كتب وفنون

كتابان جديدان حول أبعاد ثورة ‎«كريسبر» لتحرير الجينوم

المسائل الأخلاقية الشائكة والمنافسة البحثية الشديدة، تسلكان بقصة تحرير الجينوم زوايا ومنعطفات جديدة.

جاكي ليتش سكَلي
  • Published online:
جنيفر داودنا تحمل جائزة نوبل في الكيمياء، التي حازتها عام 2020.

جنيفر داودنا تحمل جائزة نوبل في الكيمياء، التي حازتها عام 2020.

Credit: Jeff Chiu/AP/Shutterstock

«بَشر من نتاج كريسبر: علم تحرير جينوم البشر وأخلاقياته»  CRISPR People: The Science and Ethics of Editing Humans

هنري. تي. جريلي

مطبعة معهد ماساتشوستس للكتنولوجيا ( 2021)

------------------------

«الباحثة وراء فك شفرة كريسبر: جنيفر داودنا، والتحرير الجيني، ومستقبل الجنس البشري» The Code Breaker: Jennifer Doudna, Gene Editing, and the Future of the Human Race

وولتر أيزاكسون

دار نشر سيمون آند شوستر (2021)

من منظور أخلاقيات البحث الطبي، خضع ما كنا نسميه بـ"الهندسة الوراثية" لعقود من التَفكّر والتمحيص. ثم ظهرت تقنية «كريسبر» CRISPR، التي تتيح للباحثين حذف سلاسل من الجينات وإضافتها بدقةٍ وكفاءة محسنتين بدرجة كبيرة، إلى حد دفع بتطبيقات علمية، كنا نظنها ضربًا من الخيال العلمي، إلى أن تُترجم إلى واقع أكيد وملموس، ولتساعد هذه التقنية على لملمة شتات أفكارنا في هذا الصدد. فصدر من الكتابات حول هذه التقنية وإشكالياتها الأخلاقية، سواء من الكتابات المتخصصة أو الموجهة لعموم الجمهور، ما يكفي لملء أرفف كتب عديدة.

وبالنظر إلى أنه لم يمض حتى عقد من الزمان على ظهور أولى الأوراق البحثية التي توضح وجود تطبيقات عملية لتقنية «كريسبر» في تحرير الجينوم البشري، تحتم وجود تكرار في محتوى تلك الكتابات. أما الاختلافات بينها، فتنشأ من تباين المنظور الذي تبناه المؤلفون؛ ما بين متحمس بدرجة كبيرة لتقنية التحرير الجيني وإمكاناتها، وآخر لا يشاركه هذا الحماس، وما بين التركيز إما على الاكتشافات التي تولدت عن هذه التقنية، أو على تبِعاتها، أو على شخوص مبتكريها، أو على خليط من كل تلك العناصر. أما الكتابين اللذين بين أيدينا عن تقنية «كريسبر»، فيختلفان اختلافًا كبيرًا عن تلك الكتابات في المساحة التي يتناولانها، وفي الأسلوب، وفي محورهما. وتُعيننا قراءة الكتابين معًا على تكوين رؤى متعمقة حول تداعيات قصة تقنية «كريسبر»، على المعارف، والمجتمعات، والبحث العلمي كمبحث إنساني.

أحد الكتابين هو «بَشَرُ من نتاج كريسبر» CRISPR People، من تأليف هنري جريلي، الباحث المتخصص في أخلاقيات علم الأحياء، والذي يتمتع بخلفية في دراسة القانون. وينصب تركيزه في الكتاب على قصة صارت معروفة على نطاق واسع، ألا وهي محاولة باحث الفيزياء البيولوجية، هو جيانكوي، تعديل الحمض النووي في الأجِنّة البشرية، بهدف إنتاج أول رُضّع يحملون شفرة وراثية مُحَرّرة. ويشرح جريلي الإطار العلمي والأخلاقي والقانوني لتحرير الجينوم البشري في حقبة ما قبل «كريسبر»، وكيف أحدث ظهور هذه التقنية ثورة في المجال. كما يعرض الكاتب ما فعله هو جيانكوي بالضبط في مختبره، على حد ما تنامى إلى علمنا من تفاصيل، وكيف استقبل العالم نبأ ولادة توأمتين بجينومٍ مُحَرّر في عام 2018.

