موجزات مهنية

غادِر بلطف: كيف تترك عملك بشكلٍ لائق؟

عندما تترك وظيفةً لتلتحق بأخرى، قد تلمس في نفسك إغواءً بحرق الجسور مع عملك القديم. لا تستجِب لهذا الإغواء، واحرص على أن تُخلِّف وراءك مشاعر طيّبة.

بيانكا نوجرادي

  • Published online:
الخروج السلس من الوظيفة قد يعبِّد الطريق أمام فرص أخرى في المستقبل.

الخروج السلس من الوظيفة قد يعبِّد الطريق أمام فرص أخرى في المستقبل.

Credit: Getty

يكثُر في أفلام السينما تصوير لحظة ترْك العمل، كما نجد في أفلام مثل «يوميات بريدجت جونز» Bridget Jones’s Diary، و«جيري ماجواير» Jerry Maguire، و«جمال أمريكي» American Beauty؛ إنها لحظة مُحرِجة للموظف، الذي سيصير بعد لحظات موظفًا سابقًا، ولحظة يقرر فيها الموظف، في طريقه خارجًا، حرق كل الجسور مع الشركة أو المؤسسة، أو يُحمل حملًا ليُلقَى به خارجها.

ولكن بالإمكان جعل تلك اللحظة الوظيفة ألطف كثيرًا من تلك الصورة السينمائية. فربما وقع عليك الاختيار من إحدى شركات التوظيف، وتلقيت عرضًا ماليًا لا يقاوَم، وربما صارت وظيفتك مملَّة، وتظن أنْ قد حان الوقت للبحث عن أخرى، أو ربما انتهى تعاقدك فحسب. بل لا يبعُد أن يتسرب إليك الإحباط لعدم الحصول على الموقع الوظيفي الذي تطمح إليه، أو تحدِّثك نفسك بأن عملك لا يضيف شيئًا، لأن زميلًا لك يقوم بدور مماثل، هذا إذا لم تُفصل من عملك من الأصل.

كان على باحث البيولوجيا الطبية، لي كولتاز، الذي يعمل في معهد وولتر آند إلايزا هول للأبحاث الطبية في مدينة ملبورن الأسترالية، أن يُطيل التفكير حتى انتهى إلى ترك عمله كرئيس مختبر. يقول لي إنه خلال مشوراه المهني في البحث الأكاديمي، استقرَّ في وعيه – بالتدريج – أن تكون ثمار عمله البحثي لابد أن تكون معارف "مفيدة لعموم البشر، فلا تكون معرفةً من أجل المعرفة، وإنما معرفة تهدف إلى تحسين حياة الناس". وعليه، فحين بزغت فرصة وظيفية في مجال تطوير منتجات تجارية معتمدة على البحث العلمي في معهد «وولتر وإلايزا هول» في فبراير 2020، تلقَّفها، خاصة أنها تزامنت مع نهاية مشروع بحثي كان شارك فيه، وحصول متدرب في مختبره على شهادة الدكتوراه.

تغييرات مهنية

يبدو أن الجائحة العالمية قد غيرت المسارات الوظيفية للكثيرين، سواء أكانوا راغبين في هذا التغيير، أم مُحجمين عنه. فقد شهدت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، عددًا غير مسبوق من حالات الاستقالة على مدار هذا العام، فيما وصفته وسائل الإعلام بأنه "موجة الاستقالات العالية". فقد أشار استبيان أُجري العام الماضي، وشارك فيه ثلاثون ألفا من 31 دولة، بتمويل من شركة «مايكروسوفت»، ومقرها مدينة ريدموند بولاية واشنطن الأمريكية، إلى أن أكثر من 40% من المشاركين كانوا يفكرون في ترك وظائفهم خلال العام التالي. وأشار استبيان آخر، شارك فيه ألفان من المملكة المتحدة وأيرلندا، إلى أن نحو 38% من المشاركين كانوا يخططون للانتقال إلى وظيفة أخرى خلال الأشهر الاثنى عشر التالية.

