موجزات مهنية

النقد البنَّاء

تحتاج الدوريات العلمية إلى مجموعات كبيرة من المراجعين الأقران، وثمة طرق عديدة يمكن بها لشباب العلماء المشاركة في مراجعة الأوراق البحثية. 

آمبر دانس

  • Published online:
تُقدِّم عملية مراجعة الأقران خدمة بالغة الأهمية للمؤسسات العلمية.

تُقدِّم عملية مراجعة الأقران خدمة بالغة الأهمية للمؤسسات العلمية.

Credit: Getty

في عام 2011، كان سيدالي ميرجاليلي قد حصل لتوّه على درجة الماجستير في علوم الكمبيوتر عندما تلقَّى أول دعوة للاضطلاع بعملية مراجعة الأقران لإحدى الأوراق البحثية.

ويذكر ميرجاليلي، الذي كان يدرس حينذاك بجامعة ماليزيا للتكنولوجيا في جوهر بهرو، تلك اللحظة بقوله: "صراحةً، لم أفهم على الإطلاق مغزى رسالة البريد الإلكتروني تلك"، قاصدًا رسالة البريد الإلكتروني التي بعثت إليه بالدعوة. بَيد أنه وافق على العرض على كل حال، وطلب من محرر الدورية العلمية التي نشرت الورقة البحثية بعض الإرشادات بشأن إتمام مراجعة الأقران. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف ميرجاليلي عن إجراء مثل هذه المراجعات. وهو يعمل حاليًا اختصاصيًا في علوم الكمبيوتر بجامعة تورينس الأسترالية في مدينة بريزبِن، ويقول عن هذه التجربة: "كلما أجريت مزيدًا من هذه المراجعات، تحسَّنت مهاراتي بها". ويراجع ميرجاليلي حاليًا ورقة بحثية أو اثنتين بصفة يومية، وهو أيضًا عضو في هيئة تحرير عديد من الدوريات. ولكي يتمكن من إدارة أعباء عمله هذا، يقتصر في عمل المراجعة على الأوراق البحثية التي تتناسب مع مجال خبرته، لئلا يحتاج إلى إجراء أي بحث إضافي من جانبه.

يُسهم هؤلاء المراجعون في تقديم خدمة بالغة الأهمية للأبحاث التي تخضع لمراجعة الأقران، إذ يرصدون الأخطاء أو المشكلات، ويساعدون واضعي الدراسات على تحسين جودة عملهم البحثي، ويرفضون اعتماد الأبحاث الرديئة. من جهة أخرى، فإن العلماء الذين يضطلعون بمثل هذه المراجعات يجنون بعض الفوائد أيضًا، فهم مثلًا يطَّلِعون على البحوث الأصلية قبل نشرها بصفة علنية، وهو ما يساعد في إبقائهم على إلمام بأحدث التطوّرات والمستجدّات في مجالاتهم العلمية، ويتيح لهم الإلمام بجوانب عملية المراجعة حتى يتمكنوا من تحسين البحوث التي يجرونها.

لكن عملية المراجعة، نوعًا ما، لا تحظى بالتقدير المطلوب. فتقول ريبيكا ليجيك، اختصاصية علم الأحياء الجزيئي، والباحثة المتخصصة في مراجعة الأقران من كلية ماونت هوليوك في ساوث هادلي بولاية ماساتشوستس الأمريكية: "إنها جهود لا تُرى، وعندما تكون مثقلًا بكثيرٍ من الواجبات، تُعدّ المراجعة من المهام التي قد تتراجع على قائمة أولوياتك".

