أنباء وآراء

الاستفادةُ من مُقاومات الذاكرة الجزيئية في الحوسبة فائقة الأداء

الارتقاءُ بالحوسبة مستقبلًا يتطلب طُرُقًا إبداعية لربط الخصائص الفيزيائية للمواد بالدوال المنطقية التي تحتاج إليها التصميمات الحوسبية. ويُتيح جهازٌ إلكتروني يُعرَف بمُقاوم الذاكرة الجزيئية أو «ممرستور»، سبيلًا للمضي قدمًا في تحقيق ذلك. 

ماثيو جيه. مارينيلا وإيه. أليك تالين

  • Published online:

على مدار 75 عامًا مضت، تحسَّن أداءُ الحواسيب وكفاءتها وكثافة ما تختزنه من معلومات بما يوازي حوالي تريليون مرة. ومنذ ابتكار الرقائق الميكروية، جاء الجزءُ الأكبر من هذه التحسينات كثمرةٍ لتقنيات تصغير حجم مكوناتٍ إلكترونية معروفة باسم ترانزستورات أشباه الموصلات ذات الأكاسيد المعدنية المُتتامة (CMOS). غير أن الارتقاء بتقنية الممرستور فقد زخمه، ولم يعُد تطويرها يتيح تحسيناتٍ ملحوظةٍ في الأداء، لتُشكِّل بذلك عقبة في طريق تقدُّم الحوسبة. ويتطلب اجتياز هذه العقبة طرقًا إبداعية لاكتشاف الصلة بين الخصائص الفيزيائية المتأصلة في المواد وعمل الدوال المنطقية التي تحتاج إليها خوارزمياتُ الحوسبة. وفي بحثٍ سابقٍ نشرته دورية Nature، يوضح الباحث ستريتوش جوسوامي وفريقه البحثي1 أنَّ بعض الخصائص الكهربائية المعتمدة على التاريخ السابق لنوع جديد من المنظومات الجزيئية يُمكن أن يُستفاد منه في تكوين دوال منطقية، سواء عادية أم شديدة التعقيد، تُستخدم في طيفٍ واسع من الخوارزميات.

ويستند هؤلاء الباحثون في رؤيتهم هذه إلى السلوك الكهربائي لجزيء يتكون من أيون حديد محاطٍ بثلاث ربيطات من مركب 2-(فينيلازو) البيريدين وأيونٍ واحد من سداسي فلورو الفوسفات (شكل 1). فقد وَضَع جوسوامي وفريقه البحثي طبقة رقيقة من هذه الجزيئات بين إلكترودين معدنيين يحدانها كالشطيرة، ومن ثمَّ صمَّموا مقاوم ذاكرة جزيئية يُعرف باسم «ممرستور»؛ وهو جهاز إلكتروني لديه القدرة على تخزين المعلومات دون إمداده بأي طاقة. ويكتفي الممرستور التقليدي القائم على الأكاسيد بتبديل مقاومته بين قيمٍ مرتفعة وقيمٍ منخفضة عند تعريض الجهاز2 لجهدٍ كهربائي موجب أو سالب. وعندما عرَّض جوسوامي وفريقه البحثي الممرستور الجزيئي الذي ابتكروه لقيمٍ متفاوتة من الجهد الكهربائي، رصدوا تغيراتٍ في عدد الإلكترونات التي تشغل مدارات الربيطات (وهي مناطق في الفراغ يُمكن أن توجد فيها الإلكترونات)، وهذا ما أكَّده الفريق البحثي باستخدام تقنية قائمة على تشتت الضوء تُسمَّى مطيافية رامان وحساباتٍ مستندة إلى عدد من المبادئ الأولى. ويتسم هذا الممرستور الجزيئي بخضوعه لحالة دائمة من ارتفاع وانخفاض المقاومة، كما هو الحال في الممرستورات القائمة على الأكاسيد.

شكل 1 | ممرستور جزيئي. أ) دَرَس ستريتوش جوسوامي وفريقه البحثي1 جزيئًا يتكون من أيون حديد محاط بثلاث ربيطات من مركب 2-(فينيلازو) البيريدين وأيون واحد من مركب سداسي فلورو الفوسفات. ب) وضع الباحثون طبقة رقيقة من هذه الجزيئات بين إلكترودين معدنيين لإنتاج ممرستور، وهو جهازٌ إلكتروني يُخزِّن المعلومات حتى في حال عدم وجود طاقة. وأظهَر الباحثون، عن طريق دراسة الخصائص الكهربائية لهذا الممرستور تحت تأثير جهدٍ كهربائي معين، أنَّ الجهاز يمكن أن يعمل كأساسٍ لمُعالِج حوسبة عام الأغراض. (مقتبسٌ بتصرُّف من الصورة أ في شكل 1 الواردة في المرجع رقم 1).