وأيًا كانت ظروف ترك العمل، يجوز القول إن هناك طريقة صائبة للرحيل، وطريقة خاطئة (انظر: كيف تترك عملك بشكلٍ لائق؟). أما الطريقة الخاطئة، فهي تلك التي تطالعنا بها أفلام هوليود. وأما الطريقة الصحيحة، فتقوم في أساسها على أهمية أن تترك مشاعر طيبة في نفوس زملائك ورؤسائك السابقين (إذ ربما يصيرون زملاءك ورؤساءك المستقبليين كذلك). هذه الطريقة هي ما تُسهم في في تحقيق انتقال سلس للموظف الذي سيحل محلك، ومن ثم يحُول دون تقويض الإنجازات التي أسهمت في إنجازها خلال فترة شَغلك تلك الوظيفة.

تعمل باحثة الوراثة الإكلينيكية أدريان نوجنت عن بُعد، من مدينة جلفورد بولاية كونيتيكت، في شركة البيانات الجينية «إنفيتي» Invitae، ومقرها مدينة سان فرانسسكو بولاية كاليفورنيا. بحُكم عمل زوجها في الجيش الأمريكي، وما يترتب على ذلك من كثرة التنقُّل في أرجاء الولايات المتحدة، أصبح للباحثة باعٌ طويل في ترك الوظائف، والإقدام على البدايات الجديدة. أول الانتقالات جاء على غير انتظار، بعد عام واحد في وظيفة كان مقررًا لها أن تستمر عامين ونصف العام، حين كانت نوجنت قد بدأت عملها للتو كباحثة ما بعد الدكتوراه في معاهد الصحة الوطنية الأمريكية. تقول نوجنت: "كما هو الحال بالنسبة لأي باحث ما بعد الدكتوراه قضى عامًا في وظيفته، كان لديّ في تلك المرحلة العديد من التجارب في المختبر، والتي كان مخططًا أن تستغرق وقتًا طويلا لاكتمالها، بما في ذلك من فئران تجارب آخذة في التوالُد، وشراكات بحثية في طوي التكوُّن، وغير ذلك. ومن ثم، كان خبر اضطراري إلى ترك العمل قريبًا في غاية الصعوبة".

كان من حُسن حظ نوجنت أن وجدَتْ إلى جانبها الشخص الذي قدَّم لها الإرشاد والدعم اللازمين، فأرشدها إلى الاستمرار في وظيفتها عن طريق الجمع بين العمل عن بُعد، والعمل بدوام جزئي، والقيام بزيارة واحدة للمختبر أسبوعيًا (وإن تكبَّدت في سبيل ذلك سفرًا طوله نحو 290 كيلومترًا). رسّخت تلك التجربة، وتجارب أخرى أعقبتها، لدى الباحثة أهمية وقيمة أن يكون المرء واضحًا وصريحًا مع المؤسسات التي يعمل لديها طوال مرحلة التنقلات الوظيفية.

الرحيل بشكلٍ لائق

إذا قررتَ ترك وظيفتك، فعليك أولًا أن تنظر في عقد التوظيف، وأي اتفاقات أخرى وَقّعت عليها لدى التحاقك بالعمل، وذلك بحسب دينيس ماستون، مستشارة معارف الموارد البشرية لدى «جمعية إدارة الموارد البشرية» بمدينة برانديواين، بولاية ميريلاند الأمريكية.

تقول ماستون: "عليك الانتباه إلى تلك المستندات لدى الاستقالة من الوظيفة، لتتأكد من مراعاة الالتزامات القانونية التي وقعتَ عليها". فقد يتضمن تعاقد التوظيف، مثلًا، إلزام الموظف بإخطار الشركة أو المؤسسة بالرغبة في الاستقالة قبل فترة محددة من التقدُّم بها.

