أنباء وآراء

رصد كوكب عملاق يدور حول نجمين ضخمين

تمكَّن العلماء من رصد كوكب عملاق يدور حول نظام نجمي ثنائي، يحوي أضخم ما اكتُشِف حتى الآن من النجوم المضيفة للكواكب. يثير هذا الاكتشاف التساؤلات حول النماذج القائمة التي تحاكي طريقة تشكُّل النجوم والكواكب.  

كيتلين كراتر

  • Published online:

لو طُلِب من طفلٍ قبل ثلاثين عامًا أن يرسم كوكبًا، ربما كانت مهمته ستكون سهلة نسبيًّا؛ لعله كان سيرسم كوكب الأرض يدور حول الشمس، أو ربما كان سيرسم كوكب زحل بحلقاته الجميلة المحيطة به. أمَّا الآن، فقد أصبحت الخيارات المتاحة كثيرة إلى حدٍّ محيِّر. فبالنظر إلى التطورات الهائلة التي طرأت على تقنيات الرصد الفضائي، اكتُشف عدد لا يحصى من أنظمة كوكبية تستضيف كواكب ذات كتل متفاوتة، وتدور في مدارات متنوعة حول مجموعة منوعة من النجوم. وفي دراسة حديثة، منشورة على صفحات دورية Nature، يُثري الباحث ماركوس جانسون وفريقه1خيالنا الجماعي وما يحمله من تصورات عن شكل النظام الكوكبي، وذلك بتصويرٍ مباشر لكوكب تبلغ كتلته عشرة أمثال كتلة المشتري، ولا يدور حول نجم واحد، بل نجمين تبلغ كتلتهما معًا عشرة أمثال كتلة الشمس تقريبًا.

والحق أن علماء الفلك لا يتوانَون عن تغيير تصوراتنا عن أنظمة الكواكب، وتوسيع هذه التصورات. ففي عام 1992، كُشف النقاب عن عوالِم صخرية بالغة الصغر، تدور حول ألباب كثيفة لنجوم ضخمة، تُعرَف بالنجوم النيوترونية، وكانت هذه أول أجسام شبيهة بالكواكب تُكتَشَف خارج المجموعة الشمسية2 وبعد ذلك بثلاث سنوات، تلقينا هديةً، تمثلت هذه المرة في اكتشاف «كواكب المشتري الساخنة» hot Jupiters، وهي كواكب عملاقة، أيامها في نفس طول سنواتها، ولها فترات مدارية أقصر من الأسبوع الواحد في زمن كوكب الأرض3 وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أسعدنا تليسكوب «كِبلر» Kepler الفضائي بأن كشف لنا أنَّ تلك الكواكب الأخرى المُكتَشَفة ليست فقط متنوعة إذا قورنت بكواكب المجموعة الشمسية، لكنها كذلك على قدر هائل من الشيوع. وهكذا، اتضح فجأة أنَّ في مجرة درب التبانة من الكواكب أكثر ممَّا فيها من النجوم4.

وقد اعتمدت هذه الاكتشافات الكوكبية المفاجئة كلها على تقنيات الكشف غير المباشر، التي يُستدل فيها على وجود كوكب مما يطرأ على ضوء أحد النجوم من تغيرات. لكنَّ العقود الثلاثة الماضية شهدت كذلك اكتشافات استثنائية باستخدام تقنية التصوير المباشر5 ويُشبه هذا النهج التقاط صورة فوتوغرافية، عدا أنه يتطلَّب حساسيةً تكافئ التقاط ضوء واحد من أضواء عيد الميلاد في ملعب كرة قد مُضاء بخمسمئة كشاف من كشافات الأضواء الكاشفة البراقة.

وتُعَد الكواكب التي اكتُشِفَت بالتصوير المباشر حتى الآن بمثابة أجرام رفيقة للكواكب الأخرى، المكتشفة بطريقة غير مباشرة، غير أنها في الوقت نفسه مختلفة عنها كل الاختلاف. ذلك أن المسافة الفاصلة بين هذه الكواكب والنجوم التي تدور حولها عادةً ما تساوي مئات أمثال المسافة بين الأرض والشمس، وتصل كتلتها إلى عشرة أمثال كتلة كوكب المشتري (الشكل 1). فهل هي كواكب أصلًا؟ أم أنها أقرب إلى أن تكون نجومًا، إلا أن كتلتها لا تزداد إلى الحد الذي يكفي لبدء عملية الاندماج النووي، الذي يمثِّل تعريف النجمية؟

ويتميِّز النظام الذي تَعرَّف عليه جانسون وزملاؤه بعدة مميزات: فهو لا يدور حول نجم واحد، بل نجمين اثنين، كلاهما أضخم من أي نجم اكتُشف سابقًا من النجوم المضيفة للكواكب6 وصحيح أنه ليس أول كوكب يُكتشف أنه يدور حول نجمين7، لكنَّ مثل هذه الكواكب نادرة الوجود، فعددها حوالي اثني عشر كوكبًا فقط. وكذلك فإن مداره يعد واحدًا من أوسع المدارات المُكتشَفة حتى الآن؛ إذ أنَّ المسافة الفاصلة بين الكوكب والنجمين اللذين يدور حولهما أكبر بنحو 500 مرة من المسافة بين كوكب الأرض والشمس (الشكل 1). وصحيح أنَّ قيمة قُطر هذا المدار مقاربةً لقُطر مدار كوكب «سِدنا» Sedna القزم، الذي يدور عند حافة المجموعة الشمسية، لكن كتلة الكوكب المُكتشَف حديثًا أكبر مليون مرة من كتلة كوكب «سدنا».  

