل» Ubbil في دكار.

 
كان على إليزابيت كيماني-موراجي تدبير الوقت لإنجاز كل ما تطلّبه مشوارها المهني من جهود.

كان على إليزابيت كيماني-موراجي تدبير الوقت لإنجاز كل ما تطلّبه مشوارها المهني من جهود.

Credit: African Population and Health Research Centre

إليزابيت كيماني-موراجي

تحلّي بروح العمل والكد والاجتهاد

عقب نيلي درجة الماجستير في عام 2004 من جامعة موي بمدينة إلدوريت بكينيا، حصلتُ على منحة تدريب بحثي لمدة ثلاث سنوات بالمركز الإفريقي لأبحاث السكان والصحة (APHRC)، في الوقت الذي تقدمتُ فيه أيضًا للالتحاق ببرامج لنيل درجة الدكتوراه.

انصبَّ تركيز منحتي بالمركز على انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية بالمناطق الحضرية الفقيرة من نيروبي. أما لنيل درجة الدكتوراه، فقد حصلتُ على منحة بجامعة فيتفاترسراند (Wits) في جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا من أجل دراسة الأعباء الصحية المضاعفة الناجمة عن سوء التغذية الناشئ عن البدانة بين المراهقين، وعن نقص التغذية بين الأطفال الصغار.

ولدى قبولي ببرنامج درجة الدكتوراه هناك في عام 2017، كان طفلي يبلغ عامين من عمره. آنذاك، أخبرني زوجي بأنه سيساعدني على العناية بالطفل، وقررنا تنشئة طفلنا في كينيا. ولما كنت أعي أن عليّ أن أنتهي من رسالة الدكتوراه في غضون ثلاث سنوات، تفاوضتُ على المشاركة في البرنامج بالمناوبة بين قضاء ثلاثة أشهر في جنوب إفريقيا وقضاء شهرين في الدراسة عن بُعد من كينيا. وكان جدول أعمالي مزدحمًا، ومضت هذه الفترة بوتيرة محمومة، حتى إنني كنت أسهر لوقت يجاوز منتصف الليل في كثير من الأيام.

بيد أن الأمر كان يستحق العناء، لأن جامعة فيتفاترسراند تقدِّم تعليمًا عالي الجودة، واستطعت إتمام دراساتي بالبرنامج في غضون فترة زمنية وجيزة. أما في كينيا، فقد يستغرق الحصول على درجة الدكتوراه أمدًا يصل إلى عشر سنوات، مما يدفع كثيرًا من الباحثين إلى الاستسلام والتخلّي عن هذا الحلم. كما كانت أطمح في اكتساب خبرات خارج كينيا.

وعندما عدتُ إلى المركز الإفريقي لأبحاث السكان والصحة في عام 2010، أطلق عليّ زملائي «آلة النشر»؛ فقد كنت باحثة غزيرة الإنتاج، وتمكّنتُ من نشر أبحاثي لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه، كما شاركت في وضع كثير من الأوراق البحثية.

أُوصي بالأخذ بالنصيحة التي أسدتني أمي إياها من قبل: "لا بُدَّ دُون الشَّهْدِ مِنْ إبرِ النَّحْل". فعليكِ التحلي بالاجتهاد والعمل بجدّ، إذ لا يمكن للمرء الركون إلى الدعة والراحة وانتظار حصد الثمار. وقد تعلمت في شبابي خلال عملي باحثةً أن أدبّر الوقت كي أنجز مهامي، فأدير المشروعات والشؤون اللوجستية خلال النهار، وأفسح وقتًا هادئًا لتعلُّم فنون الكتابة.

تبنيت ثقافة العمل تلك؛ إذ كنتُ أدبّر ساعة أو اثنتين مساءً لكتابة بعض الفقرات في رسالتي، إذ قد لا يتسنَّى لكِ كتابة أطروحتك أبدًا إن لم تفسحي الوقت لذلك.