وفي حالة الوظائف العُليا، بصفةٍ خاصة، قد يتضمن العقد أيضًا بنودًا تلزم الموظف المستقيل بالحفاظ على سرية المعلومات حول وظيفته السابقة، أو بنودًا تحظُر على الموظف، لفترة محددة، أن يعمل في نفس القطاع، أو في مؤسسة منافسة بعد ترك وظيفته القديمة.

تكتسب هذه نقطة أهميةً خاصة في مجال العلوم الطبيعية. تقول روزماري جويات، المدير العام لشؤون الأفراد والثقافة المؤسسية بالمعهد الأسترالي للموارد البشرية في ملبورن، إن الباحثين في ذلك المجال قد يحوزون، لدى ترك وظائفهم، فيضًا من المعرفة والمعلومات. وتضيف: "وهذا اعتبار هام، خاصة إن كان الباحث سينتقل لوظيفة مشابهة، أو داخل المجال ذاته، أو في القطاع ذاته، ومن ثم ربما ينقل معلومات محمية بالملكية فكرية من شركة أو مؤسسة لأخرى".

روزماري جويات (إلى اليمين) توصي بأن يقدم الموظف (السابق) تقييمًا بناءً في مقابلة نهاية العمل.

روزماري جويات (إلى اليمين) توصي بأن يقدم الموظف (السابق) تقييمًا بناءً في مقابلة نهاية العمل.

Credit: Rosemary Guyatt

الخطوة التالية في مسار مغادرة الوظيفة أن تخبر مديرك. صحيحٌ أن الاستقالة المكتوبة أمر مطلوب، ولكن ماستون تقول إنه يحسُن بالموظف أن يتحدث مع مديره أو المشرف عليه أولًا، لتُنبئه بالخبر بصفةٍ شخصية. ولكن قبل أن يفعل ذلك، عليه أن يصوغ أسبابه ودوافعه لترك الوظيفة (صياغةً لا يجد حرجًا في أن يُطلع عليها الآخرين)، وعليه أن يحرص على ألا يَحِيد عن تلك الأسباب. تقول ماستون: "لا تُعلن لشخصين من نفس المؤسسة أسبابًا مختلفة عند الرحيل"؛ لتكن لديك سردية واحدة لهذه الأسباب". فأكبر الظن أن الزملاء سوف يُفاتحونك في الأمر، ومن ثم فإنك إن ذكرت أسبابًا مختلفة للمغادرة، ستشيع تلك الأسباب، حتى تتناهى إلى مسامع الجميع. تقول ماستون: "كن أمينًا في حديثك عن الوظيفة التالية، فعاجلًا أم آجلًا، سيعرف مديرك زملاؤك السابقون – على الأغلب – محطتك التالية".

وفضلًا عن ذلك، سوف تسنح فرصة في تلك الجلسة مع مديرك للتعامل مع تبعات الرحيل. مثلًا، بالنسبة للباحث كولتاز، وبحكم عمله مدير مختبر، ومن ثم تقع على كاهله مسؤولية عدد من الموظفين وطلبة الدكتوراه، كان عليه أن يتعامل مع الكثير من المهام الكبيرة قبل المغادرة. يقول كولتاز: "كانت هناك التجارب قيد الإجراء، التي ينبغي الانتهاء منها واحدةً تلو الأخرى في وقت أسرع؛ وهناك الموظفون الذين يعملون معك". ويضيف: "ثم هناك التمويل البحثي الذي تحصل عليه، والمشروعات البحثية قيد التنفيذ، ولابد من التأكد من أن كل تلك المهام تسير على ما يُرام".