الشكل 1 | النسبة بين كتلة الكواكب المُكتشَفة وكتلة نجومها المضيفة كدالةٍ في المسافة الفاصلة بينها. تُمثِّل كل نقطة كوكبًا مؤكدًا، يدور حول نجم ذي كتلة معروفة بدقةٍ لا تقل عن 30%. المسافة الفاصلة المرصودة بين الكواكب ونجومها تُقاس بالوحدات الفلكية (au)، علمًا بأن الوحدة الفلكية الواحدة تساوي المسافة بين كوكب الأرض والشمس. وقد استخدم الباحث ماركوس جانسون وزملاؤه تقنية التصوير المباشر لرصد كوكب يدور حول نجمين، وهذا الكوكب موضَّح هنا بعلامة ماسية حمراء. أمَّا النقاط الحمراء الأخرى، فهي تُمثِّل كواكب أخرى مرصودة أيضًا بتقنية التصوير المباشر. ومن بين هذه الكواكب، يتسم الكوكب الذي اكتشفه جانسون وفريقه بنسبة منخفضة إلى حدٍّ استثنائي بين الكتلة الكوكبية والكتلة النجمية، مقارنةً بتلك النسبة المميِّزة للكواكب واسعة المدارات، كما هو الحال في مدار الكوكب موضع البحث. (منقول بتصرُّف من الشكل 2 في المرجع 1.)

الشكل 1 | النسبة بين كتلة الكواكب المُكتشَفة وكتلة نجومها المضيفة كدالةٍ في المسافة الفاصلة بينها. تُمثِّل كل نقطة كوكبًا مؤكدًا، يدور حول نجم ذي كتلة معروفة بدقةٍ لا تقل عن 30%. المسافة الفاصلة المرصودة بين الكواكب ونجومها تُقاس بالوحدات الفلكية (au)، علمًا بأن الوحدة الفلكية الواحدة تساوي المسافة بين كوكب الأرض والشمس. وقد استخدم الباحث ماركوس جانسون وزملاؤه تقنية التصوير المباشر لرصد كوكب يدور حول نجمين، وهذا الكوكب موضَّح هنا بعلامة ماسية حمراء. أمَّا النقاط الحمراء الأخرى، فهي تُمثِّل كواكب أخرى مرصودة أيضًا بتقنية التصوير المباشر. ومن بين هذه الكواكب، يتسم الكوكب الذي اكتشفه جانسون وفريقه بنسبة منخفضة إلى حدٍّ استثنائي بين الكتلة الكوكبية والكتلة النجمية، مقارنةً بتلك النسبة المميِّزة للكواكب واسعة المدارات، كما هو الحال في مدار الكوكب موضع البحث. (منقول بتصرُّف من الشكل 2 في المرجع 1.)   

كبر الصورة

ونظرًا إلى ما يتسم به هذا النظام من خصائص استثنائية، يتعارض هذا الاكتشاف مع ما تقول به النماذج الحالية، التي تُحاكي طريقة تكوُّن الكواكب، وفي الوقت نفسه يُحسِّن فهمنا لكيفية تكوُّن النجوم الضخمة. تتكون معظم الكواكب خلال عملية متدرجة تصاعديًّا تُعرَف بعملية تراكُم اللُّب الكوكبي. ففي القرص المؤلف من غاز كثيف، الذي يحيط بالنجم الجديد، والمعروف باسم القرص الكوكبي الأوّلي، تتجمَّع حبيبات الغبار الصغيرة مكوِّنة كُتلًا، تتركز شيئًا فشيئًا، وتهوي نحو مركز الجاذبية في النهاية، مكوِّنة أجسامًا يتراوح قطر الواحد منها بين 10 كيلومترات و100 كيلومتر8. ثم تتفاعل هذا الأجسام معًا، بفعل قوى الجاذبية؛ إذ يصطدم بعضها ببعض، وتنجذب إليها جسيمات الحطام الفضائي القريبة، إلى أن تبدأ في التحول إلى ما يُشبه كواكب صخرية صغيرة.

وعندئذ، تختلف مصائر الكواكب. فإذا كانت هذه الأجسام الصخرية كبيرة بما يكفي، تبدأ في جمع الغاز على نحوٍ تراكميّ من القرص الكوكبي الأولي، ليتكون حولها بذلك غلاف جويّ كبير من الهيدروجين والهيليوم، كغلاف كوكب المشتري أو زحل. وفي حالات أخرى، تَعجز عن تجميع كمية كافية من الغاز، وبدلًا من ذلك تُصبح كواكب صخرية أو جليدية بدون غلاف جوي كبير، وهذان هما أكثر أنواع الكواكب شيوعًا.   