تنتج عن ذلك منظومة يُسهم من خلالها عدد يُقدَّر بخُمْس الباحثين بنسبة تصل إلى 94% من المراجعات1. في ذلك الصدد، يقول راندي شيكمان، عالِم بيولوجيا الخلايا من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، والمحرّر المؤسس لمجلة «إي لايف» eLife: "انفجر طوفان من الأدبيات البحثية، وزاد عدد الأوراق البحثية زيادة كبيرة جدًا بدرجة تجعل من الصعب على حفنة من الأشخاص تناوُل كل هذه الدراسات بالبحث". كما أن أزمة «كوفيد-19» فاقمت حدّة المشكلة، إذ نتج عنها تزايُد عدد المسوّدات البحثية التي تنتظر المراجعة. وبحسب ما أورده الموقع الإلكتروني «ريتراكشن ووتش» RetractionWatch، جرى سحب اعتماد أكثر من مِئتي ورقة بحثية منشورة ذات صلة بالجائحة (انظر: go.nature.com/3rhwnbj).

وتحرص الدوريات العلمية ومحرّروها على إضافة طائفة متنوِّعة من العلماء إلى كوادر الباحثين الموهوبين لديها، تشمل الباحثين في مُقتَبل مشوارهم المهني من شتى أنحاء العالم. فيقول شيكمان: "من المهم أن تكون لدينا وجهات نظر مختلفة. فقد يكون لدى كبار الباحثين رؤية أشمل لموضوع بعينه، لكنهم قد لا يلمّون إلمامًا دقيقًا بالتفاصيل". مع ذلك، يتجاهل محرّرو الدوريات شباب الباحثين إما لأنهم لم ينشروا كثيرًا من الأبحاث وإما لأنهم يفتقرون إلى حضور قوي على شبكة الإنترنت.

وفي ما يخصّ العلماء ممن لا يزالون في مُقتَبل مسيرتهم المهنية، فثمة طرق ووسائل لجذب الانتباه إليهم وتعلّم إجراء مراجعات الأقران. ففي العادة، لا يكون التدريب على عملية مراجعة الأقران من المكونات الأساسية للمناهج التي يدرسها طلاب الدراسات العليا، ولكن يمكن اكتساب المعرفة والخبرة في ذلك من مرشد أكاديمي أو من الدورات التدريبية عبر الإنترنت التي تقدّمها منظمات عديدة، بما في ذلك الدورات التي تتيحها منصة «نيتشر ماستركلاسيز» Nature Masterclasses (التابعة لشركة «سبرينجر نيتشر» Springer Nature، الجهة الناشرة لدورية «Nature»). ويجب أن يهتم المراجعون المبتدئون بفهم المطلوب منهم، ومعرفة المقصود بتضارب المصالح، إلى جانب الإحاطة بتأثير حركة مراجعة الأقران المفتوحة على سرية أو إعلان هوياتهم، وهي حركة تسعى إلى مزيد من الشفافية في عمليات المراجعة وقرارات النشر.

بخصوص ذلك، تقول تيريزا سواريس، عالمة الكيمياء من جامعة ساو باولو في البرازيل والمحررة بدورية «جورنال أوف كيميكال إنفورميشن آند مودلنج» and Modeling Journal of Chemical Information:"هناك طلب مرتفع دائمًا على المراجعين الموثوق فيهم".

تشعر عالمة الإيكولوجيا كاثرين روسك أن آراءها في المراجعات النقدية تتعرَّض للتجاهل في بعض الأحيان.

تشعر عالمة الإيكولوجيا كاثرين روسك أن آراءها في المراجعات النقدية تتعرَّض للتجاهل في بعض الأحيان.

Credit: Sidsel Kretzschmer Henriksen

ضغوط الأقران

على الرغم من الحاجة إلى تنوُّع الأطياف التي تنهض بعملية مراجعة الأقران، تواجه هذه العملية مشكلة مستمرة على هذا الصعيد. على سبيل المثال، أجرت منصة «بابلونز» Publons، وهي خدمة تنسب الفضل إلى المراجعين علنًا من خلال ملفاتهم الشخصية على شبكة الإنترنت، تحليلًا يتناول هذه المسألة عام 2018. وأظهرت نتائج التحليل أن إسهامات الباحثين في مجال المراجعة في دول معينة، بما في ذلك دول عدة في النصف الجنوبي من العالم، تقلّ عما يُسهم به نظراؤهم في اليابان وفي دول كثيرة من دول أوروبا وأمريكا الشمالية2. وأفادت التقديرات التي وردت في تقرير التحليل أنّه من المرجح أن يكون تمثيل المرأة في عملية مراجعة الأقران ضعيفًا. وعندما أجرى فريق من الباحثين تحليلًا لمجموعة المراجعين الأقران في دوريات «فرونتيرز» Frontiers، وجدوا أن المرأة كانت غير مُمثَّلة بالقدر الكافي، وأن المحررين كانوا أكثر ميلًا لتعيين مراجعين من الذكور، بينما كانت المحررات في أغلب الأحيان يوجِّهن الدعوة لمراجعات من النساء3. وشكَّل العلماء الشباب نسبة تُقدَّر بـ3% فقط من المراجعين الذين وُجِّهت إليهم الدعوة في تلك العيِّنة.