في هذه الحالة، حرص كولتاز على أن تتزامن مغادرته مع انتهاء طالب الدكتوراه الذي يعمل تحت إشرافه من أبحاثه، واكتمال الالتزامات المصاحِبة للمنح البحثية، وبلوغ أبرز المشروعات البحثية في مختبره مراحلها النهائية، أو الانتهاء من نشر الأبحاث المتعلقة بها. صحيح أن شيئًا من ذلك التزامن حدث بمحض الصدفة، ولكن لم يكن من قبيل الصدفة أن راعى الباحث كولتاز، قدر المستطاع، آثار مغادرته على العاملين بالمختبر، وحاول التخفيف من تلك الآثار، وهو الاعتبار الذي ينبغي على كل أحدٍ أن يراعيه عند  ترك وظيفته. يقول كولتاز: "إنك تعمل مع أفراد لسنوات متصلة، خاصة طلبة الدكتوراه؛ إنك تستثمر فيهم جهدًا كبيرًا، وهم يستثمرون جهدًا ضخمًا في مشروعاتهم البحثية، وتنتظرهم آفاق مهنية واعدة، ومستقبل مشرق". ويضيف: "تأكد من أن كل هذا لا يتأثر سلبًا بقرار المغادرة".

وهنا أيضًا يحين وقت تحديد موعد الرحيل. حتى لو كان هذا التاريخ منصوصًا عليه في عقد العمل، ربما يمكنك التفاوض للمغادرة قبل الموعد، إذا قبلت المؤسسة ذلك.

تحدّيات محتمَلة

فإذا انتقلنا إلى عالِم الأعصاب مارك استال، الذي كان يشغل منصب مدير مختبر وباحث إكلينيكي بجامعة ولاية بنسلفانيا، ومقرها مدينة فيلادلفيا الأمريكية، لوجدنا أن رحيله عن وظيفته قد استغرق منه وقتًا أطول قليلًا. فقد تطلب الأمر أكثر من خمسة أشهر، منذ أن قرر المغادرة وحتى التحاقه بوظيفته الجديدة في شركة «نيوروكرين بايوساينسز» Neurocrine Biosciences في مدينة سان دييجو بولاية كاليفورنيا.

أول الالتزامات التي توجَّب عليه التعامل معها كان متمثَّلًا المنح البحثية، والتي اجتهد في تحصيلها خلال مدة عمله بالجامعة، على أن هذا كان التحدي الأقل صعوبة. يقول استال: "لحسن الحظ أو لسوئه، أغلب تلك المنح، وما يصحبها من التزامات، كانت على وشك الانتهاء". أما المنحتان البحثيتان اللتان ظلتا عالقتين، فقد استطاع الباحث أن يعهد بهما إلى زملاء، إحداهما لباحث في الدراسات العليا كان سيواصل العمل على المشروع البحثي، والأخرى لباحث عمل معه كباحث رئيس.

خاطبَتْ دورية Nature إدارة الموارد البشرية بمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، تطلب منها النصيحة. وفيما يلي رد المتحدث باسم المؤسسة:

  • اجعل ترك العمل فرصة لبناء الجسور، وليس حرقها.
  • عليك بإخبار مشْرفك قبل موعد المغادرة بوقتٍ كاف.
  • احرص على أن تتيح لزملائك القدامى وسائل للتواصل معك بعد انتقالك للوظيفة الجديدة.
  • اطلب مقابلة نهاية العمل، إن كان لديك نقاط قلق محددة ترغب في إطلاع المؤسسة عليها.
  • أخبِر مشرفك عن الأوراق البحثية غير المنشورة بعد، وحاول أن تتفق معه على موقعك من قائمة المؤلفين عند النشر.
  • حاول أن تصوغ اتفاقًا للتعاون، إن كنت تخطط للاستمرار في التعاون مع المختبر وزملائك القدامى.
  • اترك النسخ الأصلية لملاحظاتك البحثية، ولكن اطلب نسخًا ضوئية منها. وإن كنتَ ترغب في أن تصطحب معك أي مواد أو وثائق أو أجهزة بحثية، ينبغي عليك أن تحصل على الموافقة أولًا.
  • قم بإعداد قائمة بالمواد البحثية التي أسهمتَ في إنتاجها خلال عملك، واتركها في مكان يستطيع زملاؤك معرفة أماكن تخزينها، والحصول عليها عند الحاجة.
  • تأكد من أن اسمك قد رُفع من الإجراءات التنظيمية المتعلقة بخضوع بشر أو حيوانات للأبحاث التي شاركت فيها.
  • اسعَ إلى الحصول على موقف واضح للملكيات الفكرية (كبراءات الاختراع) التي حصلت عليها، ولكنها تبقى ملكًا للمؤسسة التي عملت بها. وإن كنت ترغب في مواصلة الاستفادة من تلك الملكية الفكرية في وظيفتك التالية، فعليك السؤال عن حدود وقيود تلك الاستفادة.
  • افعل ما بوسعك لمساعدة طلابك والمتدربين معك على الحصول على وظائف جديدة، والانتقال إليها بسلاسة.

