أخبار

لِمَ يتسابق العلماء لتطوير مزيدٍ من مضادات «سارس-كوف-2»؟

ستكون هناك حاجة إلى عقاقير جديدة مُقاوِمة لفيروس «سارس-كوف-2»، لمكافحة خطر يلوح في الأفق يُهدِّد باكتساب الفيروس مقاومةً للعلاجات الحالية له.

ماكس كوزلوف

  • Published online:
وصول عقار «باكسلوفيد» (في الصورة) و«مولنوبيرافير» إلى أرفف الصيدليات في جميع أنحاء العالم.

وصول عقار «باكسلوفيد» (في الصورة) و«مولنوبيرافير» إلى أرفف الصيدليات في جميع أنحاء العالم.

Credit: YONHAP/EPA-EFE/Shutterstock

شكَّل طرح لقاحات «كوفيد-19» في بداية عام 2021 نقطةَ تحوّل رئيسية في مكافحة هذه الجائحة العالمية. كما أُحرزت خطوات بالغة الأهمية في هذا السياق نهاية العام الماضي، إذ اعتُمِدَ علاجان يؤخذان عن طريق الفم كمضادين لفيروس «سارس-كوف-2» المسبب للجائحة، هما «مولنوبيرافير» Molnupiravir و«باكسلوفيد» Paxlovid، ويبشِّران بخفض أعداد الوفيات وحالات دخول المستشفيات الناجمة عن الإصابة بـ«كوفيد-19». لكن نظرًا إلى أن هذين العقارين ما زالا يشقّان طريقهما ببطء إلى أرفف الصيدليات في جميع أنحاء العالم، بدأ الباحثون بالفعل التطلّع إلى أدوية يمكن أن تحلّ محلهما.

فتقول سارا تشيري، اختصاصية المناعة من كلية بيرلمان للطبِّ في جامعة بنسلفانيا بفيلادلفيا: "هذان العقاران هما الجيل الأول من العلاجات المضادة لفيروسات كورونا". وتضيف أن تجاربنا مع العلاجات المُقاوِمة لأمراض فيروسية أخرى تُثبت أن "جهودنا يمكن أن تُسفِر عن نتائج أفضل فأفضل بمرور الوقت".

وقد أظهرت بيانات التجارب الإكلينيكية أن عقار «مولنوبيرافير»، الذي طوَّرته شركة «ميرك» Merck للصناعات الدوائية ومقرها كينيلوورث بولاية نيو جيرسي الأمريكية، بالتعاون مع شركة التقنيات الحيوية «ريدجباك» Ridgeback، ومقرها مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية، قد قلَّص عدد الوفيات وحالات دخول المستشفيات جرَّاء المرض بنسبة 30%، مقارنة بالعقاقير الوهمية. وفي الوقت نفسه، أدَّى عقار باكسلوفيد (وهو مزيج من عقارين مضادين للفيروسات، هما «نيرماتريلفير» nirmatrelvir و«ريتونافير» ritonavir) من إنتاج شركة «فايزر» Pfizer ومقرها نيويورك، إلى تقليل حالات دخول المستشفيات ومعدلات الوفاة بنسبة 89%.

بخصوص ذلك، يقول تيم شيهان، وهو عالم متخصص في دراسة فيروسات كورونا من جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، إن الوقت لا يزال مبكرًا على الجزم بما إن كان فيروس «سارس-كوف-2» قادرًا على اكتساب أي مقاومة لهذا الجيل الأوَّل من العلاجات المضادة له. وكما يضيف شيهان، فمع أن الارتفاع الحاليّ الشديد لمعدلات تنسُّخ الفيروس يُعدّ أرضًا خصبة لنشأة طفرات به، فإن الفيروس يتسبَّب أيضًا في عدوى حادة لا تسمح إلا بوقت قصير نسبيًا يمكن أن تتراكم فيه الطفرات التي تسبب اكتساب الفيروس مقاومة للعلاج.

لكن خطر اكتساب الفيروس لمقاومة ضد العلاجات يشتدّ بالأخص مع "العلاجات الأحادية" مثل «مولنوبيرافير» و«باكسلوفيد»، إذ يستهدف كل منهما جزءًا واحدًا فقط من الفيروس. ويقول شيهان إن هذا هو السبب وراء ضرورة تطوير علاجات جديدة مضادة للفيروس تستهدف أجزاءً مختلفة منه، أو تطوير عقاقير يمكن دمجها في علاج واحد لمهاجمة الفيروس على جبهات متعددة.

والعلاجات التي تنجح في مكافحة الفيروسات تستهدف عادة شقّين رئيسيين في أدوات الفيروس البيولوجية؛ هما البوليميراز والبروتياز، وكلاهما ضروري لتنسُّخ الفيروس. وهذا ينطبق أيضًا على الأقراص المتاحة حاليًا لعلاج «كوفيد-19»، إذ يثبِّط عقار «باكسلوفيد» البروتياز الرئيسي لـ«سارس-كوف-2»، في حين يخدع عقار «مولنوبيرافير» بوليميراز الحمض النووي الريبي للفيروس، كي يدمج جزءًا منه في الفيروس، مما يؤدي إلى حدوث أخطاء كثيرة (طفرات) في الشفرة الجينية للفيروس تؤدي في النهاية إلى القضاء عليه.

