رؤية كونية

رسالة إلى مسؤولي الإدارة المحلية: لا غنى للمدن عن الطبيعة

يجب أن توجَّه الاستثمارات إلى تعزيز النظم الإيكولوجية في المدن، وألا يقتصر الاستثمار على إنشاء الطرق، وتوصيل الخدمات، وتشييد المساكن.

أكانكشا خاتري

  • Published online:

AKANKSHA KHATRI

مدينة نيو دلهي، حيث مسقط رأسي، تقاسي الأمرَّين من تلوث الهواء، ومياه الشرب الملوثة، وموجات الحر. ففي نوفمبر الماضي فقط، أُغلِقت المدارس لأكثر من أسبوع، نظرًا لتردّي جودة الهواء إلى درجةٍ لا يمكن تحملها. ولهذا السبب، انقطع الطلاب عن الدراسة ستةً وعشرين يومًا على الأقل على مدار السنوات الخمس المنصرمة. والحق أن نيو دلهي ليست سوى واحد من عددٍ متنامٍ من الأماكن التي أضرّ فيها النشاط العمراني العشوائي والمتسارع بالخدمات البيئية اللازمة لتحسين نوعية الحياة. والجدير بالذكر أن النشاط العمراني على مستوى العالم قد نما بمقدار الثلثين بين عامي 2000 و2012. ويعتمد حوالي نصف الإنتاج الاقتصادي للمدن على تلك النظم الطبيعية التي يهددها تغير المناخ وتآكل التنوع البيولوجي. ومن المتوقع، بحلول عام 2050، أن يقطن 70% من سكان المعمورة في المدن، وأن ثلاثة من كل أربعة مدن سوف تعاني من ندرة المياه.

وحتى تنعم المدن بالازدهار، يتعين عليها أن تتجه إلى الطبيعة، وتعتمد عليها. وهذا يعني أن يتوفر لديها مساحات خضراء مفتوحة، ومجارٍ مائية مترابطة لتفادي خطر الفيضان؛ فضلًا عن أن تملك أسطُحا وجدرانًا خضراء للحد من ارتفاع درجات الحرارة والإسهام في إنتاج الغذاء، بالإضافة إلى استزراع غابات تشكّل أحزمة خضراء، لتزويد المناطق الحضرية بالأكسجين، وتجديد النظم الإيكولوجية.

غير أن المدن، في حقيقة الأمر، لا تُنفِّذ من ذلك إلا قليلًا. فوفقًا لأحد التقديرات، يتم توجيه 0.3% فقط من إجمالي الموارد المخصصة للبنية التحتية في المدن إلى "الحلول المعتمدة على الطبيعة"؛ ويُقصد بها تلك الجهود التي تستعين بالنظم الإيكولوجية للمساعدة في تخفيف وطأة التلوث، والحد من مخاطر الفيضانات والعواصف، وتوفير هواء نقي، ومياه صالحة للشرب، وغذاء صحي، وظروف معيشية صالحة.

وعلى مدار السنوات الأربع الماضية، تولَّيْت في المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في بلدية كولوني السويسرية، قيادة الجهود الرامية إلى تشجيع مؤسسات الأعمال والحكومات على الإسراع في علمية التحول إلى ما أُسمِّيه اقتصادًا صديقًا للطبيعة؛ بما يجعل كوكب الأرض أقدر على التكيُّف، من خلال الحد من الانبعاثات، وإثراء النظام الإيكولوجي. وتأتي مبادرة التنوع البيولوجي بالمدن، المسمَّاة «بيودايفر سيتيز باي 2030» BiodiverCities by 2030، ضمن مبادرات المنتدى لمساعدة المسؤولين في المدن على إدراج النظم الإيكولوجية القائمة بشكل واضح ضمن المخططات العمرانية، وتحقيق الانسجام بين الاحتياجات الاقتصادية، والاجتماعية، والإيكولوجية. وقد نشرت دورية Nature في الآونة الأخيرة تقريرًا حول كيفية استفادة مسؤولي الإدارة المحلية للمدن من الحلول المعتمدة على الطبيعة فيما تضع من مخططات عمرانية (go.nature.com/3fzhqss).

يخبرنا التاريخ بأن المدن إنما قامت حيثما لبَّت الطبيعة احتياجات البشر؛ حيث المياه العذبة قريبة، والأرض خصبة، والظروف المناخية معتدلة. غير أن أكثر المدن قد نسيَت تلك الجذور؛ فالبنية التحتية، والمؤسسات الاجتماعية التي تعطي المدن المعاصرة طابعها المعروف هي ما تُعطِّل، وعلى نحوٍ متزايد، نفس الظروف التي أتاحت قيام المدن وازدهارها. وقد رأينا كيف أن مخاطر الفيضانات، أو العواصف، أو اندلاع الحرائق تتزايد بسبب تغير المناخ، أو تدهوُر النظم الإيكولوجية. كما رأينا، على الجانب الآخر، أن أغلب عمليات تقييم المشاريع لا تأخذ تلك المخاطر، أو سبل التخفيف من وطأتها، بعين الاعتبار.

