كتب وفنون

شهادة كاشفة لخبير أمريكي في دعوى قضائية لمواجهة التغير المناخي 

هل تسببت الحكومة الأمريكية في جعل مواطنيها يدمنون استهلاك الوقود الأحفوري؟ أحد الخبراء يطرح أدلة على ذلك.

  • Published online:
مجموعة من الشباب في أثناء مسيرة نُظِّمت عام 2018 أمام المحكمة العليا الأمريكية لدعم قضية التغيُّر المناخي المعروفة باسم «جوليانا وآخرون ضد الحكومة الأمريكية».

مجموعة من الشباب في أثناء مسيرة نُظِّمت عام 2018 أمام المحكمة العليا الأمريكية لدعم قضية التغيُّر المناخي المعروفة باسم «جوليانا وآخرون ضد الحكومة الأمريكية».

Credit: Win McNamee/Getty

«جريمة متعمدة: دور الحكومة الفيدرالية الأمريكية في خلق الأزمة المناخية على مدار خمسة عقود» They Knew: The US Federal Government’s Fifty-Year Role in Causing the Climate Crisis، جيمس جوستاف سبيث

دار نشر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (2021).

كان الأسبوعُ الأخير من شهر مايو من العام المنصرم، بحسب وصف أحد أبرز محامِي  التقاضي، "أسبوعًا حافلًا بالانتصارات  الكفيلة بأن تُثلِج صدر أي محامٍ معنِي بقضايا المناخ"؛ إذ شهد ذلك الأسبوعُ صدورَ حُكْمين تاريخيين، كان لهما صدًى كبير في الأوساط القانونية. صدر أول الحُكْمين في السادس والعشرين من مايو  الماضي، عندما أمرتْ محكمة لاهاي المحلية في هولندا شركةَ «رويال داتش شل» Royal Dutch Shell بالعمل على تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة الصادرة عنها بنسبة 45% بحلول عام 2030، مُقارَنة بمستوياتها المسجلة في عام 2019. وكانت تلك أول مرة تصدُر فيها محكمة حكمًا مُلزِمًا لإحدى الشركات باتخاذ إجراء كهذا، مستندًا في حيثياته  إلى ضلوع الشركة في الإضرار بالآخرين. ولم يمر أكثر من يوم واحد على ذلك الحكم حتى صدر الحكم التاريخي الثاني، حينما قرر قاضٍ أسترالي أن وزيرة البيئة تَدين للأطفال الأستراليين بواجب الرعاية؛ أي إنها مُلزَمة أمام القانون بحمايتهم  من الأضرار المستقبلية المُتوقَّع أن تَنجُم عن زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي.

يأتي كلا الحُكْمين تتويجًا لسنوات من الكد والكدح من جانب أطقم قانونية وجهات ادعاء كرَّست نفسها للدفاع عن قضية المناخ. بيد أن للحكاية بقية؛ فهي لم تبدأ بالحُكْمين، ولن تنتهي عندهما. على سبيل المثال، رُفعت مؤخرًا 1850 دعوى قضائية حول العالم حاليًا لمواجهة التغيُّر المناخي، معظمها تَقدَّم به محامون متخصصون في قضايا المناخ ومُوكِّلون لهم، لجؤوا جميعًا إلى المحاكم سعيًا لمواجهة الأزمة المناخية من خلال سد الثغرات القانونية  التي خلَّفها بطء الإجراءات الحكومية أو قصورها. والواقع أن نجاحاتٍ مثل تلك التي تحققت في أستراليا وهولندا، ولم يكُن أحد ليتخيل حدوثها قبل عقد من الزمان، لم تحدث من فراغ، بل هي انتصارات جاءت بعد كفاح مرير في معركة ستستمر حول مفهومنا عن الحقوق والواجبات في ظل أزمة التغير المناخي. وعلاوة على ذلك، فإن أيًّا من الانتصارين لم يكُن ليتحقق لولا القضايا السابقة التي كان لها الفضل، سواء باءتْ بالفوز أو الخسارة، في دخول عِلم المناخ إلى ساحات القضاء.

هكذا يبدو المشهد العام الذي يتعين علينا أخذه في الاعتبار لكي نفهم كتاب جيمس جوستاف سبيث، الذي جاء في وقته. تأخذنا بدايات هذا الكتاب إلى تقرير فني كتبه سبيث في معترك قضية شهيرة متعلقة بالتغير المناخي، وهي القضية المعروفة باسم «جوليانا وآخرون ضد الحكومة الأمريكية» Juliana et al. v. US Government، والتي رفعها أمام محكمة مقاطعة أوريجون فريقٌ مُؤلَّف من 21 مُدَّعيًا شابًا، بمشاركة آخرين، في عام 2015. استندت حجج جانب الادعاء في القضية على ما نص عليه دستور الولايات المتحدة من أن الحكومة الفيدرالية منوط بها حماية حق المواطنين الأمريكيين في الحياة والحرية والتملُّك، فضلًا عن حماية الغلاف الجوي باعتباره جزءًا من "وقف عام" للدولة. زعَم الادعاء أيضًا أن الحكومة قد أخَلَّت بهذه الواجبات عبر "الترسيخ" لنظام توليد طاقة قائم على الوقود الأحفوري، على الرغم من "علمها بأضراره منذ زمن طويل".