أما التحدي الأكبر، فكان يكمُن في التعامل مع البعد الإكلينيكي لأبحاثه، والذي شمل مواعيد مع مرضى تستمر لنحو ستة أشهر في المستقبل. يقول استال: "عندما تدير عيادة متخصصة، فإنك لا تستطيع ببساطة أن تنهي العلاقة مع المرضى، وكأنك تضغط زرًّا".

وهناك تحدّ آخر لدى مغادرة وظيفة، يتجسَّد بشكلٍ خاص في مجال العلوم الطبيعية، وهو إدارة الأوراق البحثية قيد الإعداد، التي هي في سبيلها للنشر. ذلك أنك لو تركتَ مشروعًا بحثيًا في منتصفه، فربما يعني ذلك أن اسمك على الأوراق المنشورة قد يأتي في ذيل قائمة المؤلفين، بل ربما يُرفع من القائمة تمامًا. وفي هذا الشأن، تلفت الباحثة نوجنت الانتباه إلى أهمية الصراحة والشفافية حول حقوق التأليف، وضرورة أن تُجرى تلك النقاشات قبل المغادرة، مهما كانت صعوبة تلك الجلسات. وتضيف نوجنت: "الأمر الذي لا شك فيه هو أن التجارب التالية، أو تعليقات المُحَكّمين قبل النشر الأكاديمي، ستؤدي إلى إدخال تغييرات على الورقة البحثية. ومن ثم، فمهما كانت الصعوبة في الحديث عن حقوق التأليف لدى مغادرة الوظيفة، فإن مخاطبة الفريق البحثي برسالة حول الأمر، تشمل تلخيصًا لنتائج إسهامك البحثي، ستجنِّبك وزملاءك كثيرًا من المتاعب والمشاعر السلبية مستقبلًا".

تقول ماستون إن شركات عديدة تضع قائمة بالخطوات الواجب اتباعها لدى الرغبة في مغادرة الوظيفة. ويشمل هذا، ضمن ما يشمل، المستحقات المالية، وكذلك تسليم كلمات المرور، وحاسوب العمل، وحسابات البريد الإلكتروني.

وعندما يوشك وقتك في شركة أو مؤسسة على الانتهاء، فربما تُدعَى إلى حضور مقابلة نهاية العمل. تقول جويات إن هذا لا يحدث في كل المؤسسات، ولكنه من بين الممارسات شائعة في المؤسسات الكبيرة، الحريصة على فهم أسباب رحيل موظفيها. وتضيف: "قد تكون تلك المقابلات بالغة الأهمية، باعتبارها مصدرًا تستقي منه المؤسسة، سواءٌ أكانت حكومية أو خاصة أو غير هادفةٍ للربح، المعلومات والأفكار".

مقابلة نهاية العمل، حين يحسُن أداؤها، لابد أن تنطوي على موازنة حذرة بين الصراحة والتحفظ، خاصة إن حوت المقابلة أسئلة حول موضوعات حسّاسة، مثل الصراعات الشخصية مع زملاء سابقين. توصي ماستون "أن يتحلى الموظف في المقابلة بالهدوء، والتركيز على الإجابات البَناءة". وتضيف: "ولو قررتَ أن تكشف شيئا، فاكتفِ بذكر الحقائق، وحافِظ على الوضوح والمباشرة في إجاباتك، لأنك لا تعرف من سيطّلع على تلك الإجابات".