وجدير بالذكر أن تحقيق التوازن بين الحياة العملية والحياة الشخصية يُعد تحدّيًا كبيرًا لجميع الباحثين، لكن في كينيا، تقع على النساء كذلك مسؤولية تحمُّل أعباء الأسرة الثقيلة. وفي عملي، أسعى إلى التفرغ تمامًا لتوفير الرضاعة الطبيعية لطفلي في الأشهر الستة الأولى من عمره، وقد حرصتُ على القيام بذلك مع ولادة طفلي الثاني. بيد أن النهوض بأعباء الأمومة يصبح تحدّيًا كبيرًا مع العمل. فكنت اضطرّ إلى الاستيقاظ مبكرًا لتوفير لبن الرضاعة لطفلي باستخدام مضخة لبن الثديّ، ثم أعود إلى المنزل وقت الغداء حتى أرضع طفلي، وبعدها أستخدم مضخة لبن الثدي مجددًا بعد الانتهاء من عملي، وأظل مستيقظة حتى منتصف الليل لأرضع طفلي، وكان القيام بذلك مضنيًا وشاقًا.

وكان مكان عملي يطبّق بعض السياسات دعمًا للأمهات الحوامل، لكن لم تتوافر لدينا غرفة لإرضاع الأطفال به آنذاك. أما الآن، فقد صارت لدينا تلك الغرفة. وقد ساعدت أبحاثي بهذا المجال على التأثير لتحقيق ذلك. إن سياسات كينيا المعنية بالأمهات العاملات داعمة لهنّ بوجه عام، لكن قد يعوزها بعض التحسينات، مثل تمديد إجازة الأمومة لأكثر من ثلاثة أشهر. وقد أنشأ المركز الإفريقي لأبحاث السكان والصحة مؤخرًا مرفقًا لرعاية الأطفال به، حيث يُعنى بالأطفال الرضّع.

وتحظى النساء بالقدر نفسه من الاحترام والتقدير الذي يناله الرجال في مكان عملي، لكن تحقيقًا للمساواة الحقيقية بين الجنسين، حريّ بالمؤسسات تطبيق سياسات تضمن للنساء الترقي الوظيفي بالمعدل نفسه كالرجال، فالنساء يحصلن على إجازات للعناية بالأطفال، ويتحمّلن عبء الولادة والجزء الأكبر من رعاية الطفل في السنوات الأولى من عمره. على سبيل المثال، في التقييمات لمنح الترقيات، يمكن أن تراعي هذه السياسات تلك المهام الإضافية التي تؤديها النساء.

إليزابيت كيماني - موراجي، باحثة في مجال الصحة العامة، ورئيسة وحدة رعاية الأمومة والطفولة في المركز الإفريقي لأبحاث السكان والصحة بنيروبي.

 
فيرونيكا أوكيلو، عالمة بيئية، تبتكر منهجيات مستدامة للتخلص بآليات نظيفة من المعادن الثقيلة.

فيرونيكا أوكيلو، عالمة بيئية، تبتكر منهجيات مستدامة للتخلص بآليات نظيفة من المعادن الثقيلة.

ESTHER SWEENEY FOR NATURE

فيرونيكا أوكيلو

دافِعن عن آرائكن واغتنمن الفرص

كنتُ محاضرة بدوام جزئي في جامعة ماسيندي موليرو للعلوم والتكنولوجيا بمدينة كاكاميجا بكينيا، عندما عُرِضت عليَّ منحة زمالة الدكتوراه في جامعة بينجامتون بنيويورك عام 2008. آنذاك، كنت متزوجة ولديّ طفلان، أحدهما في الثالثة من عمره والآخر في الخامسة.

وقد كان زوجي ووالدتي -المتوفاة الآن- مصدرَ دعم كبير لي، إذ حثَّاني على السفر وأبديا عزمًا على مساعدتي. وفي صيف كل عام، كان زوجي يزورني بالولايات المتحدة برفقة طفلاي، وفي عيد الكريسماس من كل عام، كان يرسل لي تذكرة طيران لزيارة وطني. بالإضافة إلى ذلك، أرسل لي زوجي المال لتدبير شراء سيارة وشقة، بل كان يتصل بي يوميًا، حتى إن أقراني من طلاب منحة الزمالة كانوا يعرفون مَن المتصل بي إذا رنّ هاتفي في الساعة السابعة مساءً. عدت إلى كينيا في ديسمبر من عام 2014، حيث شغلت منصب محاضرة بجامعة مشاكوس في فبراير من عام 2015، وأدرِّس حاليًا الكيمياء التحليلية والبيئية وأسس تقنيات النانو للطلاب الجامعيين وطلاب الدراسات العليا، كما أسّست للطلاب نادي الكيمياء «جو جرين كيمستري كلوب» Go Green Chemistry Club؛ وهو نادٍ ينهض أعضاؤه بزراعة الأشجار وأعمال تنقية البيئة والمشروعات العلمية البيئية.