وتمتد تأثيرات هذه المجموعة من المراجعين الأكبر سنًا والتي يُشكِّل الرجال أغلبها إلى نسب قبول مسودات الأوراق البحثية، بحسب ما أوردته ورقة بحثية منشورة على خادم المسودات البحثية «بيو أركايف» bioRxiv (ومن ثمَّ، فإن هذه الورقة البحثية ذاتها لم تخضع لمراجعة الأقران بعد)4. وقد أجرت اختصاصية علم المعلومات كاسيدي سوجيموتو من معهد جورجيا للتكنولوجيا في أتلانتا وفريقها البحثي، تحليلًا لآلاف من الأوراق البحثية المُقدَّمة إلى مجلة «إي لايف»، ووجدوا أن النساء، وكذلك الباحثين الذين لا ينتمون إلى إحدى قارتي أمريكا الشمالية أو أوروبا، كانت فرص تعيينهم في وظائف المحررين والمراجعين وواضعي الأوراق البحثية أقل. وعندما تصادف أن ينتمي المحررون والمراجعون إلى جنس واضعي الأوراق البحثية أنفسهم أو مناطقهم الجغرافية، كانت معدلات قبول الأوراق البحثية ترتفع.

مع ذلك، لا تتبع جميع الدراسات النمط ذاته. على سبيل المثال، وجد واضعو ورقة بحثية نُشرت في عام 2021، وتناولت 145 دورية أن نتائج مراجعة الأوراق البحثية المقدمة من نساء كانت إيجابية في العموم، لا سيّما في مجالات الطب الحيوي والعلوم الصحية والعلوم الاجتماعية5. كما كانت نسب قبول المسودات البحثية التي تزداد فيها نسبة المؤلفات الإناث عن الذكور أكبر من نسب قبول المسودات البحثية التي يشكل الذكور أغلب مؤلفيها في مجالات الطب الحيوي والعلوم الصحية والعلوم الفيزيائية.

في هذا السياق، تقول كاثرين روسك، عالمة الإيكولوجيا من جامعة كوبنهاجن، إنه حتى عندما تُوجَّه إليها الدعوة للمراجعة، فإن آراءها لا تُؤخذ على محمل الجد في بعض الأحيان لأنها صغيرة في السن نسبيًا، وكذلك لأنها امرأة. فترى أنها في بعض الأحيان كانت تُعرِب عن تحفظات شديدة بشأن مسودة بحثية ما، بل وتوصي بعدم قبولها، ومع ذلك تُعتمد الورقة البحثية للنشر دون أن تخضع لكثير من التنقيح. وتعلق على ذلك قائلة: "لدي انطباع بأن الرأي الذي أقدمه لا يحظى بالتقدير نفسه الذى تتمتع به آراء الزملاء المراجعين من كبار السن ومن الرجال. ببساطة، هذا ما أشعر به".

جدير بالذكر أنه حتى النبرة المستخدمة في صياغة المراجعات لها أهميتها، ويمكن أن تؤثر في تنوّع أطياف القائمين بالأبحاث بشكل عام. فوفقًا لاستبيان أُجري في عام 2019، واستُطلعت فيه آراء أكثر من ألف باحث، واجه 58% من المشاركين في الاستبيان مراجعة نقدية اتّسمت بعدم الاحترافية سواء في محتواها أو نبرتها6. وقد مالت الإفادات بتراجع الثقة بالنفس ومواجهة مشكلات تؤثر في معدل نشر الأبحاث أو الترقي الوظيفي للصدور عن نساء وأشخاص يمتلكون هوية جنسية مناقضة للثنائية الجندرية وأشخاص ملونين، أكثر مما مالت إلى الصدور عن رجال بيض.