ويرى لويس شانج، عالم الفيروسات من جامعة كورنيل في إيثاكا بولاية نيويورك الأمريكية أن آلية الهجوم التي يستخدمها عقار «مولنوبيرافير» تعني أنه ربما ليس من الحكمة تضمينه في علاج مُركَّب، لأنَّه إذا لم يقض العقار تمامًا على الفيروس لدى المريض، فإن بعضًا مما يسببه من أخطاء في شفرة الحمض النووي الريبي للفيروس قد يؤدي إلى اكتساب الفيروس دون قصد مقاومة ضد العقار الآخر في العلاج المُركَّب. ويضيف شانج أن هذا يجعل من الأولويات الرئيسية للباحثين اكتشاف عقار يسهل توفيره لجميع الأفراد، ويعمل بشكل فعال على تثبيط بوليميراز الحمض النووي الريبي للفيروس، كما يمكن استخدامه إلى جانب أحد مثبطات البروتياز مثل عقار «باكسلوفيد».

وهنا، يقول كارل ديفنباخ، مدير قسم الإيدز في المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية (NIAID)، إن ثمة علاجات واعدة أخرى مضادة للفيروسات تشق طريقها ببطء إلى التجارب الإكلينيكية بين العقاقير قيد التطوير. ويضيف أن أحدها هو مثبط للبروتياز في المرحلة الثانية/الثالثة من التجارب الإكلينيكية في آسيا. ويستهدف هذا العقار البروتياز نفسه الذي يستهدفه عقار «باكسلوفيد»، لكن الجرعة اللازمة منه حبّة واحدة فقط يوميًا، مقارنة بجرعة عقار «باكسلوفيد»، البالغة حبتين يوميًا. وتقول تشيري إن هذا النظام العلاجي البسيط يمكن أن يساعد على تجنّب اكتساب الفيروس آليات مقاومة.

التدرب على إصابة الهدف

يرى شانج أنه ينبغي للباحثين أيضًا ابتكار علاجات تستهدف أجزاءً أخرى من الفيروس. فيقول: "علينا حقًا اكتشاف مناطق جديدة تستهدفها الأدوية المضادة للفيروسات والتحقّق من فاعليتها، لتتاح لنا طائفة أكبر من العقاقير قيد التطوير التي يمكن الاختيار بينها، عندما تضرب ]الجائحة[ التالية ضربتها".

ويمكن أن تستهدف العلاجات الجديدة بروتيازًا مختلفًا في «سارس-كوف-2» يسمى PLpro، وإنزيمًا يسمى ميثيل ترانسفيراز، يعمل على استقرار الحمض النووي الريبي للفيروس، على حد قول مات هول، مدير وحدة البحوث الانتقالية المبكرة في المركز الوطني الأمريكي للنهوض بالعلوم الانتقالية (NCATS) في بيثيسدا، بولاية ميريلاند الأمريكية. من هنا، أعلنت شركة «كلير كريك بايو» Clear Creek Bio، وهي شركة تقنيات حيوية مقرها مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية، في السادس من يناير الماضي أنها ستتعاون مع المركز الوطني الأمريكي للنهوض بالعلوم الانتقالية من أجل تطوير عقار يُؤخذ عن طريق الفم يستهدف إنزيم PLpro.

ويضيف ديفنباخ أن الباحثين يفضِّلون اكتشاف أهداف دوائيّة مُشتَركة بين عائلات كاملة من الفيروسات وتثبيطها بدواء واحد. بيد أن تطوير مثل هذه الأدوية واسعة المفعول يتطلَّب استثمارات كبيرة في القطاعين العام والخاص، على حد ما أدلى به هول. على سبيل المثال، في العام الماضي، خصَّصت الولايات المتحدة 1,2 مليار دولار أمريكي للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المُعدِية بهدف إطلاق هيئة مراكز اكتشاف العلاجات المضادة للفيروسات لمقاومة مُسبِّبات المرض المُسبِّبة للجوائح، والتي من شأنها أن تموِّل الأبحاث الأساسية الخاصة بتطوير مضادات فيروسية لسبع عائلات فيروسية.

في هذا السياق، يرى ديفنباخ أن جميع العلاجات المضادة للفيروسات تواجه عقبة جوهرية، إذ يجب أن تُؤخَذ في غضونِ أيامٍ من الإصابة بالعدوى لمنع الفيروس من التنسُّخ والانتشار. ولن تكون العلاجات المضادة للفيروسات فعَّالة بأي شكل إلا إذا أقرَّ الأفراد باحتمال إصابتهم بالمرض، وأُتيح لهم الوصول إلى الاختبارات التشخيصية. فيقول ديفنباخ: "يمكننا تطوير أفضل العلاجات في العالم، ولكن إذا لم يستوعب الأفراد بأن عليهم مشاركتنا جهودنا سريعًا، فلن يكون لهذه العلاجات أي جدوى. فالعقاقير في نهاية المطاف بحاجة إلى من يأخذها".