ولكن للصراحة أيضا أهميتها، خاصةً إنْ كان في مستطاع المؤسسة تحسين الموقف، مثلًا بالانتباه لأمور مثل ظروف العمل السيئة، أو غير الآمنة، أو غياب الأمان الوظيفي، أو تدنّي الأجور. تقول ماستون: "إن تكررت الإجابات السلبية من الموظفين المغادرين حول الأمور ذاتها، يتوجب على المؤسسة أن تنتبه لتلك المعلومات، وتغير سلوكها وفقًا للمعرفة التي تكوَّنت لديها". ويجدُر التذكير، في هذا الصدد، بأن مقابلات نهاية العمل غير سرّية، وما يُقال فيها قد يتَّصل بعلم الزملاء والمديرين السابقين.

تقييم أمين

تُسلِّم جويات بأهمية أن يقدّم الموظف تقييمًا أمينًا خلال مقابلة نهاية العمل، خاصةً عند التطرُّق لمسألة حسّاسة أو خطيرة، لا يمكن أن تُساق علنًا كسبب للاستقالة. تقول جويات: "يمكن للموظف أيضًا أن يتحدث مع مديره حول الأسباب الحقيقية وراء استقالته، فيخبره أن المدير لم يحالفه التوفيق في سلوكٍ بعينه، ولكنه سيقول في العلن إن سببًا آخر هو ما دفعه إلى الاستقالة". ولكن جويات توصي بعقد موازنةٍ ما بين الجوانب الإيجابية والسلبية، "بحيث لا يبدو الأمر وكأنك تلقي بحمل شعوري على مديرك عند نهاية عملك، كأنما تقول له: لقد شعرتُ بالكبت طوال مدة عملي، والآن أبوح بكل شيء: إنني أكرهكم جميعًا".

أما إذا لوحظ في بيئة العمل أمور أشد خطورة، مثل التنمر أو التحرش، ففي رأي جويات أنه تحسُن إثارة تلك النقاط قبل المغادرة، وليكن ذلك، على الأغلب، مع مسؤول من قسم الموارد البشرية، وحبذا لو كان مسؤولًا رفيعًا داخل المؤسسة. وتوصي جويات بأن ينحصر حديث الموظف السابق في الحقائق التي كان شاهدًا عليها، وليس ما نُقل إليه سماعًا، وأن يسجل موقفه كتابة. وتضيف: "عليك أن تسجِّل إن كنتَ أثرتَ تلك النقاط في الماضي، ومع مَن، وإن كانت أي إجراءات قد اتُّخذت على سبيل الاستجابة"؛ وإنْ كان ذلك دافعك إلى ترك العمل، فربما يحسُن بك أن تقول هذا صراحةً.

اكتشفت، إليزابث أولينو، باحثة الدكتوراه في مجال علم الأعصاب بجامعة ولاية كِنت، ومقرُّها مدينة أوهايو الأمريكية، وهي التي تطلَّعت منذ الصبا إلى أن تصبح أستاذة جامعية، أن العمل في الحقل الأكاديمي لم يكن مثلما توقعت. فساعات العمل الطويلة، وعطلة نهاية الأسبوع مزدحمة بمهام العمل، ومتطلبات التدريس، ثم شعور العزلة؛ كل ذلك ترك آثاره عليها، فقررت في أواسط 2021 أن تهجُر العمل الأكاديمي.