على سبيل المثال، في عام 2015، بينما كانت كارولين تريتش لا تزال طالبة في مرحلة الدراسات العليا بجامعة ولاية بنسلفانيا في ستيت كوليدج، تلقت مراجعة نقدية قاسية اللهجة لورقتها البحثية الأولى. ففي وصفها للظهر المركَّب الذي يُميِّز نوعًا معينًا من الدبابير، استخدمت تريتش عن طريق الخطأ لفظة "alveolate"، التي تعني "شبيه بخلية النحل"، بدلاً من "foveolate"، والتي تعني "المليء بالحُفَر أو النُقَر". وأثار ذلك الخطأ انزعاج أحد المراجعين. وتستحضر تريتش التي تعمل حاليًا على تنسيق صياغة المقترحات البحثية للدراسات متعددة التخصصات بالجامعة ذلك الموقف قائلة: "في الواقع كتب لي المراجع تقريرًا من ثلاث صفحات يفيض غضبًا وتعنيفًا". وتمكَّنت تريتش من تجاوز ذلك الموقف بعدم أخذه على محمل الجد، وصوَّبت اللفظة التي أخطأت في استخدامها، لكن قد لا يتمتَّع علماء آخرون بالمرونة نفسها.

في ذلك الصدد، تقول ليجيك: "لا يعكس الهجوم الشخصي صورة جيدة للمراجع على الإطلاق؛ بمعنى أن على المراجعين أن يضعوا نصب أعينهم الورقة البحثية نفسها وليس العالِم".

ومع ذلك، كما تقول ليجيك، ربما تكون طوائف المراجعين أكثر تنوعًا مما تبدو عليه في الظاهر، في ضوء وجود عدد من صغار العلماء الذين يضطلعون بالمراجعات نيابة عن أحد الباحثين الكبار. وقد أجرت ليجيك وفريقها البحثي استبيانًا تضمَّن مجموعة من باحثي ما بعد الدكتوراه، وباحثين آخرين لا يزالون في مقتبل مشوارهم الوظيفي، وأظهرت النتائج أن ما يقرب من نصف هؤلاء الباحثين كانوا في نقطة ما الكاتب الخفي وراء عدد من المراجعات النقدية. وتبيَّن ذلك على الرغم من أن أكثر من 80% من المشاركين في ذلك الاستبيان رأوا أن هذه الممارسة غير أخلاقية7.

تعني هذه الممارسة أيضًا أنه لا يمكن للمحررين التحقق من وجود أي تضارب في المصالح بين مراجع الورقة البحثية ومؤلفها، بحسب ما يقوله زميل ليجيك، جاري ماكدويل، وهو الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة استشارات سياسات الأبحاث «لايتولر» Lightoller، التي يقع مقرها في شيكاجو بولاية إلينوي الأمريكية.

علاوة على ذلك، تعني هذه الممارسة أن المراجعين الذين لا يُفصحون عن أسمائهم لا يتلقون الثناء الذي من شأنه تعزيز شهرتهم ليحصلوا على مزيد من فرص المراجعة.

وتطلب روسك أحيانًا من طلاب ما بعد الدكتوراه أو طلاب الدراسات العليا في فريقها البحثي التعاوُن معها في إجراء تلك المراجعات، حتى يتعلموا كيفية القيام بها، بيد أنها تحرص على التأكد من ارتياح محرري الدورية التي تُنشر فيها الورقة البحثية لهذا النهج، وتتوخَّى التحلّي بالشفافية بشأن مَنْ أعَّد المراجعة النقدية.

