كتب وفنون

كتاب يستصرخ بالحكومات لإنقاذ التربة

من أجل تحقيق الأمن الغذائي، على العالم أن ينقذ التربة الخصبة من التجريف والتآكل.

إيما ماريس
  • Published online:
تصير الصخور مرئيةً مع تآكل التربة السطحية.

تصير الصخور مرئيةً مع تآكل التربة السطحية.

Credit: Martin Harvey/Getty

«الماضي والحاضر والمستقبل المحفوف بالمخاطر للتربة» The past, Present and Precarious Future of the Earth Beneath our Feet

جو هاندلسمان

مطبعة جامعة ييل 2021

تخلق التربةُ الحياةً من الموت. إذ نعتمد عليها في إنتاج أكثر من 95% من الطعام الذي نتناوله، وتتألف من خليط مثير للاهتمام من الجسيمات الصخرية والمواد العضوية المتحللة، إلى جانب جذور وفطريات وكائنات عضوية دقيقة. بَيْدَ أنّ هذا المورد الثمين يتعرض للتآكل بمعدل يبلغ في المتوسط 13.5 طن لكل هكتار سنويًا على مستوى العالم. وبدلًا من تغذية المحاصيل، ينتهي المطاف بالتربة السطحية الخصبة في غير محلها، في بقاع على شاكلة مصارف المياه والخزانات والمحيطات.

ومن هذا المُنطلق، أخذت جو هاندلسمان، اختصاصية علم الأحياء الدقيقة، على عاتقها تحديًا يتمثل في جذب اهتمام القراء إلى هذه المساحة، من خلال كتابها «عالَم بلا تربة» A World Without Soil، الذي ألَّفته بمساعدة الباحثة البيئية كايلا كوهين. وتأخذ افتتاحية كتابهما شكل خطاب يتناول تآكل التربة، تقول فيه هاندلسمان إنها تتمنى لو كانت قد أرسلته إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال فترة عملها في مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض في منتصف عام 2010. فللأسف، لم تفطن هاندلسمان إلى المدى الحقيقي لجسامة تلك المشكلة إلا مع قرب انتهاء عهد إدارة أوباما. ولشد ما ندمت على أنها عجزت عن إيلاء علاج التربة ما يستحقه من اهتمام بين الأولويات الفيدرالية لتلك الإدارة.

قد تتشكل التربة على مدار أزمنة، إذ تتحلل الكائنات الميتة، وتسهم فيها بالطاقة والمواد الغذائية في نظام إيكولوجي يقوم على صخور الطبقات السفلية من الأرض. بيد أن التربة تتآكل اليوم بسرعة أكبر من التي تتشكل بها بما يتراوح بين 10 إلى 30 مرة. وعلى مستوى العالم، يقلل تآكل التربة الغَلة السنوية للمحاصيل بنسبة تبلغ 0.3%، وبذلك المعدل، قد تُفقد نسبة قوامها 10% من غلال المحاصيل بحلول عام 2050. وفي البقاع التي تُعد بؤرًا لعمليات التآكل تلك، مثل نيجيريا، يتحلل حوالي 80% من الأراضي. على سبيل المثال، في ولاية آيوا في الولايات المتحدة، أصبح نحو 17% من الأراضي بلا تربة سطحية تقريبًا. وما يمكن أن يقنعنا  بفداحة الوضع، أكثر حتى من الحقائق والإحصائيات العديدة، هو صورةٌ ملونة لحقلٍ في ولاية آيوا، يحتوي على أقل القليل من التربة السطحية، إلى حد أن الأنقاض الرملية الباهتة الخالية من أي أثر للحياة تبرز للعيان من تحت هذا السطح.

 

حلول عتيقة

يتعاظم شعورنا بالفزع في الفصول التي تغطي الأبحاث الأساسية حول التربة، فضلًا عن أسباب تآكلها وعواقب هذا التآكل. بيد أن الجزء الأخير من الكتاب يبث في القارئ دفعه من الحماس، إذ تتجه المؤلفتان إلى عرض الحلول الممكنة، الكثير منها بسيط، وبعضها يعود عمره إلى آلاف السنين الماضية. وتتضمن هذه المقترحات تحسين الطاقة الاستيعابية للتربة، من خلال دورات تُزرع فيها محاصيل متباينة، مع زيادة المحتوى العضوي لها بالاستعانةً بإضافات مثل السماد العضوي والفحم الحيوي. وكذلك الحد من تأثيرات التآكل الناجمة عن المياه والرياح، عن طريق إعادة تشكيل الأرض بالاستعانة بالفلاحة الكنتورية، وبالمدرجات الزراعية وfمصدات الرياح وغيرها من الوسائل المماثلة، إلى جانب الحرث بأقل عمق ممكن.

وفي فصل من الكتاب، يتناول تقنيات إدارة التربة التقليدية حول العالم، تصفهاندلسمان وكوهين أنواعتربةالبلاجينالسوداء العميقة، في الجزر الاسكتلندية،والتي تُسمّد باستخدام روث الماشية، وتتعرضان لمدرجات الأرز الزراعية، التي يتولى إدارتها شعب الإفوجاو في الفلبين منذ ألفي عام، وكذلكنظام زراعة «الميلبا» Milpa، الذي تبنته شعوب المايا في أمريكا اللاتينية،والذي اعتمد على تنويع زراعةالمحاصيل، بما فيها الأشجار، على دورات مدتها 25 عامًا. وتوصّف المؤلفتان كذلك السماد العضوي المصنوع من الأعشاب البحرية والأصداف والمواد النباتية،والذييستخدمه شعب الماوري،وهمالسكان الأصليون لنيوزيلندا. ويحقق كل من هذه الأنظمة إنتاجية زراعية غزيرة، مع الحفاظ على ضفاف  عميقة ذات تربة خصبة غنية بالكربون. وتكتب هاندلسمان وكوهين قائلتين: "نعرف بالفعل طريقة تحقيق ذلك".