ينصب تركيز أبحاثي على ابتكار مقاربات تحقق الاستدامة البيئية، بهدف التخلص من بعض الملوثات من المعادن الثقيلة، مثل الكروم والزرنيخ والرصاص. على سبيل المثال، يُعد الكروم سداسي التكافؤ من المواد المُسرطنة، أما الكروم ثلاثي التكافؤ، فهو مادة حميدة، من هنا، نبحث عن مركبات صديقة للبيئة بمقدورها اختزال الكروم سداسي التكافؤ إلى كروم ثلاثي التكافؤ.

وكان إجراء أبحاثي عقب عودتي إلى كينيا حافلًا بالتحديات. فقد نشرتُ خلال فترة دراساتي ببرنامج الحصول على درجة الدكتوراه عددًا من الأبحاث فاق بكثير ما نشرته بعد ذلك، بيد أن إبرام التحالفات كان يصنع المعجزات؛ فقد اعتمدتُ على شبكة علاقاتي بالدوائر البحثية في الولايات المتحدة لمساعدتي في الحصول على ست منح من أجل تجهيز مختبرنا من الصفر وإمداده بالمعدات الكافية، كما أن التعاون مع الأساتذة المشهود لهم بالخبرة في جامعة مشاكوس والجامعات الأخرى في كينيا ساعدني أيضًا. وتعمل حاليًا مجموعة من المحاضرين الذين عُيّنوا بجامعتي بين عامي 2015 و2018، على كتابة طلبات منح لشراء معدات لأغراض إجراء الأبحاث والتدريس.

رسالتي للباحثات من الشباب في كينيا : بانتظاركن فرص عديدة، لكن عليكنّ خوض غمار الصعاب والبحث عن تلك الفرص، فهي لن تتأتّي دون تعب، وعليكنّ السعي لاغتنامها.

وكثيرًا ما ألحظ في كينيا طلابًا يتخوّفون ويتهيبون الاقتراب من أساتذتهم، ظنًا أن لزوم التهذيب واللطف يكون بالتزام الصمت، ولكني أنصح شباب الباحثين بأن يتحلّوا بشخصية قوية وأن يتحدّثوا ويُعربوا عن آرائهم باحترام، فالتقرب إلى الأساتذة التماسًا للفرص وسيلة للسير على الطريق الصحيح، وبمجرد أن تسنح الفرصة، بادروا باغتنامها وتمسكوا بها.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الباحثات من الشباب، اللائي بدأن تكوين أسرة بالفعل، قد يواجهن تحدّيات جسامًا، وأنصح أولئك الباحثات أن يسألن عما إذا كان بوسع أزواجهن دعمهن في مواصلة مسار الدراسات الأكاديمية، ليس في الخارج بالضرورة، بل ربما في وطنهن.

وينبغي للباحثين بمجردّ تعيينهم في منصب جامعي بمطلع مسيرتهم المهنية، اختيار أحد الأساتذة بالجامعة لتقديم الإرشاد الأكاديمي لهم. وقد وقع اختياري على زكاري جيتينجا، عالم الكيمياء التحليلية الذي دائمًا وأبدًا ما قدَّم لي الإرشاد بخصوص كيفية كتابة طلبات التماس المنح. وهو معنيّ بأمري. أشغل منصب محاضِرة منذ ثماني سنوات، وكان من المتوقع أن أكون قد حصلت على ترقيتي قبل الآن، لكن وفق نظامنا المعمول به لتنظيم الترقيات، فالأبحاث التي يُجريها باحث بمفرده تكون أعلى قيمة من الحصول على المنح أو نشر الأبحاث التي يجريها عدّة باحثين، وهذه القواعد تحطّ من عزيمتي وتثبّط من همّتي، لكن موجّهي يشجّعني على مواصلة السعي وبناء مسيرتي المهنية.

