رؤية كونية

نداء إلى علماء الأحياء الجزيئية: فلنستعِد صِلتنا بالطبيعة

فليكن قرار الباحثين للعام الجديد هو الخروج من المختبرات لدراسة مجرى الحياة على الطبيعة.

إديث هيرد

  • Published online:

KINGA LUBOWIECKA/EMB

نتجت عن رحلة تشارلز داروين على متن السفينة «إتش إم إس بيجل» HMS Beagle مشاهدات ثمينة حقًا؛ كسلوك الحبَّار، والدبور النمسي الطفيلي parasitic ichneumon wasp الذي يعيش داخل اليرقانات الدودية ويتغذّى على أجسادها، فضلًا عن اكتشاف حفريات حيوان الكسلان العملاق وحيوان الصناجة mastodons المنقرض، لتولد، بالتأكيد، نظرية داروين عن الانتخاب الطبيعي.

كان داروين في حاجة إلى العالم الطبيعي المُعقَّد كي يُلهمه نظريته. أما علماء الأحياء الجزيئية المعاصرون، فينصبُّ اهتمامهم عادةً على كائنات معينة دونًا عن غيرها، ويدرسونها في بيئات خاضعة لضبط محكم، يطرأ عليها أقل عدد ممكن من المتغيرات. ولا شك أن هذا أدَّى إلى اكتشافات مذهلة؛ كلقاحات «كوفيد-19» القائمة على الحمض النووي الريبي، وتوظيف خاصية التألق الضوئي البيولوجية لمراقبة الأورام، والاستعانة بالتسلسلات الجينومية لإنتاج محاصيل أجود، فضلًا عن تطبيقات أخرى.

"إلى حد كبير، لم تخضع النظريات التي طرحها داروين بخصوص "صراع البقاء" لدراسة مستفيضة على المستوى الجزيئي".

يدرس علماء الأحياء الجزيئية، وأنا منهم، العالمَ على أصغر مستوياته؛ فندرس الكروموسومات، والتراكيب تحت الخلوية، والبروتينات، ونواتج الأيض. بيد أنه في كثير جدًا من الأحيان، يؤدي هذا النوع من الاهتمام ومختبراتنا الخاضعة لظروف تحكّم دقيقة، إلى حرماننا من الوصول إلى الصورة الأشمل. إذ نُغفِل مدى التباين الجيني بين الكائنات وآلية تأثيره في الاستجابات الفسيولوجية والسلوكية للتقلبات البيئية لدى كل كائن على حِدة، ولدى مجموعات الكائنات، وعلى مستوى النظام الإيكولوجي ككل. من جهة أخرى، فإلى حد كبير، لم تخضع النظريات التي طرحها داروين بخصوص "صراع البقاء" لدراسة مستفيضة على المستوى الجزيئي. وأرى أنه يجب على علماء الأحياء الجزيئية وعلماء الأحياء الخلوية، العودة إلى استكشاف العالم في بيئاته الفعلية لدراسة الحياة في سياقها الطبيعي.

وهذا العام، يُطلِق مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي (EMBL)، حيث أتولى منصب المدير العام، برنامجًا يُسمَّى «من الجزيئات إلى النظم الإيكولوجية» Molecules to Ecosystems، والذي من شأنه أن يستكشف طرقًا جديدة لتحقيق هذه الغاية تحديدًا. على سبيل المثال، نعتزم التعاوُن مع علماء النظام الإيكولوجي، وعلماء الحيوان، وعلماء البيئة، وعلماء الأوبئة. كما نخطط لإطلاق مختبرات مُتنقِّلة تتبنَّى أحدث تقنيات الدراسات الجزيئية لاستكشاف مواقع التفاعل بين اليابسة والماء في أنحاء أوروبا، لا سيَّما المناطق التي تتوطّن بها الملوِّثات وبؤر مقاومة مضادات الميكروبات.

وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن علماء الأحياء الجزيئية قد اعتادوا في أبحاثهم الجمعَ بين تخصصات متعددة؛ فنحن نُوظِّف فيزياء الأشعة السينية والفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد (cryo-EM) لدراسة الحمض النووي، والحمض النووي الريبي، والبِنى البروتينية. ونستعين بعلم الكيمياء لفهم المسارات الأيضية، ونستخدم علم نظم المعلومات لتحليل أوجه التباين بين الكائنات؛ مثل جينوماتها، وما يطرأ عليها من طفرات فوق جينية. كما قد نلجأ إلى قياس نواتج الأيض على مستوى الخلية الواحدة، ويمكننا كذلك استخدام واسمات التألق الفلوري للتعرف على العضيات الخلوية والجزيئات الضخمة في الأنظمة متعددة الخلايا. وندمج في بياناتنا هذه بين أوجه التباين الجيني، وأوجه تبايُن النمط الظاهري في كل خلية على حدة، لنكتشف علاقات توضح لنا آلية عمل الميكروبات و(غيرها من الخلايا) في ظروف مختلفة.

على سبيل المثال، إذا تأمَّلنا العوالق المحيطية، فسنجد أن بعضها، يستضيف طحالب مجهرية تتكافل معه، ويُحفِّز اتّساع نطاق عمل آليات التمثيل الضوئي لدى هذه الطحالب على نحو يزيد من إنتاجها للكربون، وهو ما يُعزِّز سلامةَ النظام البيئي في المياه الفقيرة بالمغذيات. كما أن القدرة على استزراع كائنات غير طفيلية وغير تكافلية معًا على نحو يحاكي الموائل الدقيقة المضيفة لها، وفهم سبل تبدّل أيضها وتشريحها المورفولوجي، من شأنهما إلهامنا بأفكار جديدة بشأن عملية تثبيت الكربون التي يتحوَّل فيها هذا العنصر لمركب عضوي.

