افتتاحيات

إشراك العلماء في نقاشات مؤتمرات المناخ ضرورةٌ لا غنى عنها

أبدى كثير من الباحثين استياءهم من نتائج قمة المناخ «كوب 26» المخيّبة للآمال، التي انعقدت في مدينة جلاسجو بالمملكة المتحدة. ولكن الأمر ربما يتحول إلى مأساة حقيقية لو انسحبوا من مسار مؤتمرات الأطراف المعنِيّة.

  • Published online:

في الثالث عشر من نوفمبر الماضي، اختُتمتْ فعاليات مؤتمر تاريخي طال انتظاره، وهو الدورة السادسة والعشرون من مؤتمر أطراف الاتفاقية الإطارية بشأن تغيُّر المناخ، المعروف اختصارًا بـ«كوب26» (COP26)، ورغم أنه كان من المقرر للمؤتمر الاستمرار لمدة أسبوعين، فقد امتدت فعالياته لأربع وعشرين ساعةً إضافيّةً زيادة عن الموعد المُحدَد. وقد تحققت بعض الإنجازات البارزة في هذا المؤتمر، إذ أعلنت مزيد من الدول، من بينها الهند للمرة الأولى، عن تعهدها بالوصول إلى حالة محايدة الكربون بحلول عام 2070. كما التزمت الدول الأغنى بمضاعفة تمويلها، الذي يُعرف بالأموال المخصصة للتكيّف، لمساعدة الدول منخفضة ومتوسطة الدخل (LMICs) في التعامل مع الآثار المناخية الضارة. وقد اتفقت الأطراف كذلك على قواعدَ تنظم تجارة انبعاث الكربون، وأن يقدم قادة العالم تقريرًا سنويًا بشأن ما ينجزونه من تقدمٍ في خفض الانبعاثات الضارة.

ولكن من ناحية أخرى، كشفت دراسة صادرة عن موقع «كلايمت آكشن تراكر»Climate Action Tracker، أجراها نيكلاس هون، من جامعة فاخينينجن في هولندا، وزملاؤه، أنه حتى مع تنفيذ التعهدات التي أُعلنت في مؤتمر «كوب»، فلا يزال من المتوقع ارتفاع درجات الحرارة بـ2.4 درجة مئوية بحلول عام 2100 (انظر go.nature.com/3nn4hww)، ما يزيد كثيرًا عن هدف 1.5 درجة مئوية، الذي وافقتْ عليه الأطراف المعنية في قمة باريس للمناخ عام 2015. وستكون الآثار الناتجة عن ذلك كارثية على الأرجح.

وكشف كثير من الباحثين، على الناحية الأخرى، عن استيائهم بشأن عدم اتخاذ تدابير أكثر جدّية بشأن الحد من انبعاثات غازات الدفيئة، وهم مُحقّون في غضبهم تمامًا، لكن الوضع سيتحول إلى مأساة حقيقية، لو قادهم ذلك إلى الانسحاب من مسار مؤتمر الـ«كوب»، ومن كفاح البشرية في التصدي لتغيّر المناخ الكارثي.

جديرٌ بالذكر أن مؤتمر «كوب26» هو الحدث الأهم من نوعه منذ مؤتمر باريس للمناخ، وإن كان في الوقت ذاته حلقة ضمن سلسلة أطول من الإجراءات، إذ يعد بمثابة تقييم لما أُبرم من تعهدات في مؤتمر باريس. وقد أحرز مؤتمر «كوب26» تقدمًا على عدة أصعدة، وهو ليس الفرصة الأخيرة لاتخاذ إجراءات فعليّة؛ فمهمته الأساسية ستستمر في مؤتمر «كوب27»، المزمع عقده العام المقبل في مصر. ولكن في وقت يقترب فيه الكوكب من مواجهة أحد أخطر العقود التي مرّ بها على الإطلاق، ينبغي على الباحثين اغتنام أية فرصة تلوح أمامهم لتوسيع أدوارهم في تلك العملية.

تضمَّن الاتفاق النهائيّ كلمات وعبارات وتعهدات لم يسبق لها الظهور في نصوص الاتفاقات المشابهة، فإلى جانب مضاعفة تمويل التكيّف مع التغيرات المناخية، ليصبح 40 مليار دولار أمريكي سنويًا بداية من عام 2025، فللمرة الأولى، تتفق الدول ذات الدخل المرتفع، ومن ضمنها الدول المصدرة للنفط والغاز، على لغةٍ واضحةٍ تدعو إلى تقليل الاعتماد على الطاقة التي تستخدم الفحم، ووقف بعض أشكال الدعم الحكومي لأنواع أخرى من الوقود الأحفوري. وكانت الدول ذات الدخل المرتفع ترغب في التخلص الكامل من الفحم بصورة تدريجية، لكن الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط فرضت حلولًا وسطية، في إشارة إلى عدم توفر مصادر بديلة للطاقة في عدة مناطق من العالم حتى يومنا هذا.

وقد وافقت الدول ذات الدخل المرتفع على إنشاء إدارة معنيّة باستئناف الأبحاث حول إمكانية إنشاء صندوق يغطي الخسائر والأضرار، يُقدّمون من خلاله تعويضات للدول ذات الدخل المنخفض، التي تضررت من تغيّر المناخ، ولم يكن لها يدٌ في حدوثه. وخلال الأسبوع الأول من «كوب26»، أعلنت أكثر من 400 شركة في القطاع المالي عن نيتها تحويل استثمارات بقيمة تريليونات الدولارات إلى المؤسسات التي تلتزم بتحقيق صافي انبعاثات صفريّ.