تقول أولينو: "عندما أدركتُ أنني لم أكن أنوي البقاء في الوسط الأكاديمي، وجدت نفسي أفكر طويلًا في القيم المحرّكة لسلوكي، والأشياء التي تحظى باهتمامي حقًا، وأي هذه الأشياء ينبغي أن يكون جزءًا من وظيفتي". كانت أولينو أيضًا أمينةً ومباشِرة مع مشرفها الأكاديمي حول أسباب ترك عملها. تقول: "كان الحوار مع مشرفي شيئا من قبيل: أعرف أني لم أمكث هنا فترة طويلة، ولكني أشعر أن هذا ليس مكاني". وأبلغَت مشرفها أنها كانت تبحث عن عملٍ آخر، بدلًا من الانتظار حتى تجد ذلك العمل، ثم تنبئه بقرار المغادرة. وأضافت: "كنت أحاول أن أكون دمثة مع المشرف، وأن أيسّر عليه استقدام باحث ما بعد-دكتوراه آخر، ليحل محلي".

توصي جويات بضرورة ترك فاصل زمني بين الوظيفتين، وليكن أسبوعين؛ إذ "كثيرًا ما ينتقل الموظف للوظيفة الجديدة بمجرد انتهاء فترة إخطار الوظيفة القديمة، ليجد أنه يتمنى لو أعطى نفسه عطلةً، ولو لأسبوع، واحد قبل الانتقال". لا يبعُد أن تكون قد استغرقتَ وقتًا غير قصير في البحث عن الوظيفة الجديدة، وما يستتبعه ذلك من ملء استمارات، والتحضير لمقابلات، والتحري عن الوظيفة – كل ذلك وأنت ملتزمٌ بأداء مهام الوظيفة القديمة.

وأهمية الفصل بين الوظيفتين تتعالى هذه الأيام، حيث يبدأ التمهيد للانتقال للوظيفة الجديدة قبل الالتحاق الفعلي بالوظيفة الجديدة بوقت غير قصير. تقول جويات إن "التمهيد للانتقال، والذي يحدث عن بُعد عبر الإنترنت، يتضمن غالبًا الاطلاع على سياسات المؤسسة، والإجراءات المتبعة فيها، وتوقيع مستندات، والإلمام بطبيعة عمل المؤسسة – غالبا سيرسلون لك الكثير من المواد لتقرأها". ومن ثم فإن حصولك على أجازة قصيرة بين الوظيفتين فرصة لالتقاط الأنفاس والاستعداد للوظيفة الجديدة بتحدياتها. "إذ يُنتظر منك أن تكون في أقصى الاستعداد حين تبدأ وظيفتك الجديدة: فهي ستتطلب مستوى أعلى من تركيزك"، بحسب جويات.

والحق أن ترك عملٍ للالتحاق بآخر في أثناء الجائحة ينطوي على تحديات استثنائية؛ ذلك أن أغلب الموظفين المغادرين لا يُتاح لزملائهم تنظيم حفلة وداع لهم، لأن أغلب الموظفين يعملون عن بعد، من منازلهم. يُضاف إلى ذلك أنه، في أماكن كثيرة، وضعَت سلطات الصحة العامة قيودًا على التجمعات في المطاعم والنوادي. وقد تفرض ظروف الجائحة أيضًا أن يبدأ المرء وظيفته الجديدة عن بُعد، فلا تُتاح له فرصة لقاء زملائه الجدد وجهًا لوجه، أو أن يحظى بلقاء ترحيبي، أو أن يُعاين بنفسه بيئة العمل الجديدة. تقول جويات: "هذا يتطلب من الموظف الجديد مستوًى أعلى بكثير من الجهد والتركيز".

وتوصي جويات، أخيرًا، بأن يقاوم المرء إغواء ذم جهة العمل عند الرحيل عنها. فنقد المؤسسة السابقة له قنواته المشروعة، ويجب أن يحدُث قبل المغادرة، وبعدها، "اطوِ الصفحة"، كما تقول جويات، التي تضيف: "يحسُن بك أن تترك وراءك مشاعر طيبة، ثم تجعل التجربة وراء ظهرك".

بيانكا نوجرادي صحافية علمية مستقلة تقيم في مدينة سيدني الأسترالية.