لا يُخفي جريلي، طوال فصول كتابه، وجهة نظره القائلة بإن تَسرّع الباحث جيانكوي في تجريب تقنية الجينوم المُحرّر، والقابل للتوارث في البشر، كان فعلًا متهوّرًا وغير أخلاقيّ. ويُدين جريلي التجربة على أكثر من مستوى. فيستنكر، على سبيل المثال، تسرع الباحث في تطبيق علاج تجريبي قبل توفر المعرفة اللازمة لجعل ذلك العلاج آمنًا قدر المستطاع، وعدم حصوله على موافقة مستنيرة من والدي التوأمتين كما تقتضي معايير الأبحاث الطبية. أما أخطر اتهام يوجهه المؤلف للتجربة، فهو أنها تجاهلتْ إجماعًا مستقرًا في دوائر البحث العلمي، على ضرورة عدم إجراء تجارب تحرير جينوم الخط التناسلي في البشر إلا لعلاج الأمراض الخطيرة، التي لا يتوفر علاج آخر لها. فتجربة الباحث جيانكوي، التي تمثلت في زرع نسخة مُحَوَّرة من جين CCR5، لإضفاء حماية ضد مرض نقص المناعة البشرية داخل جينوم التوأمتين، تبنت مسعى عبثي، إذ إن هناك طرق مناسبة، يمكن الاعتماد عليها، فيما يتعلق بالوقاية من مرض نقص المناعة البشرية وكبح جماح هذا المرض الفيروسي.

ويذهب جريلي إلى أن تحرير الجينوم البشري ليس خطأ في حد ذاته، لكنه قد يغدو كذلك تحت ظروف معينة. على سبيل المثال، لو أُجري قسرًا، أو من قَبل أن يَثبت أمان استخدامه بدرجة كافية، أو في حال أدى إلى تقليل التنوع الجيني (وإن كان ذلك مستبعدًا)، أو إن بدا أن ذلك النوع من العلاجات سيفاقم مشكلات اللامساواة في المجتمع، (وهذا محتمل جدًا). من هنا، تستعرض فصول الكتاب حججًا مألوفة في هذا الصدد وتفنيداتها. وما يميز كتاب جريلي هو شرحه الواضح والمفصل للمواقف التي قد يغدو فيها واقعيًا تحرير جينوم الخط التناسلي ضروريًا. ويخلص المؤلف إلى وجهة نظر، يتفق فيها معه محللون للموقف (منهم كاتبة هذه السطور)، تقول بأن المواقف التي قد يُضطر فيها الباحثون إلى تحرير الجينوم يرجح أنها شديدة الندرة، وذلك إما لتوفر بدائل جيدة لها، أو لأنه سيكون من المستبعد أن يؤدي تحرير الجينوم من الأصل الغرض منه في تلك الحالات التي قد تستدعي استخدامه.

الباحث هو جيانكوي، الذي صار في عام 2018 أول من عدّل جينومات أجنة بشرية.

الباحث هو جيانكوي، الذي صار في عام 2018 أول من عدّل جينومات أجنة بشرية.

Credit: TPG/Getty

يركز كتاب جريلي إذن على الباحث هو جيانكوي، ويُعد كل ما عداه ثانويًا فيما يتعلق بقصة «كريسبر». وفي المقابل، تُعد جنيفر داودنا، الباحثة الرائدة في تقنية «كريسبر»، محور تركيز كتاب «الباحثة وراء فك شفرة كريسبر» The Code Breaker لكاتب السّيَر وولتر أيزاكسن (الذي نشر سابقًا سِيَر مشاهير، مثل ستيف جوبز، وليوناردو دافنشي، وألبرت آينشتاين، وبنجامِين فرانكلين). ويُطوّف بنا الكتاب في حياة الباحثة المبكرة، وبداية عملها في مجال الكيمياء البيولوجية، وأبحاثها في مجال تطوير تقنية «كريسبر». كما يستعرض الخلاف حول الأدوار والأسبقية بين المختبرات البحثية المختلفة في اكتشاف وتطوير هذه التقنية. ومِن ثم، يبحث أيها الأجدرُ بالحصول على براءات اختراع التقنية. بعد ذلك، يعرج على استخدام التقنية في تطوير أدوات تشخيصية للفيروس المسبب لمرض «كوفيد»، «سارس-كوف-2»، وأخيرًا، على حصول الباحثة داودنا وزميلتها إمانيوِل شاربنتييه على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2020.

وفصول كتاب أيزاكسون الأقصر، وسرديته المثيرة، وصوغه لقصة السباق المحموم الذي لا يعرف الهوادة بين فريق داودنا وشاربنتييه من ناحية، وخصومهما اللدودِين من ناحية أخرى (وهم بالدرجة الأولى فريق الباحث فِنج تشانج من معهد برود، وفريق الباحث جورج تشيرش من جامعة هارفارد)، تجعل قراءة هذا الكتاب تجربة ممتعة للغاية، بمجرد تغلب المرء على الإيقاع اللاهث له.