وعادةً ما يهيمن الرجال على اللجان السياسية بالجامعات الكينية، وإن كُتب لي أن أنضمّ إلى إحدى تلك اللجان، فسأغيّر السياسات المُنظّمة للترقيات لأعطي نقاطًا لمن يساعدون على جلب المنح والمعدات إلى الجامعة، وقد أضفتُ للجامعة أجهزة لإجراء التحاليل المختبرية، بما في ذلك جهاز تحليل كهروكيميائي تزيد قيمته على 28 ألف دولار أمريكي، وأسديت بذلك خدمة كبيرة للجامعة!

وبوصفي امرأة وباحثة في مجال العلوم، لعلّ ضيق الوقت هو أكبر القيود التي أواجهها، فكتابة طلبات التماس المنح تستغرق وقتًا طويلًا وجهدًا جهيدًا، ناهيك بمهامي التدريسية، واجتماعاتي الإدارية والوقت المخصص لأسرتي. كما أحاول إفساح بعض الوقت لي، لهذا أُجري هذه المقابلة عبر تطبيق «زوم» Zoom من سيارتي، إذ لا بدّ لكِ من تدبير الوقت المطلوب، إذا كنتِ تنشدين النجاح.

فيرونيكا أوكيلو، عالمة متخصّصة في الكيمياء البيئية ومحاضرة بقسم العلوم الطبيعية في جامعة مشاكوس بكينيا.

 
أستير تسيجاي، تشجّع الباحثات من الشباب على التقدم للعمل بالمختبرات الأجنبية.

أستير تسيجاي، تشجّع الباحثات من الشباب على التقدم للعمل بالمختبرات الأجنبية.

MAHEDER HAILESELASSIE FOR NATURE

أستر تسيجاي

اغتنمن الفرص الدولية

عندما تخرجتُ في جامعة أديس أبابا بدرجة علمية في الأحياء عام 1987، عُيِّنت في مختبر علوم الدم التابع لما كان يُعرف حينها بـ«معهد البحوث الصحية الوطني الإثيوبي» (الذي يُشكِّل الآن جزءًا من «المعهد الإثيوبي للصحة العامة»). آنذاك، كان المرء يُعيَّن بوظيفة عند تخرجه في مؤسسة للتعليم العالي، ولم تكن لدي حينها أي دراية بعلوم الدم، فجلُّ ما كنت أعرفه أنها "تخصص علمي".

النصيحة التي أودّ أن أسديها للأجيال الشابة هي: إذا لم تعمل ما تحب، فحب ما تعمل! وقد تعيّن عليَّ التحصيل في أُثناء العمل، الذي درَّبني عليه كبار فنيي مختبر الجامعة، وقد كانوا منشغلين على الدوام، لكن بأدائي جميع الوظائف "المستغرِقة للوقت"، كالأعمال المكتبية وتنظيف معدّات المختبر، كنتُ أحرص على توفير الوقت لهم بعد الظهيرة كي أتعلّم عنهم أساليب العمل وكي يراجعوا سير أبحاثي. ورغم أنني كنتُ أحمل درجة أكاديمية أعلى، كان عليّ الاعتراف بقصور علمي والإقرار بخبراتهم واحترامها، وخلال الأمسيات، كنت أحصِّل المعارف من المراجع الدراسية، وبعد مضي عامين، صرتُ أدرس مقررًا لعلوم الدم بكلية تكنولوجيا المختبرات الطبية التابعة للمعهد، بعدها، شرعت في أطروحتي لنيل درجة الماجستير عن فقر الدم الذي تتسبَّب فيه عدوى دُودَة الأَنْكِيلُوسْتُوما.

آنذاك، في منتصف تسعينيات القرن العشرين، كان فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) يعصف بإفريقيا جنوب الصحراء، وسنحت لي عندئذ فرصة للعمل على مشروع بحثي مُشترك بين إثيوبيا وهولندا معني بمكافحة متلازمة العوز المناعي المكتسب (AIDS)، وهو مشروع تعاوني استمرّ عقدًا من الزمان، يهدف إلى إجراء البحوث المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشرية ومتلازمة العوز المناعي المكتسب (HIV/AIDS)، وتأسَّس بفضله مختبر مرجعي عن فيروس نقص المناعة البشرية في إثيوبيا، كما درّب المشروع باحثين إثيوبيين في مجال علم الوبائيّات، ومن خلال هذا البرنامج، بدأت أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه بجامعة أمستردام عام 2000، فكان عليّ أن أشرع في إعداد الأطروحة وعمر طفلي الثاني أحد عشر شهرًا، وعمر ابني الأكبر يبلغ نحو ثلاث سنوات. وأذكر أن أمّي التي لم تُكمِل دراستها الثانوية قالت لي آنذاك: "اقتنصي هذه الفرصة"، وعرضت عليَّ مساعدتي في الاعتناء بطفليّ.

