افتتاحيات

لا بد من حماية التعاون البحثي من تبعات التوترات السياسية

التنافس بين الصين ودول أخرى قد يضعف التعاون البحثي عالميًا، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى هذا التعاون.

  • Published online:

قدمتْ جائحة «كوفيد-19» أمثلة جَلِية على جدوى التعاون البحثي الذي يتجاوز الحدود الجغرافية. ظهر هذا – على سبيل المثال - في مجالات شتى، بدءًا من فك الشفرة الجينومية لفيروس «سارس-كوف-2»، إلى الجهود التي بُذِلت لتكوين صورة مكتملة عن سلوك الفيروس. ففي جميع هذه المساعي، تعاونتْ فرق بحثية من دول شتى؛ خدمةً لصالح البشرية جمعاء.

بيد أنه في الوقت ذاته، ظهرتْ دلائل على أن تزايُد حدة توتر بعض العلاقات الدولية، لا سيما بين الصين والولايات المتحدة، يمكن أن يُضعف حرية حركة الباحثين، وتبادلَ المعارف بين الدول. ومع سعي الدول إلى حماية مصالحها، يتعين على الأطراف جميعها في هذا السياق اتخاذ خطواتٍ تُوازِن فيها كما ينبغي بين تلك المصالح، بما يضمن تحقيق العوائد التي يدرها التعاوُن البحثي، الذي يُعد مفيدًا للأطراف كافة.

فقد صارت المخاطر التي ترتهن بالانصراف عن إبرام تعاوُن بحثي عالمي أكبر من أي وقت مضى. على سبيل المثال، لا يمكن التصدي على أتم وجه لمشكلات مثل تغير المناخ وتدهور البيئة والأمراض المُعدية في غياب هذا التعاوُن. ومع أن الفرق البحثية الدولية تساعد من جهة الدول محدودة الدخل في بناء المعارف الضرورية لمواصلة التنمية والتقدم، فهي في الوقت نفسه تمد أيضًا يد العون للدول الأكثر ثراء في صياغة أجندة بحثية أكثر إنصافًا، وأكثر تمثيلًا للأطياف المختلفة، تستند إلى موارد شتى.

وبالمثل، للتعاون الإقليمي أيضًا أهميته الحاسمة في التقدم العلمي الجمعي. من هنا، تشجع على إبرامه مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي، وتشتد الحاجة إليه في القارة الأفريقية.

وقد أظهرتْ دراسة1 تناولتْ بالتحليل أكثر من 10 ملايين ورقة بحثية رصدها موقع «ويب أوف ساينس» Web of Science، أن عدد الأوراق البحثية التي شارك فيها باحثون من دول مختلفة قد ارتفع من 10.7% إلى 21.3% بين عامي 2000 و2015. وبحلول عام 2015، بلغ عدد الدول الممَثَّلة في ذلك التعاون الدولي حوالي 200 دولة. إلا أنه من المحتمل أن هذا العصر الذهبي الذي شهدته مجالات التعاوُن العلمي المفتوح يشارف على الانتهاء.

ففي عام 2018، على سبيل المثال، حذر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) من أن الصين تستغل البيئة المفتوحة للبحث والتطوير في الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها الشخصية. وأعقبتْ ذلك التحذير موجة هائلة من التحقيقات في معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، وغيرها من الوكالات الفيدرالية بالبلد، عيّنت مئات الباحثين المشاركين في مشروعات بحثية ممولة من الحكومة الأميركية كمشتبه بهم، متهمين بخرق قواعد الإفصاح عن صلات بحكومات أجنبية. وصحيح أن كثيرًا من هؤلاء الأشخاص قد ظهرتْ براءتهم في وقت لاحق، لكن عددًا منهم أُدين أو يواجه حاليًا تهمًا.

ولم تكن هذه الوقائع قاصرة على الولايات المتحدة، فاليابان وأستراليا والمملكة المتحدة وألمانيا والهند، عززتْ بدورها صرامة تحرياتها في علاقات التعاون البحثي الدولي، حفاظًا على الأمن القومي، وعَدَّتْ جهات كثيرة الصين في هذا السياق الدولة الأكثر إثارة للمخاوف.

ويخشى مديرو بعض البرامج البحثية أن بعض الباحثين في الدول الغربية بدؤوا يتحاشون التعاون مع نظرائهم الصينيين خشية أن يُزج بهم في توترات جيوسياسية لا مناص منها، وتلافيًا للأعباء الإدارية التي تتأتى مع الامتثال للوائح الصارمة الخاصة بالتعاوُن مع الباحثين الصينيين.

ففي أستراليا، على سبيل المثال، تراجعت نسب التسجيل في برامج التعليم العالي الخاصة بالصين عما كانت قبل الجائحة. أما في الولايات المتحدة، فلم تختلف نسب قبول الطلاب الصينيين في الجامعات خلال العام الدراسي 2019-2020 عن نسب العام السابق، لكن تراجَع عدد الباحثين الزائرين من الصين الوافدين بموجب تأشيرات مؤقتة. وصحيح أن القيود على السفر التي صاحبت الجائحة قد تكون بدورها سببًا في ذلك، وليس التوترات السياسية وحدها، لكن سجلات الدراسات المنشورة تشي بدورها بأن جهود التعاون بين الباحثين الأمريكيين والصينيين، قد تهددها عراقيل.