ولكن توجد آلية بديلة محتملة لتكوُّن الكواكب. فبدلًا من تلك الطريقة المذكورة آنفًا، ربما تتكون الكواكب ذات الكتلة الكبيرة من خلال عدم استقرار قوى الجاذبية، مثل بعض الأنظمة النجمية الثنائية، والنجوم القزمة البُنِّية9. وهذا النموذج، المتدرج من الفكرة النهائية العامة إلى التفاصيل الأولية، يتطلب أن تكون كتلة القرص الكوكبي الأوّلي هائلة إلى حد التسبُّب في انهيار جزء من القرص، وانهيار بعضه في بعض، تحت تأثير قوى جاذبيته. وعندما يحدث ذلك، ينشأ جسم ثانوي صغير، ويبدأ في الدوران حول النجم.

لو كان الكوكب الذي اكتشفه جانسون وزملاؤه يدور حول نجم شبيه بالشمس، كان هذا النموذج المتدرج من الفكرة النهائية العامة إلى التفاصيل الأولية سيُصبح مناسبًا لوصف كيفية تكوُّنه. غير أنَّ التوقعات تشير إلى أنَّ النسبة بين الكتلة الكوكبية والكتلة النجمية أكثر ارتباطًا بتكوُّن الكوكب من الكتلة نفسها، والنسبة بين الكتلتين في هذا النظام شبيهة جدًّا بالنسبة بين كتلتي المشتري والشمس (الشكل 1). وفي هذا السياق، تبدو آلية تراكم اللب النموذجية معقولة لتفسير تكوُّنه.

يُضاف إلى ذلك أن آلية عدم استقرار الجاذبية غالبًا ما تنشأ عنها أجسام هائلة الحجم، بل بالغة الضخامة في الواقع إلى حدٍ يتعذَّر معه التحول إلى كواكب9. ويُعَد هذا الكوكب ضئيل الحجم، مقارنةً بالنجم الذي يدور حوله، ما يجعل احتمالية تكوُّنه عبر آلية تراكم اللب أرجح من احتمالية تكونه بآلية عدم استقرار الجاذبية؛ إذ ربما لا يعدو أن يكون كوكبًا شبيهًا بكوكب المشتري، وقد دُفِع إلى أقصى أقاصي مجموعته النجمية، بالتفاعل مع النجمين اللذين يدور حولهما. وفي هذا الصدد، يُمكن الاستعانة بإحصاء الكواكب المصاحبة لنجوم ضخمة على نطاق واسع، إذ من شأن ذلك أن يساعد على توضيح آلية تكوُّنها بالضبط.

ولا عَجَب في أنَّ يرتبط اثنان من أضخم النجوم (المعروف عنها أنها تستضيف كواكب) في ثنائي نجمي متقارب؛ فكل النجوم الضخمة تقريبًا لها نجوم مرافقة10 وبالرغم من تكرار رصد نجوم بهذه الضخامة، ما زالت آليات تكوُّنها موضع نقاش لم يُحسَم بعد. وهذا الاكتشاف الذي توصَّل إليه فيه جانسون وزملاؤه، برصدهم كوكبًا يدور حول ثنائي نجمي متقارب، يُعد دليلًا على أنَّ هذا الثنائي النجمي قد استضاف قرصًا ضخمًا طويل العمر من الغاز والغبار. وإن دلَّ ذلك على شيء، فإنما يدلُّ على أنَّ ذلك الثنائي النجمي الضخم قد تكوَّن بطريقةٍ مشابهة لطريقة تكوُّن النجوم منخفضة الكتلة: عبر تجميع الغاز تجميعًا تراكميًّا من أحد الأقراص. بل ولا يبعُد أن يكون أحد النجمين قد تكوَّن من خلال عدم استقرار الجاذبية.

References

  1. Janson, M. et al. Nature 600, 231–234 (2021). | article
  2. Wolszczan, A. & Frail, D. Nature 355, 145–147 (1992). | article
  3. Mayor, M. & Queloz, D. Nature 378, 355–359 (1995). | article
  4. Youdin, A. N. Astrophys. J. 742, 38 (2011). | article
  5. Marois, C. et al. Science 322, 1348 (2008). | article
  6. Gaudi, B. et al. Nature 546, 514–518 (2017). | article
  7. Doyle, L.-R. et al. Science 333, 1602–1606 (2011). | article
  8. Nesvorný, D., Li, R., Youdin, A. N., Simon, J. B. & Grundy, W. M. Nature Astron. 3, 808–812 (2019). | article
  9. Kratter, K. & Lodato, G. Annu. Rev. Astron. Astrophys. 54, 271–311 (2016). | article
  10. Moe, M. & Di Stefano, R. Astrophys. J. Suppl. Ser. 230, 15 (2017). | article