شكل 1 | ممرستور جزيئي. أ) دَرَس ستريتوش جوسوامي وفريقه البحثي1 جزيئًا يتكون من أيون حديد محاط بثلاث ربيطات من مركب 2-(فينيلازو) البيريدين وأيون واحد من مركب سداسي فلورو الفوسفات. ب) وضع الباحثون طبقة رقيقة من هذه الجزيئات بين إلكترودين معدنيين لإنتاج ممرستور، وهو جهازٌ إلكتروني يُخزِّن المعلومات حتى في حال عدم وجود طاقة. وأظهَر الباحثون، عن طريق دراسة الخصائص الكهربائية لهذا الممرستور تحت تأثير جهدٍ كهربائي معين، أنَّ الجهاز يمكن أن يعمل كأساسٍ لمُعالِج حوسبة عام الأغراض. (مقتبسٌ بتصرُّف من الصورة أ في شكل 1 الواردة في المرجع رقم 1).

كبر الصورة

بيْد أن السلوك الكهربائي لهذا الجهاز الجزيئي أشد تعقيدًا من السلوك الكهربائي لممرستور تقليدي. فعلى حسب الحالة الأولية للجزيئات وما إذا كان الجهد الكهربائي المستخدم يزداد أم يقل، يستطيع الجهاز أن يحتفظ إمَّا بحالة مقاومة عالية وإما منخفضة نسبيًّا، أو أن يخضع لتحولاتٍ مفاجئة بين قدرةٍ توصيلية منخفضة وعالية. وتَحدُث هذه التحولات المفاجئة بشكلٍ متكرر، كما يحدث كلٌّ منها عند الجهد نفسه، ما يشير بقوة إلى أنها تنجم عن تغيُّر جزيئي. والأهم من ذلك أن القدرة التوصيلية للممرستور الجزيئي ترتبط بكلٍّ من حالته الحالية وتطوُّراتها السابقة. ومع أنَّ بعض الممرستورات القائمة على الأكاسيد4 قد لوحِظ فيها شيء من هذا الارتباط، فإن هذه الأجهزة لا تخضع لحالاتٍ حتمية قابلة للتكرار كتلك التي رصدها جوسوامي وفريقه البحثي.     

يُعد هذا الممرستور الجزيئي المعتمد على تاريخ الحالات الفيزيائية للمنظومة اكتشافًا فارقًا بحد ذاته، غير أن العلاقة بين هذا السلوك الفيزيائي وكفاءة الحوسبة لم تكن واضحة. وقد توصَّل جوسوامي وفريقه البحثي بفضل نظرة متعمقة على تلك المنظومة إلى نتيجةٍ مهمة مفادها أنَّ ارتباط سلوك الممرستور بتاريخ حالاته الفيزيائية يُمكن أن يُستخدم لإنشاء مخطط تسلسل قرارات (أو ما يُعرَف بشجرة القرارات)، وهو دالةٌ منطقية تتنبأ بالمخرجات عبر دراسة متتابعة لمجموعةٍ مترابطة من المدخلات. وقد استطاع الباحثون، عن طريق الجمع بين بضعة ممرستورات جزيئية على التوازي، أن يُنشئوا مخططًا معقدًا لتسلسل القرارات ارتبطت فيه المخرجات ارتباطًا مباشرًا بالخصائص الفيزيائية للممرستورات.

وإضافةً إلى ذلك، نفَّذ جوسوامي وفريقه البحثي الدوال المنطقية العامة (بما فيها دالة بوابة الاقتران «AND»، ودالة بوابة الاختيار «OR»، ودالة بوابة الاقتران السالبة «NAND»، ودالة بوابة الفصل الإقصائي «XOR») المُستخدمة في مُعالِجات الحوسبة. وتمكن هذه الدوال الدوائر الكهربائية في الممرستورات الجزيئية من أن تعمل كأساسٍ لمُعالِج عام الأغراض، مثل تلك المُعالِجات المُستخدمة في الحواسيب المحمولة أو الهواتف الذكية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ نقل البيانات في المُعالِج التقليدي بين مكوِّنين رئيسين، يُسميَّان بالسجل ووحدة التنفيذ، يتطلب قدرًا كبيرًا من الوقت والطاقة. وعلى النقيض، يستطيع الممرستور الجزيئي أن يعمل كسجلٍّ ووحدة تنفيذ مجتمعين في آنٍ واحد، وهو ما يُقلل كثيرًا من الطاقة والوقت اللازمين لعمليةٍ حوسبية ما.