فتشير دراسة تحليلية منشورة مؤخرًا في دورية Nature إلى أن عدد الدراسات التي اشترك فيها باحثون صينيون وأميركيون بين عامي 2019 و2020 لم يشهد نموًا على الإطلاق، وذلك وفقًا لمؤشر «نيتشر إندكس» Nature Index الذي يرصد الجهات التي ينتمي إليها الباحثون، ممن ينشرون أوراقهم البحثية في 82 دورية للعلوم الطبيعية، اختيرت بناءً على مكانتها. وفي المقابل، شهدت الأعوام الأربعة السابقة على 2019 نموًا في عدد تلك الدراسات بنسبة 10% سنويًا. وخلال الفترة ذاتها، زاد عدد الدراسات التي شارك فيها باحثون من الصين مع نظرائهم من ألمانيا والمملكة المتحدة وأستراليا واليابان. (تجدر الإشارة إلى أن مؤشر «نيتشر إندكس» تُصدر بياناتِه شركةُ «سبرينجر نيتشر» Springer Nature، الجهة الناشرة لدورية Nature، لكن الدورية مستقلة تحريريًا عن ناشرها).

وتشير دراسات رَصدتْ طيفًا أوسع من الدوريات الأكاديمية، إلى أن التعاون البحثي بين الصين والولايات المتحدة يشهد تغيرًا.

إلى جانب ذلك، فقد أظهرتْ دراسة تناولتْ بالتحليل الأوراق البحثية في مجالي العلوم والهندسة على قاعدة البيانات «سكوبس» Scopus أن علاقات التعاون الدولي بين الباحثين من شتى الأقطار في المسائل البحثية المتعلقة بـ«كوفيد-19» في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2020، بما في ذلك علاقات التعاون بين الباحثين الأمريكيين والصينيين، أُبرمتْ بنسب أعلى من المتوسط في السنوات الخمس السابقة على ذلك، في كل المجالات2. أما التعاون الصيني والأمريكي في الأبحاث غير ذات الصلة بـ«كوفيد-19» خلال الأشهر الخمسة ذاتها، فشهد تراجعًا مقارنة بمتوسط السنوات الخمس السابقة على تلك الفترة. إلا أن ذلك التراجع يمكن أن يعود إلى زيادة التعاون بين الباحثين الصينيين ونظرائهم في بلدان غير الولايات المتحدة، أو ربما يرجع إلى توجُه كثير من علاقات التعاوُن البحثي المبرمة بين الباحثين الصينيين والأمريكيين نحو التركيز على «كوفيد-19».

وتشير دراسة أحدث إلى أن التعاون الصيني والأمريكي في الأبحاث المتعلقة بـ«كوفيد-19» قد تراجع مع مضي الوقت في ظل الجائحة3، وقد يعود السبب إلى تراجُع عدد الأوراق المنشورة من الصين مع تضاؤل عدد الإصابات هناك، أو بسبب قيود سياسية مفروضة على النشر حول الفيروس، أو قد يُعزى ذلك إلى السببين كليهما.

وفي الوقت الذي يتوفر فيه لدينا المزيد البيانات عن أنماط التعاون البحثي، ينبغي للباحثين، والمؤسسات، والحكومات، أن يلعب كلٌّ دوره للحيلولة دون فتور التعاون العلمي. فعلى الدول التي تقِيم الحواجز في وجه التعاون العلمي أن ترسي توجيهات موحدة وثابتة فيما يتعلق بالبعد الأمني للأبحاث، وذلك لبث الطمأنينة في الباحثين حين يعزمون على الانخراط في تعاون بحثي عبر حدود بلدانهم. وتستطيع الصين من جانبها أن تسهم في تخفيف التوتر بتبني المزيد من الشفافية، خاصة فيما يتعلق بآليات إجراء الأبحاث الصينية، والدوافع السياسية لهذه الأبحاث وأولوياتها، وكيف تُصاغ القرارات المتعلقة بها.

وتجدر الإشارة إلى أنه في كلمة مهمة عن العلوم والتقنيات في سبتمبر الماضي، حث الرئيس الصيني شي جينبنج الباحثين على "الالتزام بإعلاء المصالح الوطنية" في عملهم البحثي، ولكنه لفت أيضًا إلى الحاجة إلى التعاون الدولي في مجال الأبحاث. وإذ تتعاظم القدرات البحثية الصينية، تزداد كذلك المسئولية الواقعة على الكل بأن يتبنى ويضع نصب عينيه رؤية واضحة للفوائد العالمية التي يحققها التعاون البحثي مقارنة بأي مخاطر محتملة قد تنتج عنه.

References

  1. Ribeiro, L. C., Rapini, M. S., Silva, L. A. & Albuquerque, E. M. Scientometrics 114, 159–179 (2018). | article
  2. Lee, J. J. & Haupt, J. P. J. Higher Educ. 92, 303–329 (2020). | article
  3. Cai, X., Fry, C. V. & Wagner, C. S. Scientometrics 126, 3683–3692 (2021). | article