فضلًا عن ذلك، من شأن التقدم التكنولوجي أن يتيح للباحثين فرصة دراسة الكائنات الحية من السواحل البركانية، وحتى أعماق المحيطات. فجمع العينات من مواقع تختلف في درجة الحموضة، ومستويات التلوث، والمغذيات، ودرجة الملوحة، من شأنه إمدادنا برؤى متعمّقة بخصوص التنوع البيولوجي وآليات تأثُّره بالتغيرات الطبيعية وتلك الناجمة عن الأنشطة البشرية. وتلعب عادة المسارات الأيضية دورًا محوريًا في التغيرُّات الناشئة عن عوامل بيئية. ومثل هذه الأبحاث من شأنه -بل يجب- أن يكون مصدر إلهام يدفع دراسات الأيض لتقييم الآليات السمية، أو يُحفّز ابتكار تقنيات عالية الإنتاجية لتصوير النظم البيولوجية بهدف توثيق التأثيرات المورفولوجية.

ويعني هذا كلّه استخدام أدوات البحوث الأساسية، في البيئات البرية وفي المختبر، من أجل فك شفرة الآليات الجزيئية الكامنة وراء تنوُّع الكائنات وبقائها. على سبيل المثال، تتناول البحوث التعاونية التي تُجرَى بمختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي تأثير التغذية في النمط الظاهري لشقائق النعمان، والتأثير المحتمل في المحيطات الذي تتسبَّب فيه ميكروبات «دايازتروف» diazotrophs التي تحيل النيتروجين لمركبات عضوية، وتأثير المضادات الحيوية وغيرها من العقاقير على ميكروبيوم الأمعاء وصحة البشر.

فقد صارت ضرورة دراسة "الحياة في سياقها" أكثر إلحاحًا مما كانت عليه في أي وقت مضى، لأن هذا السياق يتغيَّر سريعًا. على سبيل المثال، في عام 2009، أشار عالم البيولوجيا الاصطناعية الأمريكي، جيمس كولينز، إلى المأساة التي ترتهن بتوقيت دراسة هذا السياق؛ فذكر أن الجيل الأول من العلماء الذين امتلكوا الأدوات اللازمة لتناوُل أبعاد التنوع البيولوجي على كوكب الأرض، قد يصبحون أيضًا آخر من أُتيحت لهم هذه الفرصة. 

والتعاون بين الباحثين من مختلف التخصصات يُعزِّز جودة أبحاثهم جميعًا. على سبيل المثال، كان نظام الذكاء الاصطناعي «ألفا فولد» AlphaFold، الذي يتنبَّأ بالبِنى البروتينية ثلاثية الأبعاد من خلال تسلسل الأحماض الأمينية، ثمرة جهود شارك فيها خبراء علم الأحياء البنيوي وخبراء تقنيات التعلم العميق. ويتيح هذا النظام للباحثين مزية هائلة عند شروعهم في تقصّي أي إشكالية تتصل بالبنى البروتينية. كذلك، تسعى الجهود التعاونية القائمة حاليًا بين خبراء تعلُّم الآلة، وعلماء الأحياء، والأطباء إلى تطوير أدوات تسترشد بها العلاجات المصممة لمواءمة حالة المريض، والمُخصَّصة لمواجهة أمراض السرطان.

وتعني أمثلة النجاح تلك أنّه ينبغي لجميع العلماء العمل معًا لتمحيص التباين الجيني والبيئي، ودراسة تأثير التغيرات التي يتسبب فيها البشر في هذا التباين. فبمقدور علماء الأحياء الجزيئية الإسهام في حل مشكلات عالمية؛ مثل التصدي للتغيُّر المناخي، ومواجهة مشكلة إمدادات المياه الملوثة، والنظم الغذائية غير المستدامة. وعلى سبيل المثال، من شأن الفهم المستفيض للمجتمعات الميكروبية أو المحاصيل، على المستوى الجزيئي، أن يلهم اكتشافنا لمصادر غذائية بديلة أو مواد حيوية يُنتجها الغزل الفطري، تحلّ محل المواد التقليدية التي تسهم في انبعاثات الكربون.

إن اكتساب فهم عميق لوظائف الكائنات في الظروف المختلفة يتطلَّب منا مغادرة محيط مختبراتنا المألوف، وركوب الصعاب، واستطلاع أماكن على غرار الأراضي القاحلة والأنهار والمدن الملوثة، حيث يدور "صراع حقيقي على البقاء". إذ نحتاج إلى تناوُل هذه المواقع بالغة الأهمية بالدراسة.

 ومع حلول عام 2022، أودّ أن أطلب مِنْ كل عالم يقرأ هذا المقال أن يأخذ بعين الاعتبار كيف ينبغي لدراساته أن تطرق هذا السياق الطبيعي المتغيِّر. 

إديث هيرد، المديرة العامة لمختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي بمدينة هايدلبرغ الألمانية. 

البريد الإلكتروني: edith.heard@embl.org

تُعلن الكاتبة إديث هيرد وجود تضارب مصالح، انظر: go.nature.com/3jbrg4h