وبمقارنة الكتابين معًا، تتجلى نقاط الضعف والقوة في كل منها. فبدايةً، ليس من المفاجئ أن جريلي يعطي وزنًا كبيرًا للقضايا الأخلاقية. أما أيزاكسون، فيتناولها بالفعل، ولكنه يكتفي بمناقشتها في أقل من 50 صفحة، من أصل ما يقرب من 500 صفحة. ويطرح جريلي أسئلة جادة عن وجاهة إدخال تغييرات جينية يمكن توريثها لأجيال تالية. وفي المقابل، لا يولي أيزاكسون تلك المسألة اهتمامًا كبيرًا، لكنه يبدي إدراكًا أكبر للعراقيل التي تواجهها السيدات كعاملات في حقل البحث العلمي. ولا يفوته أن يلفت نظر القارئ إلى أن داودنا حالة نادرة، وأنها وشاربنتييه صارتا نموذجين ملهمين للفتيات اللواتي تتطلعن للعمل في مجال البحث العلمي.

لكن من المخيب للآمال، أن كلا المؤلفَين لا يلفت بالقدر الكافي إلى إمكانية استغلال النساء كمصدر للبويضات التي تُستخدم في الأبحاث. كما أنهما لا يشيران إلى أن المداولات المجتمعية واسعة النطاق حول الاستخدام الصحيح للتحرير الجينومي، والتي توصي بانعقادها جميع التقارير الصادرة حول المسألة تقريبًا، قد تواجه عقبة كؤود في ظل الأدوات الديموقراطية المتوفرة في الوقت الحالي. وفي هاتين المسألتين – استغلال النساء، والنقاش المجتمعي – يُوفر كتاب ثالث، صدر عام 2019، وهو كتاب «إرث مُعدل» Altered Inheritance، للباحثة فرانسوا بيليز، نقاش أكثر ثراء.

بيد أن أكثر ما يلفت النظر في كتاب «الباحثة وراء فك شفرة كريسبر»، قد يكون تركيزه الشديد على مدى فصوله على تصوير المساعي نحو الاكتشافات العلمية على أنها منافسة أو سِجال، أو سباق يكون الفائز فيه هو من أحرز "السبق". وصحيح أن أيزاكسون يشير إلى الجهود التعاونية بين الفرق البحثية في هذا الإطار، ولكن الكتاب يعج بعبارات لا حصر لها، حول "انطلاق شرارة المنافسة" بين الفرق البحثية، من قبيل "بهجة مختلطة بروح التنافس"، و"متنافسون ألِدّاء". ويضاف إلى هذا كله زعم المؤلف، وهو زعم لا اتفاق عليه، بأن "ما يدفع الأفراد إلى تحقيق إنجازات رائعة [في مجال البحث العلمي] هو سعيهم لكسب التقدير". فعندما نقرأ تلك الكلمات مباشرة بعد قراءة تحليل جريلي المستغرق في فهم دوافع الأخطاء التي أحاطت بتجارب هو جيانكوي، يخلص المرء حتمًا إلى أن المتهم الأكبر بتلك الأخطاء ليس الطموح المفرط المشوب بالغطرسة لدى بعض الباحثين، وإنما هو ثقافة منتشرة عالميًا في البحث العلمي، تكافئ وتشجع "الأبحاث المثيرة للجدل، والبحث عن الشهرة، والتنافس الأممي في ميادين البحث، والتركيز على إحراز قصب السبق في كل مجال بحثي"، بحسب وصف أيزاكسون. فقد تكون داودنا بحق نموذجًا يُحتذى، ولكن لو أني قرأت «الباحثة وراء فك شفرة كريسبر» قبل ثلاثين عامًا من الآن، لكنت ترددت في أن ألزم نفسي بالقيم التي يسوقها الكتاب.

ومن البديهي أن ينطوي تحرير الجينوم على فرص هائلة، بعضها واضح بلا شك، وبعضها لم تتضح معالمه بعد. وقصة تقنية «كريسبر» كما يسردها الكتابان اللذان بين أيدينا، تلفت اهتمامنا إلى الأسباب التي تدعونا إلى أن نعيد النظر في العلاقة بين البحث العلمي وطيفٍ من العناصر الأخرى: ألا وهي إنتاج المعرفة، ورأس المال، والاعتزاز الوطني، والصالح العام. فضلًا عن ذلك، من الضروري أن نُقر بأن أي استخدامات مستقبلية لتقنيات تحرير جينوم الخط التناسلي البشري، ستعكس افتراضات مجتمعية، أغلبها لم يُدرس بعناية، حول ما يشكِّل ما نطلق عليه: "حياة طبيعية". على سبيل المثال، ماذا عن الإعاقة و"الأمراض" و"العيوب" الصحية؟ وإلى أي مدى يستطيع العالم، أن يتفق على تعريف لـ "الحياة الجيدة"، وإلى أي مدى سنذهب لكي نحقق هذا الغرض؟

جاكي ليتش سكَلي: باحثة في أخلاقيات علم الأحياء من جامعة نيو ساوث ويلز، في سيدني، أستراليا.

البريد الإلكتروني: jackie.leach.scully@unsw.edu.au