وتوضح جوليا أولسون وفيليب جريجوري، محاميَا  المُدَّعين، في مقدمة الكتاب أنهما كانا في حاجة إلى أن يُثبتَا أمام المحكمة أن الحكومة لم تسمح بوقوع الأضرار المزعومة فحسب، بل تعمدتْ إحداثها أيضًا. وتَطلّب ذلك منهما إثبات أن سلوك الحكومة الفيدرالية كان سببًا رئيسيًّا في الإدمان الأمريكي لاستخدام الوقود الأحفوري، وهو ادعاء كان منوطًا بتقرير سبيث البرهنة على صحته.

كان ما أفضى إلى ظهور سبيث على منصة الشهود هو اختيار موفَّق. فمن خلال الخبرات المباشرة التي جناها في أثناء فترة عمله رئيسًا لمجلس الجودة البيئية الأمريكي في عهد إدارة الرئيس كارتر (1977-1981)، وهي الخبرات التي استمدها كذلك من دوره في تأسيس عدد من المنظمات البيئية غير الحكومية الكبرى، اكتسب القدرة على أن يسرد باختصار ووضوح، ما توفر له من أدلةَ علمية أمام سلسلة متعاقبة من الرؤساء الأمريكيين ومجالس النواب الأمريكية على مدار خمسة عقود. ويقدِّم سبيث في معرض حديثه عن تلك الفترة وصفًا تقشعر منه الأبدان؛ للهوة بين ما أوصى به العلماء والمستشارون من خطط عمل أكثر أمانًا للبيئة والسياسات الفيدرالية المُتَّبَعة في الواقع. وبالنظر إلى الغرض الأصلي من الكتاب، ألا وهو عرض الأدلة بالتفصيل، فلا عجب أنه يبدو أحيانًا أشبه بقائمة طويلة كاشفة للتحذيرات التي جرى تَجاهُلها. ولحسن الحظ، يسوق سبيث بعض التفاصيل المشوقة من أروقة عمله، وينثرها هنا وهناك عبر صفحات الكتاب لكسر الملل.

وفي هذا الصدد، يورِد الكتاب بعض النماذج المثيرة للاهتمام، من بينها التراجع السريع لإدارة جورج إتش. دبليو. بوش (1989-1993) عن إقرارها السابق بفوائد تطبيق سياسةٍ تقلل من الأخطار المناخية، وخضوعها فيما بعد لإرادة موظفين استخدموا أدلة وبيانات صاغتها صناعة الوقود الأحفوري بهدف إلقاء ظلال من الشك على الحقائق العلمية. ومن جانبها، نظَّمت إدارة بيل كلينتون (1993-2001) حملة توعية عامة أخطأت في تقديراتها، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة الحزبية فيما يتعلق بالتصورات حول عِلم المناخ. وهكذا، تتيح تلك النماذج للقارئ فهمًا كاشفًا ومذهلًا للأحداث اللاحقة.

وقد يبدو أن الكثير مما رُويّ في الكتاب ليس بجديد؛ فالعوامل التي يقوم عليها التفاعل بين صناعة الوقود الأحفوري الأمريكية والحكومة الفيدرالية سبق أن تتبَّعتْها مصادر أخرى، مثل أعمال مؤرِّخة العلوم نايومي أوريسكيس، أو كتاب «حرب المناخ الجديدة» The New Climate War، الذي أصدره عالِم المناخ مايكل مان هذا العام. غير أن القارئ المُلِم بالموضوع سيدرك أن سبيث يعرض القضية من منظور جديد عبر تركيزه على الحكومة الفيدرالية.

وخلافًا لكثير من القضايا السابقة، فمن أحد أبرز ملامح القضيتين الهولندية والأسترالية أنهما استطاعتا إثبات المسئولية القانونية الواقعة على المُدَّعى عليهم، بما يُلزمهم باتخاذ إجراءات آنية ومستقبلية. ومن ثَمَّ، فإن لُب الموضوع في القضيتين لم يكُن المعلومات التي عَرفتْها الوزيرة أو شركة «شل» في الماضي، بل ما ينبغي لهما فعله الآن في ضوء التوافق العالمي حول قضية التهديد المناخي. وفي حين يظل إرساء معايير لاتخاذ قرارات مستقبلية في هذا الشأن هدفًا محوريًا في مجال التقاضي بشأن المناخ، فإن كتاب سبيث يُذكِّرنا بأن هذا يجب ألا يشغلنا عن تأمل علامات الاستفهام المُثارة حول المسئولية التاريخية لبعض الأطراف في أزمة المناخ. وعلى الصعيد الأمريكي، بدأ المُدَّعون في قضية «جوليانا» في خوض مباحثات للوصول إلى تسوية مع إدارة الرئيس جو بايدن ونائبته كاميلا هاريس، في خطوة قد تؤدي إلى طرح بعض الإجابات. وثمة مراجعات مماثلة للماضي قد بدأت للتو على مستوى العالم.

كاثرين هايم: هي المنسقة لمشروع «قوانين التغير المناخي حول العالم» Climate Change Laws of the World Project، التابع لمعهد جرانثام البحثي المتخصص في التغيُّر المناخي والبيئة بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.