ورغم ما تحمله الحوسبةُ الجزيئية من إمكاناتٍ واعدةٍ، يجب التغلب على عديد من العقبات التقنية والعلمية الأساسية قبل أن يصير ممكنًا استخدام هذه التكنولوجيا في الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية الأخرى. فمن منظورٍ علمي، لا تزال الآلية الفيزيائية التفصيلية المسؤولة عن التغيرات المستمرة في الحالة والمعتمدة على الجهد الكهربائي تحتاج إلى مزيدٍ من الدراسة، رغم أن الباحثين شرحوا بوضوحٍ العلاقة بين التكوين الإلكتروني في الجزيئات والانتقال الإلكتروني. وكما كان الحال مع أبحاث سابقة في مجال الإلكترونيات الجزيئية5، قد يصعب إثبات وجود علاقة قوية بين السلوك الكهربائي والتغيرات الفيزيائية الكيميائية. ولهذا السبب، سيكون توصيف الخصائص الجزيئية في موضع وجودها الأصلي في أثناء العمليات التي تخضع لها الإلكترونات خطوةً محورية لفهم الآليات الأساسية بالتفصيل.

وثمة تحدياتٌ هندسية على الصعيد العملي أيضًا. فمع أنَّ الأجهزة التي أوضحها الباحثون، والتي تقع أبعادها في النطاق الملليمتري، يجب أن تكون قابلة للتصغير المادي لتصل إلى النطاق النانومتري، بل وربما إلى أبعادٍ جزيئية، ليس من الواضح ما إذا كانت خصائصها الكهربائية ستتغير بما يتناسب مع الأبعاد الجديدة على نحوٍ قابل للتنبؤ. ففي النطاق النانومتري مثلًا، يمكن أن يحدث تغييرٌ لا يُستهان به في الخصائص الكهربائية نتيجة كلٍ من التفاعلات الإلكترونية القوية بين الجزيئات والإلكترودات المعدنية، والترتيب غير المنتظم للجزيئات في الأجهزة، ووجود مُلوِّثات ومجالات كهربائية تزداد قوتها مع تصغير الأبعاد7.   

وإضافةً إلى ذلك، لا تضطلع الممرستورات الجزيئية وحدها بتكوين المجموعة الكاملة من الدوائر الكهربائية التي يحتاج إليها المُعالج الحاسوبي، بل سيتطلب الأمر وجود ترانزستورات أشباه الموصلات ذات الأكاسيد المعدنية المُتتامة للتحكم في الجهد الكهربائي، وللتفاعُل مع الأنظمة الخارجية، على سبيل المثال. لذا، يجب أن تُدمَج الممرستورات الجزيئية في النهاية مع أنظمة الدوائر الكهربائية لترانزستورات أشباه الموصلات ذات الأكاسيد المعدنية المُتتامة، ولا بدّ أن تصبح متوافقةً مع العمليات القياسية لتصنيع أشباه الموصلات.

ولم يتضح إلى الآن مدى الكفاءة التي ستعمل بها الأجهزة الجزيئية معًا للوفاء بما يتطلبه مُعالِج عام الأغراض. فكل الأدوات القياسية المستخدمة في جعل التصميم الإلكتروني أوتوماتيكيًا والمستخدمة في المحوِّلات البرمجية وتصميم الرقائق ستحتاج إلى تعديلاتٍ جوهرية كي تستوعب نموذج الحوسبة المقترح. فالتصميم الذي يجمع بين خوارزميات الحوسبة والبِنى والأجهزة اللازمة لها سيُتيح فهم كل الإمكانات الكامنة في المُعالِج القائم على الممرستورات الجزيئية. وعلى الرغم من هذه التحديات البحثية، تُوفِّر الحوسبة القائمة على الممرستورات الجزيئية مسارًا واعدًا لابتكار أنظمة معالجة معلومات تمتاز بأنها عامة الأغراض وعالية الكفاءة إضافة إلى إمكانية التحكم في أبعادها.  

References

  1. Goswami, S. et al. Nature 597, 51–56 (2021). | article
  2. Strukov, D. B., Snider, G. S., Stewart, D. R. & Williams, R. S. Nature 453, 80–83 (2008). | article
  3. Balatti, S., Larentis, S., Gilmer, D. C. & Ielmini, D. Adv. Mater. 25, 1474–1478 (2013). | article
  4. Mickel, P. R., Lohn, A. J., James, C. D. & Marinella, M. J. Adv. Mater. 26, 4486–4490 (2014). | article

  5. Zhirnov, V. V. & Cavin, R. K. Nature Mater. 5, 11–12 (2006). | article
  6. van der Molen, S. J. & Liljeroth, P. J. Phys. Condens. Matter 22, 133001 (2010). | article
  7. Troisi, A., Orlandi, G. & Anthony, J. E. Chem. Mater. 17, 5024–5031 (2005). | article

ماثيو جيه. مارينيلا يعمل في مختبرات سانديا الوطنية في مدينة ألباكيركي بولاية نيومكسيكو الأمريكية، 87123، الولايات المتحدة.

إيه. أليك تالين يعمل في مختبرات سانديا الوطنية في مدينة ليفرمور بولاية كاليفورنيا الأمريكية، 94550، الولايات المتحدة.

عناوين البريد الإلكتروني:

 mmarine@sandia.gov

aatalin@sandia.gov