مع ذلك، كان يشقّ عليّ تركهما، ففي المرة الأولى التي ترحل فيها الأم عن أطفالها للدراسة بالخارج، قد تعدهم بعلبة شوكولاتة لدى العودة، أما في المرات اللاحقة، فقد يتوسَّلون إليها كي لا تغادر. وكنت أحشر دراساتي في برنامج نيل درجة الدكتوراه بين مهامي اليومية، وأناوب بين قضاء ثلاثة أشهر في أمستردام وتسعة شهور في إثيوبيا في كلٍ من السنوات الأربع التي أمضيتها بالبرنامج.

وفي الوقت الراهن، ثمة فرص لنيل درجة الدكتوراه في إثيوبيا، ولكنني أعتقد أنه من المهم الاحتكاك بالخارج واكتساب الخبرة في مختبرات دولية، والتعاون مع علماء من جنسيات مختلفة، واستخدام معدات عالية التقنية، ولعلّ ما أنصح الباحثين الشباب به أن يعدّوا العدة لأبحاثهم وأن يتقدّموا للمنح المالية أو الدراسية بالمؤسسات الدولية.

ويفرض خوض مضمار العلوم تحدّيات أكبر في خضم الاضطرابات، ولكن ينبغي لنا أن نُسهم في نشر السلام والاستقرار متى تسنَّى لنا ذلك، فمن المهم عندئذ الاحتفاظ برباطة الجأش والهدوء، وينبغي استخدام منصات التواصل الاجتماعي للحضّ على السلام وعدم ننشر الأخبار السلبية أو الكاذبة.

ومهما كانت التحديات التي تواجه المرء، فعليه إيجاد الحلّ دائمًا. على سبيل المثال، عندما عدتُ إلى جامعة أديس أبابا في عام 2007 وانضممتُ إلى كلية علوم المختبرات الطبية كأستاذة، كانت كليتي إحدى أضعف الكليات تجهيزًا بالحرم الجامعي، فاقترحتُ توحيد المحتوى التعليمي بالمقررات الدراسية في مختلف الجامعات البارزة الأخرى في إثيوبيا لتدريب اختصاصيِّ المختبرات الطبية على إجراء الأبحاث المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشرية ومتلازمة العوز المناعي المكتسب، وقد حقَّقنا ذلك بالشراكة مع الجمعية الأمريكية للباثولوجيا الإكلينيكية ومقرها شيكاجو بولاية إيلينوي الأمريكية.

ورغم أنه قد أتيحت لي فرص للعمل بمختبرات عالية التقنية، آثرتُ تنمية قدرات قسمي هنا، إذ لدي إيمان راسخ بأهمية بناء القدرات، وقد تمكَّنا من إقناع الجهات الإدارية في هيئة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إثيوبيا (وهي إحدى أذرع هيئة الصحة العامة الأمريكية في إثيوبيا، جرى تأسيسها في عام 2001) بأن طلابنا في حاجة إلى الخبرة العملية، واضطلعتُ بتنسيق جهود جلب أجهزة تحليل مختبرية لعد الخلايا المناعية، فضلًا عن معدات لدراسات الكيمياء الإكلينيكية، وتنسيق جهود توزيع تلك الأجهزة والمعدات على ثماني جامعات معنية بتدريس علوم المختبرات الطبية، ولم أتمكّن من بناء مختبري الخاص، ولكنني راضية عما أنجزته في تلك المرحلة، لأننا الآن نجني ثمار هذه الخبرة.

أستير تسيجاي، باحثة في علوم المناعة الدموية بجامعة أديس أبابا، كما أنها عضو بزمالة الأكاديمية الإثيوبية للعلوم.

أجرت المقابلات كيندال باول.

خضعت المقابلات للتحرير لأغراض مراعاة الطول والوضوح.