مُنع الباحثون من الوصول إلى الغرف التي كانت تنعقد فيها المباحثات.

تمثل هذه التعهدات إنجازًا حقيقيًا، إذ قوبلتْ بمعارضة شديدة حتى خرجتْ إلى النور، وبعضها استغرق إعداده أكثر من 30 عامًا. ولكن تحت هذا السطح الهادئ، تجيش موجة عارمة من الخلافات حول وضع تعريفات محددة وتفاصيل لآليات تنفيذ التعهدات، وهنا بالتحديد سيكون إسهام المجتمع البحثي محوريًّا وفاصلًا. فعلى سبيل المثال، تدعو نصوص التعهدات إلى خفض عمليات استخدام الفحم "بلا رادع"، في إشارة إلى حرق الفحم دون احتجاز الكربون الناتج وتخزينه. ولكنّ على أرض الواقع، فحتى محطات الفحم المجهزة بمعدات تسمح باحتجاز الكربون تُنتج هي نفسها الملوثات، وهنا يأتي دور الباحثين للحديث عن ذلك بوضوح.

وثمّة مسألة جوهرية أخرى ترتبط بتأثير الالتزام بالتعهدات الهادفة لتحقيق «صافي الانبعاثات الصفري»، إذ يشيع استخدام هذه العبارة حاليًا بوصفها مؤشرًا على الالتزام بإزالة الكربون؛ إلا أنه لا يوجد تعريف أو مقياس متفق عليه لتحديد صافي الانبعاثات الصفري. ودون الاتفاق على توصيف دقيق، فمن المستحيل معرفة ما إذا كانت تعهدات تحقيق هذا الهدف ستضع حدًّا بالفعل لظاهرة الاحترار العالمي أم لا. بل نحن لم نصل إلى تعريف متفق عليه للتمويل المرتبط بالمناخ؛ فالدول الغنية تقدم دعمًا ماليًا، يصل إلى حوالي 80 مليار دولار سنويًا، تحت بند التمويلات المرتبطة بالمناخ، إلى دول ذات دخل منخفض ومتوسط، لكنّ عدم وجود تعريف مُتفق عليه يعني أن عمليات التمويل هذه ستغلب عليها القروض، وستتضمن عناصرَ أخرى مثل المساعدات الإنمائية، كتمويل المدارس وتوفير المياه النظيفة، والتي لا تسهم بصورة مباشرة في خفض انبعاثات الكربون.

لا شك أن العمل البحثي قادرٌ على توجيه كافة هذه القضايا، ولهذا تفتح الأمم المتحدة باب المشاركة في تقديم الإسهامات البحثية ذات الصلة، إذ طالب أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، مجموعةً من الخبراء بتقديم «مقترح بمعايير واضحة» لقياس وتحليل تعهدات الشركات بتحقيق صافي الانبعاثات الصفري. كما أجمعت الوفود المشاركة في «كوب26» كذلك على ضرورة استمرار جهود فريق الخبراء الذي يقدم الاستشارات حاليًا لاتفاقية الأمم المتحدة للمناخ، حتى يمكن التوصل إلى تعريف التمويلات المرتبطة بالمناخ.

إن الوقت المتاح أمامنا للتصرف قصير، ومن ثم، لا بد من تحديد كافة المُستشارين بأسرع ما يكون، على أن يُغطوا مختلف التخصصات: فعلى سبيل المثال، من الضروري أن تشتمل مجموعة المشورة بشأن معايير قياس صافي الانبعاثات الصفري، على فيزيائيين يعملون جنبًا إلى جنب مع اقتصاديين وباحثين يدرسون منهجية إنشاء المؤشرات المالية. كما أن مشاركة باحثين من مؤسسات تقع في دول ذات دخل منخفض ومتوسط، وسماعَ آرائهم، مسألةٌ بالغة الأهمية.

ومن تجربة دورية Nature في تغطية مؤتمر «كوب26»، من الملاحظ تقليص مساحات دمج الباحثين في صنع قرارات السياسات المناخية. بل في الواقع كثيرًا ما منع منظمو المؤتمر الباحثين من الوصول إلى غرف انعقاد المباحثات، رغم أن الأمم المتحدة تعطي للباحثين الحق في متابعة المفاوضات مباشرةً، حتى يتمكنوا من استخدام هذه الخبرات وتضمينها جزءًا من مشاريعهم البحثية أو تدريس دراسات الحالة. وقد وعد مكتب اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغيّر المناخي بالنظر في أسباب حدوث معوقات كهذه في وجه الباحثين؛ إذ ينبغي عدم تكرار هذه التجارب في أي مؤتمر للأطراف في المستقبل.

لن نتمكن من إيقاف الاحترار العالمي دون تحقيق شراكة بين الدول، أو اتفاق تؤمن به جميع الأطراف وتقبله. ولكنّ الدول في الوقت الحالي، على مختلف مستويات التنمية الاقتصادية التي تُحققها أو قابليتها للتأثر بتغيّر المناخ، أشبهُ بجزرٍ منعزلة. ومنذ اليوم الأول لانطلاق مؤتمرات الأطراف المعنِيّة، كان للباحثين ومجهوداتهم إسهامٌ كبير في رأب صدع هذه الانقسامات؛ وينبغي أن يُسمح لهم بمواصلة أداء هذا الدور، اليوم وفي المستقبل.