 

ويرى ماكدويل أن الباحثين الصغار لديهم كثير مما يمكنهم الإسهام به في عملية مراجعة الأقران. وفي الواقع، وجدت دراسات أن أفضل المراجعات النقدية هي غالبًا تلك التي يضطلع بها العلماء الأصغر سنًا8-10. ويقول ماكدويل عن ذلك: "يُعِد الأشخاص في بداية حياتهم المهنية مراجعات نقدية طويلة ومدروسة للغاية". ومن بين الميزات الناتجة عن إدراج مراجعين من غير أعضاء هيئات التدريس ضمن مراجعي الورقة البحثية أنهم غالبًا ما يكونون أكثر إلمامًا بالمنهجيات البحثية والمعدّات التجريبية الراهنة. على سبيل المثال، عندما كان ماكدويل باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة تافتس في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية، كان مشرفه يطلب مساعدته على كشف التفاصيل الفنية الخاصة بالأوراق البحثية قيد المراجعة، كما كان ينسب بعض الفضل في المراجعة النقدية له، إذا سمحت سياسة الدورية التي تنشر الورقة البحثية بذلك.

خطوة أولى على الطريق

لا توجد مبادئ توجيهية صارمة يتقيَّد بها الشخص الذي يُبدي استعداده لقبول تكليف بأداء أول مهمة مراجعة فردية، بيد أن بعض الدوريات يُحدِّد أحيانًا المعايير المطلوب من المراجع الالتزام بها. وتعدّ مهارات التفكير النقدي والخبرة في موضوع البحث ذات أهمية بالغة في هذا الصدد.

كذلك على الباحثين في بداية مشوارهم الوظيفي إخبار مشرفيهم بأنهم يرغبون في الإسهام في إجراء المراجعات النقدية مستقبلًا، أو الإعراب عن اهتمامهم بذلك لأكاديميين آخرين يعملون في تحرير الدوريات العلمية. ويمكن للعلماء أيضًا الوصول إلى محرّري الدوريات العلمية عن طريق البريد الإلكتروني أو من خلال المؤتمرات. فيقول ميرجاليلي إن كثيرًا من المحرّرين سيقدّرون محاولة التواصل معهم، بل "إنهم يحبون ذلك".

تلقت تريتش أول دعوة لإجراء مراجعة نقدية بعد سنوات قليلة من نشر بحثها الأول، وكانت حينذاك قد وصلت إلى منتصف الطريق بدراساتها للحصول على درجة الدكتوراه في علم الحشرات. كما كانت قد حصلت على دورة تدريبية عن التطوير المهني، بيد أن تلك الدورة لم تتطرق إلى مراجعة الأقران. وتذكر تريتش ذلك بقولها: "لم أكن متأكدة من كيفية بدء تلك المهمة، ومما يجب أن أركز عليه ومما لا ينبغي التركيز عليه". لكن سنحت لها فرصة للحصول على المساعدة في ذلك، وطلبت من أحد الأساتذة في قسمها مساعدتها بالإرشاد والتوجيه.

في السياق نفسه، يقول بنجامين مودراك: "لا يولي التدريب الأكاديمي قدرًا كبيرًا من الاهتمام لإكساب الباحثين الخبرة في مراجعة الأقران"، ومودراك من كبار مؤلفي الأوراق البحثية ومديري المنتجات في الجمعية الكيميائية الأمريكية (ACS)، ومقيم في مدينة دورهام بولاية نورث كارولينا، ومشرف على الدورة التدريبية التي تقدمها الجمعية عن مراجعة الأقران تحت عنوان «مختبر المراجعين». وقد انطلقت هذه الدورة في عام 2017، وتقدم ست وحدات دراسية مجانية تتناول مقاربات عملية مراجعة الأقران وكيفية تقييم الورقة البحثية وكتابة مراجعة نقدية واضحة ومفيدة. وبعد إتمام الدورة، تُوضع علامات تُميِّز أسماء العلماء المشاركين فيها بقاعدة بيانات المراجعين الخاصة بالجمعية الكيميائية الأمريكية، باعتبارهم تخرجوا في تلك الدورة.