لماذا إذن تُهمَل التربة الخصبة، إلى حد أنها تتعرض إلى التجريف والإزالة بفعل الرياح؟ لا عجب في أن الإجابة تكمن في أصفاد الرأسمالية العالمية. فهوامش ربح الزراعة شديدة الضآلة، ما يضطر المنتجين كل موسم إلى زراعة حقولهم كاملةً بأصناف المحاصيل الأعلى إنتاجيّة والأكثر إدرارًا للأرباح كل موسم. كذلك فإن تشييد المدرجات الزراعية، وتنويع زراعة المحاصيل على دورات، والتخلي عن الحراثة يخصب التربة على المدى الطويل، لكن ذلك يتأتي على حساب الأرباح السنوية. ولا يستطيع المزارعون سداد قروضهم الرهنية أو استئجار الأدوات الزراعية التي تنتج رائحة التربة السطحية السوداء العميقة.

تحث هاندلسمان وكوهين العالمَ على المطالبة بتغيير حقيقيٍ في كيفية إدارة الإنتاج الزراعي الاعتيادي. وتشيران إلى أنه "لا يجوز إثقال كاهل السكان الأصليين والناشطين البيئيين وحدهما بعبء حماية التربة". لكن ما يقترحانه تحديدًا مخيّب للآمال بعض الشيء. إذ يضمان صوتيهما إلى الدعوة بعقد معاهدات دولية تتناول التربة، لكن بالنظر إلى الأداء الضعيف الذي أظهرته معاهدات المناخ، أشعر بالتشاؤم حيال المأمول من هذه الاتفاقيات. إذ يبدو مُرجحًا أن تَعِد الدول بما هو دون المستوى المُتوَقَّع وتفي بأقل منه، إلا إذا فُرضت عقوبات باهظة على الإخفاق. وهذا ينطبق على الملصقات المُوَجَّهة للمستهلك، التي تقترح المؤلفتان وضعها على الأغذية المُنتَجة في المزارع التي تعمل على تحسين تربتها. فلم تُحقق ملصقاتٌ مماثلة تقدمًا ذا دلالة فيما يتعلق بتغيُّر المناخ أو بغيره من المشكلات البيئية. ولا يستطيع كثير من المستهلكين تحمّل إنفاق مزيد من الأموال على الأطعمة «الصديقة للتربة».

تغييرات جذرية

ما تحتاجه الزراعة هو فلسفة إصلاح شامل. وتُلمّح هاندلسمان وكوهين إلى ذلك من خلال اقتراح تخفيضات على أقساط تأمين محاصيل المزارعين الذين يرفعون نِسب الكربون في تربة أراضيهم. وهناك حاجة إلى مزيد من الإجراءات. إذ ينبغي على الحكومات أن تدفع للمزارعين مبالغ نظير تغذية التربة. فبإمكان المزارعين في الولايات المتحدة التقدم بطلب للحصول على تمويل لإجراء تحسيناتٍ تكافح تعرية التربة من خلال برنامج حوافز الجودة البيئية، الذي تديره وزارة الزراعة. وسيزيد التمويل الذي أُعلِن عنه شهر يناير من العام الماضي من مساحة الأرض المزروعة بمحاصيل تغطية التربة إلى 12 مليون هكتار بحلول عام 2030، وإن كان ذلك لن يمثل سوى 7% تقريبًا من أراضي المحاصيل في الولايات المتحدة. وهو ما لا يفي بالغرض.

ونحن بحاجة إلى تغيير طريقة تفكيرنا في الزراعة. فقد بدأنا بالفعل الاتجاه إلى نموذج يكون فيه المزارعون رجال أعمال، يزرعون ويبيعون الغذاء بصورة أقل استقلالية، لدى رعاية الأراضي، بدعم حكومي، وإدارة خليط معقد من عمليات إنتاج الغذاء، والحفاظ على خصوبة التربة وموائل الحياة البرية وغيرها من الأمور. ويعتمد كثير من المزارعين في أنحاء العالم على الإعانات، وموارد الإغاثة لمواجهة الجفاف، وكذلك المدفوعات التي تقدمها الخطط التدريجية الحكومية للحفاظ على التربة والطبيعة. ويجب أن يقوم جوهر القطاع الزراعي على هذه الإجراءات، فصحيح أنها تُطبَّق حاليًا، لكن ذلك لا يحدث إلا في صورة إصلاحات محدودة النطاق ومخصصة لغرض محدد لعلاج منظومة منهارة بالأساس.

إن أراضينا ومياهنا العذبة، وما لدينا من تنوع بيولوجي، وتربة، كلها نِعَم أغلى من أن تُترَك للتلف تأثرًا بسعر سوق الحبوب والمواد الغذائية الأخرى. وينبغي لنا أن نكرس بعناية استثمارات كبيرة لمزارعينا، حتى يتسنى لهم بدورهم تكثيف استثماراتهم بصورة مدروسة في الأراضي، فيصبحوا بذلك متخصصين في الإدارة الشاملة للمسطّحات الطبيعية. وهذا هو مستقبل الزراعة.

إيما ماريس: كاتبة بيئية تقيم في ولاية أوريجون.

البريد الإلكتروني: e.marris@gmail.com