تتيح النماذج، وتحليلات البحوث للقائمين على تخطيط المدن المقارنة بدقة عالية بين عوائد الاستثمار في «الأبنية الرمادية»، القائمة على الأسمنت، وعوائد الاستثمار في الأسفلت والبنية التحتية الخضراء، التي تستعين بخدمات النظام الإيكولوجي. وعادةً ما يتم تخطيط المدن وفق النهج الأول، مع أنه يتكلَّف أكثر مما هو مفترض. ففي العام المنصرم، أصدر المعهد الدولي للتنمية المستدامة دراسة تقديرية مفادها أن البنية التحتية القائمة على المكونات الطبيعية يمكن أن تسهم في التكيف مع آثار تغير المناخ، فضلًا عن الوفاء بمتطلبات الري، والصرف الصحي، وغيرها، بتكلفة تقل بنسبة 50% عن البنية التحتية التقليدية. ويرجع هذا بنسبة كبيرة إلى انخفاض الاستثمارات الرأسمالية والتكاليف الناجمة عن الظروف المناخية القاسية.

ومن أهداف مبادرة التنوع البيولوجي في المدن، المشار إليها سالفًا، مساعدة مسؤولي المدن في الوصول إلى البحوث والتحليلات الأنسب للمدن التي يقومون إلى إدارتها. وعلى مدار السنة الماضية، قمنا بتنظيم لقاءات جمعت بين قادة السياسة والأعمال، والمتخصصين في التنمية الحضرية، والترشيد، والاقتصاد البيولوجي، وغيرهم من أهل الاختصاص. وبات واضحًا أمام الجميع أن أكثر مسؤولي المدن ليسوا على دراية بكيفية توسيع نطاق الطبيعة في البيئة الحضرية التي صنعها الإنسان. وقد شكلَتْ هذه النتيجة أساسًا استرشدنا به في التقرير الذي قمنا بإعداده.

وإليكم بعض الأمثلة على المشاريع الناجحة في جميع أنحاء العالم.  لينا تشان – التي تشغل منصب كبير مسؤولي قسم الحفاظ على التنوع البيولوجي بمجلس المتنزهات الوطني في سنغافورة، والرئيسة المشاركة للمفوضية العالمية لمبادرة التنوع البيولوجي بالمدن المشار إليها – ساعدت خمسة وزراء على تخطيط أعمال إعادة المكوِّن الطبيعي إلى المناطق الحضرية، وتنفيذها في سنغافورة. وكان من بين التحسينات التي تحققت، توسيع المساحات الخضراء بشكل كبير (على جانبي الطرق، وعلى أسطح المنازل، وحتى حول المباني). ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تحسين نوعية الحياة، من خلال خفض درجات الحرارة في المناطق الحضرية، وتعزيز قدرتها على التكيُّف المناخي، وتحمل ارتفاع مستوى سطح البحر، والفيضانات الداخلية. وأطلق عمدة مدينة فريتاون، عاصمة سيراليون، مباردةً تحت عنوان: «فريتاون مدينة الأشجار» Freetown the Treetown لاستزراع خمسة عشر نوعًا من الأشجار في أحد عشر مشتلًا؛ بما يسهم في الحد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية. وبنهاية عام 2022، يُنتظر أن تكون المساحة المغطاة بالغطاء النباتي قد اتسعت بنسبة 50%.

مثل هذه المشاريع تتطلب التخطيط على مستويات عدة، من بينها ما يتعلق بتحقيق مبدأ الإنصاف. فمن الممكن أن تؤدي جهود زراعة الأشجار وتصميم المواقع الطبيعية إلى الترقي الاجتماعي للمناطق الخضراء (green gentrification)، مع دفع السكان من ذوي الدخل المنخفض، الذين يعجزون عن تحمل أسعار الأحياء التي خضعت للترميم وإعادة التأهيل، إلى خارج تلك المناطق، إذا ما أُهمِلَت الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية على المستوى المحلي. وهنا تأتي أهمية البيانات الجيدة؛ فقد خلصت دراسة أجريت عام 2021 إلى أن العمارات السكنية في المناطق ذات الدخل المنخفض بمدن الولايات المتحدة الأمريكية قد تقلَّصت مساحة الغطاء الشجري بها بنسبة 15%، وأنها كانت أكثر سخونة بمقدار 1.5 درجة مئوية، مقارنةً بنظيراتها في المناطق ذات الدخل المرتفع (R. I. McDonald et al. PLoS ONE 16, e0249715; 2021). ومن الممكن أن يساعد مبدأ علم الجميع (citizen science)، الذي يقوم على إشراك الأشخاص العاديين في إنتاج المعرفة العلمية، على إضفاء الطابع الديمقراطي على الجهود المبذولة، ودعم التغييرات الواجب إحداثها. فعلى سبيل المثال، استعانت مبادرة التنوع البيولوجي بالمدن بمصادر من الأشخاص العاديين (فيما يُعرف بالتعهيد الجماعي) في مشاريعها الدولية؛ حيث رصد المشاركون التنوع البيولوجي في محيط منازلهم، باستخدام تطبيقات الهاتف المحمول.

تستطيع المدن حماية نفسها من خلال تعزيز النظم الإيكولوجية الطبيعية. ففي أكتوبر الماضي، ضربت فيضانات شديدة ولاية كيرالا الهندية، نجمَتْ عنها أضرار بالغة في مدينة كوتشي، إلا أن الكارثة كان يمكن أن تكون أسوأ، حسبما أخبرني عمدة المدينة. وفي عام 2020، أطلقت مؤسسة بلدية كوتشي خُططًا لترميم وإعادة تأهيل القنوات، وكان من ضمنها ترميم وإعادة تأهيل الأهوار، وزراعة أشجار المنجروف.

ولكن يتعين بذل المزيد من الجهود. ولاكتساب القدرة على التكيُّف المناخي، يجب أن تكون النظم الإيكولوجية جزءًا لا يتجزأ من البنية التحتية في المدن.

أكانكشا خاتري هي رئيسة قسم الطبيعة والتنوع في المنتدى الاقصادي العالمي في كولوني في سويسرا.