كذلك يُتاح التدريب والتوجيه بالمجان من خلال شبكة «ويب أوف ساينس أكاديمي» Web of Science Academy. فيقول ضياء أحمدين، الباحث بفنون الإعلام الجديد بجامعة حلوان في القاهرة: "تنقل هذه الخدمة المبادئ الأساسية في مراجعة الأقران الأكاديمية"، مثل كيفية تقييم ملخص الورقة البحثية، وكيفية تحديد ما إذا كان استعراض الدراسات السابقة في الورقة البحثية شاملًا بالدرجة الكافية.

 

في عام 2017، تقدَّم أحمدين للخضوع للدورة المذكورة لدى الأكاديمية التي قدمتها، والتي كانت تُسمى آنذاك «بابلونز» Publons، عند إتمامه رسالة الدكتوراه في جامعة برن. وفي الامتحان النهائي للدورة، اختار ثلاث مقالات بحثية منشورة لمراجعتها، ثم شهد أحد الأساتذة في مجال تخصصه للأكاديمية بأن مراجعته النقدية كانت وافية. نتيجة لذلك، فإن ملف أحمدين الشخصي في قاعدة بيانات أكاديمية «بابلونز» يُصنِّفه على أنه من خريجي الأكاديمية. (جدير بالذكر أن "الامتحان" المذكور قد حلت محله وحدة دراسية على شبكة «ويب أوف ساينس» بعنوان "مراجعة مشتركة مع مرشد أكاديمي"، ولكن اجتياز الاختبار لا يزال يُكسب صاحبه التقدير على موقع «بابلونز»). ومنذ ذلك الحين، أتمَّ أحمدين أكثر من 240 مراجعة نقدية وأصبح محرّرًا مشاركًا لدورية «هيومانيتيز آند سوشال ساينسيز كوميونيكيشنز» Humanities and Social Sciences Communications، التي تصدرها شركة «سبرينجر نيتشر».

تقدم جمعية علم الوراثة الأمريكية (GSA) أيضًا دورة تدريبية عن مراجعة الأقران عبر الإنترنت، إلى جانب برنامج إرشادي للباحثين من جميع أنحاء العالم في بداية حياتهم المهنية. وبعد التدريب، ينضم المشاركون في الدورة إلى مجموعة مراجعي الأوراق البحثية لدى دورية «جينيتيكس» Genetics. وتُعقَد الدورة سنويًا، ومن المرجح افتتاح التقديم للدورة التالية في الأشهر القليلة القادمة، حسبما أفادت جاكلين تريبوشي، مديرة الاتصالات بالجمعية.

من ناحية أخرى، يتيح التزايد الكبير في عدد المسوّدات البحثية فرصًا للتدرّب على إجراء المراجعات النقدية. ويمكن للباحثين من ذوي الخبرة في مختلف المجالات المتعلقة بجائحة «كوفيد-19»، بدءًا من علم اللقاحات والإحصاءات وانتهاءً بالتاريخ، التطوع للمشاركة بمشروع تابع لدورية «رابيد ريفيوز: كوفيد-19»، التي تنشرها مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية، ويتولَّى تحريرها فريق من جامعة كاليفورنيا في بيركلي. يطلب هذا المشروع إجراء مراجعات سريعة لمقالات بحثية تتناول جائحة «كوفيد-19» على خوادم لنشر المسودات البحثية مثل «ميد أركايف» medRxiv و«بيو أركايف» bioRxiv، وهي مقالات تعدّها شبكة مراجعي الدورية ذات أهمية.

ولحسن الحظ، من السهل بناء المهارات المطلوبة لمراجعة الأقران. ويقول أحمدين إنه من المرجح أن يتأقلم الباحثون الشباب مع هذه العملية بعد إتمام ثلاث أو أربع مراجعات.

ولكن بمجرد انضمام الباحثين إلى فريق مراجعي الأوراق البحثية لدى إحدى الدوريات، يمكن أن تنشأ مشكلة أخرى، ألا وهي تلقّيهم طوفانًا من طلبات المراجعة. على سبيل المثال، عندما كانت سوجيموتو أستاذة مساعدة، كانت تراجع تقريبًا ورقة بحثية واحدة شهريًا، لكن مع تقدمها في مسيرتها الوظيفية، زاد معدل الدعوات التي تتلقاها لمراجعة الأبحاث. وتقول سوجيموتو، التي صارت حاليًا عضوًا دائمًا بإحدى هيئات التدريس: "من المألوف أن ترد إليّ مئات طلبات مراجعة الأبحاث سنويًا. وعند مرحلة معينة، تبدأ في رفض بعضها".

وتقول جوليا فيلستروب موات، رئيسة شبكة «ويب أوف ساينس أكاديمي»، التي يقع مقرها في مدينة أوكلاند بنيوزيلندا، إن على الباحثين لتجنّب الإرهاق "محاولة وضع أهداف واقعية تُحدّد عدد المسودات البحثية التي بوسعهم مراجعتها". ويسعى بعض الباحثين، كقاعدة عامة، إلى مراجعة ثلاث أوراق بحثية مقابل كل بحث ينشرونه.

مخاطر المراجعة

في واقع الحال، في بعض الأوقات، يكون من الأفضل للباحث رفض فرصة المراجعة أو الانسحاب منها، وذلك، على سبيل المثال، إذا كان الباحث يفتقر إلى الخبرة ذات الصلة بموضوع البحث. كذلك يعدّ تجنّب تضارب المصالح شديد الأهمية. وقد ينشأ مثل هذا التضارب لو كان مراجع الورقة البحثية المحتمل قد تعاون مع واضعها أو زامله بالقسم نفسه في السنوات الأخيرة، أو لو كان المراجع سيجني مزايا مالية أو غيرها سواء من الورقة البحثية أو من عملية المراجعة. كما يتعيّن على الباحثين أيضًا تجنّب مراجعة أي أوراق بحثية كتبها أصدقاؤهم أو أفراد أسرهم. يقول أحمدين: "سواء كان الأمر يتعلق بزملائي، أو أصدقائي، أو أي علاقة شخصية وطيدة، فإن ذلك يعدّ تضاربًا في المصالح". بيد أن المعارف العاديين أو غير المُقرَّبين لا يندرجون في عداد ذلك التضارب.

ويقول ميرجاليلي إنه من غير المقبول التواصل مع واضعي الدراسة في أثناء عملية المراجعة، حتى ولو بهدف طرح الأسئلة أو لاستيضاح نقطة معينة. عوضًا عن ذلك، كما يضيف، "يمكن للمراجع التواصل مع الدورية". وسيرغب المحرّرون في تتبع الاستفسارات الموجهة لواضع الورقة البحثية، إذ قد يؤدي تبادل النقاش بشكل مباشر بين المراجع وواضع الورقة البحثية إلى كسر إطار السرية، والنتيجة أن تصبح المراجعة غير مُجدية.

تختلف السياسات المتعلّقة بالسريّة باختلاف الدورية. وتقول روسك إن ميزة السريّة تكمن في أن الانحيازات بسبب أي معرفة سابقة بواضع الدراسة، أو بتصنيفه الديموغرافي أو موقعه الجغرافي ستقل بين المراجعين.

 

ومن أجل تحسين مستوى الشفافية، قد يُفصح بعض الدوريات عن هوية واضعي الأوراق البحثية ومراجعيها لبعضهم، بل وقد تنشر المراجعات النقدية جنبًا إلى جنب مع البحث النهائي. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، تزايدت شعبية هذا النوع من "المراجعة المفتوحة"؛ إذ يستخدمها ما يقرب من 80% من الدوريات الطبية والعلمية ولو في بعض الأحيان على الأقل11. وتتمثّل إحدى ميزات هذه الطريقة في أنه من المتوقع أن تدفع المراجعة المفتوحة المراجعين إلى النظر في القضايا العلمية المطروحة بعناية أكبر. وترى سوجيموتو أن المراجعات المفتوحة تكون في العادة أكثر إيجازًا وتُعطِي نتيجة أفضل.

ويقول شيكمان إنه في أغلب الأحيان يتعرَّف مراجع الورقة البحثية على هوية واضعها، لكن واضع الأوراق البحثية لا يتعرَّف على هوية المراجع، على الرغم من أنه "يحاول عادة تخمين هويته"، حسبما يضيف شيكمان.

تفصح دورية Nature لمراجعيها عن أسماء مؤلِّفي المسودات البحثية، وتقدم الشكر للمراجعين بأسمائهم في الورقة البحثية المنشورة بعد موافقة المراجع. وفي فبراير من عام 2020، بدأت Nature أيضًا تتيح لمؤلفي الأوراق البحثية نشر المراجعات النقدية لأوراقهم دون الكشف عن هوية المراجعين، وكذلك نشر ردود مؤلفي الدراسة على تلك المراجعات، جنبًا إلى جنب مع الأوراق البحثية ذاتها.

أما في ما يخصّ صغار المراجعين، فمن الممكن أن يؤدّي ربط أسمائهم بمراجعات نقدية معينة إلى تعزيز شهرتهم، بيد أن ذلك يمكن أيضًا أن تكون له عواقب سلبية. فمثلًا قد لا يتقبل أحد كبار العلماء النقد، ما يمكن أن يُضرّ لاحقًا، في بعض الحالات، بفرص العلماء المبتدئين في التوظيف أو الترقي أو نشر أبحاثهم الخاصة. عن ذلك، تقول سوجيموتو: "هذا ما أجده مقلقًا في الاتجاه نحو مراجعة الأقران المفتوحة".

 

ومن الخيارات المتاحة أيضًا رفض إجراء مثل هذه المراجعة المفتوحة، ولا بأس كذلك بالانسحاب بعد قبول عرض لإجراء مراجعة، إذا نشأتْ مشكلات. فيقول ماكدويل إنه بإمكان المراجعين التواصل مع محرر الدورية، خارج الإطار الرسمي لعملية المراجعة، لإحاطته علمًا بأي مخاوف تساورهم بشأن الورقة البحثية أو بخصوص دورهم في عملية المراجعة. فضلًا عن ذلك، كما يقول ماكدويل، يتعيَّن على محرّري الدورية أن يحرصوا على الإحاطة بأي مشكلات؛ فهم في غنى عن اعتماد ورقة بحثية من الممكن أن تتعرَّض للسحب أو للانتقاد على وسائل التواصل الاجتماعي.

ففي نهاية المطاف، مراقبة الجودة المقصد الأساسي من مراجعة الأقران. من هنا تقول ليجيك: "ننهض بهذه العملية لأننا ننشد تحسين مستوى العلوم".

 

References

  1. Kovanis, M., Porcher, R., Ravaud, P. & Trinquart, L. PLoS ONE 11, e0166387 (2016). | article
  2. Publons & Clarivate Analytics. 2018: Global State of Peer Review (Publons & Clarivate Analytics, 2018).
  3. Helmer, M., Schottdorf, M., Neef, A. & Battaglia, D. eLife 6, e21718 (2017). | article
  4. Murray, D. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/400515 (2019). 
  5. Squazzoni, F. et al. Sci. Adv. 7, eabd0299 (2021). | article
  6. Silbiger, N. J. & Stubler, A. D. PeerJ 7, e8247 (2019). | article
  7. McDowell, G. S., Knutsen, J. D., Graham, J. M., Oelker, S. K. & Lijek, R. S. eLife 8, e48425 (2019). | article
  8. Evans, A. T., McNutt, R. A., Fletcher, S. W. & Fletcher, R. H. J. Gen. Intern. Med. 8, 422–428 (1993). | article

  9. Black, N., van Rooyen, S., Godlee, F., Smith, R. & Evans, S. JAMA 280, 231–233 (1998). | article
  10. Kliewer, M. A., Freed, K. S., DeLong, D. M., Pickhardt, P. J. & Provenzale, J. M. Am. J. Roentgenol. 184, 1731–1735 (2005). | article
  11. Wolfram, D., Wang, P., Hembree, A. & Park, H. Scientometrics 125, 1033–1051 (2020). | article
آمبر دانس، صحفية علمية مُستقلة تقيم في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا الأمريكية.