أخبار

«ديب مايند» تحشد أسلحة الذكاء الاصطناعي للتعامل مع التقنيات الكيميائية المعقدة 

لوغاريتمات تعلُّم الآلة تنجح في استجلاء خواص المواد اعتمادًا على قياس كثافة الإلكترونات.

ديفيد كاستلفيتشي
  • Published online:

تمكَّن فريق يقوده عددٌ من العلماء، بشركة الذكاء الاصطناعي «ديب مايند» DeepMind الكائنة في العاصمة الإنجليزية لندن، من تطوير نموذج قائم على تقنية تعلُّم الآلة، يمْكنه التعرف على خواص الجزيئات من خلال التنبؤ بتوزيع الإلكترونات داخلها. هذا النهج، الذي عرضه الباحثون في دراسة نُشرت بدورية «ساينس» Science، في عددها الصادر بتاريخ العاشر من ديسمبر الجاري، من شأنه أن يقدِّم توصيفًا أدقَّ لخصائص بعض الجزيئات، قياسًا إلى التقنيات الحالية (J. Kirkpatrick et al. Science 374, 1385–1389; 2021).

وفي تعليقه على هذا الإنجاز، قال أناتول فون ليلينفيلد، عالِم المواد في جامعة فيينا: "إن تطوير نموذج على هذا القدر من الدقة لهو إنجاز هائل بحق".

تتميز هذه الدراسة بكونها "عملًا بحثيًا مُحكمًا"، كما وصفتها اختصاصية الكيمياء الحاسوبية في جامعة لودز للتكنولوجيا في بولندا، كاترجينا بيرنال. لكنها استدركت قائلةً إن هذا النموذج ما زال أمامه طريق طويل قبل أن يُثبت جدواه لعلماء الكيمياء الحاسوبية.

استجلاء خواصّ المواد

في الأساس، تُحدَّد بنية المواد والجزيئات بأكملها بالاستعانة بميكانيكا الكم، وبمعادلة «شرودنجر» على وجه التحديد؛ وهي المعادلة التي تَحكُم سلوك الدوال الموجية للإلكترونات. وهي تتألَّف من أدوات رياضية تُبين احتمالية وجود إلكترون بعينه، في موضع بعينه من الفراغ. لكن نظرًا لتفاعل جميع الإلكترونات، بعضها مع بعض، فإن حساب كل من المدارات والبِنَى الجزيئية استنادًا إلى المبادئ الأولية بات يشكِّل معضلةً حاسوبية، فضلًا عن تعذُّر إجرائه إلا في حالة الجزيئات البسيطة، مثل البنزين، على حد قول جيمس كيركباتريك، اختصاصي الفيزياء بشركة «ديب مايند».

ولتجاوز هذه المعضلة، اعتمد العلماء، على مدى عقود من الزمن، على مجموعة من التقنيات، التي تنضوي تحت ما يُعرف بنظرية الكثافة الوظيفية، من أجل استبطان الخواص الفيزيائية للجزيئات. ولم تَسعَ هذه النظرية إلى تطوير نماذج مفسِّرة لسلوك الإلكترونات المفردة، بل كان الهدف منها هو التنبؤ بالخصائص الفيزيائية للجزيئات، لحساب التوزيع الكلي للشحنة الكهربائية السالبة للإلكترونات عبر ذرات الجزيء بأكمله. يقول كيركباتريك: "تدرس نظرية الكثافة الوظيفية متوسط كثافة الشحنة؛ ولهذا فإنها تعجز عن تفسير سلوك الإلكترونات الفردية". وعليه، يصبح من السهل حساب معظم خصائص المواد استنادًا إلى هذه الكثافة.

تُعَد نظرية الكثافة الوظيفية، منذ نشأتها في ستينيات القرن المنصرم، إحدى التقنيات الأكثر استخدامًا في فروع علم الفيزياء، وفق ما انتهى إليه تحقيقٌ أجراه الفريق الإخباري لدورية Nature عام 2014، خلُص إلى أن الأبحاث المائة الأكثر استشهادًا قد ضمَّت 12 بحثًا عن هذه النظرية.

"هذه المسألة هي، بشكلٍ أو بآخر، المسألة المثلى لتقنيات تعلُّم الآلة: فأنت تعلم الإجابة، لكنك تجهل المعادلة التي ينبغي تطبيقها".

غير أن هذا النهج يشوبه بعض القصور، وبات معروفًا عنه حدوث أخطاء في نتائج حساباته في أنواعٍ بعينها من الجزيئات. وعلى الرغم من أن الحسابات المستنِدة إلى نظرية الكثافة الوظيفية تفُوق في كفاءتها الحسابات التي بدأ ظهورها استنادًا إلى نظرية الكم الأساسية، فإنها ما زالت تتسم بالتعقيد والصعوبة، فضلًا عن كونها تتطلَّب حواسيب فائقة القدرة في أغلب الأحوال. ومن ثم، فقد شهد العقد المنقضي إقبالًا متزايدًا من علماء الكيمياء النظرية على تبنِّي مناهج تعلُّم الآلة في إجراء تجاربهم، لجملةٍ من الأسباب، في القلب منها دراسة بعض الخصائص، مثل التفاعلية الكيميائية للمواد، وقدرتها على توصيل الحرارة.

ويبدو أن فريق «ديب مايند» قد خرج علينا بإحدى أكثر المحاولات جموحًا حتى وقتنا الحاضر، بُغية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في حساب كثافة الإلكترونات، وهي النتيجة النهائية التي تخلُص إليها حسابات نظرية الكثافة الوظيفية. وقد عقَّب آرون كوهين، اختصاصي الكيمياء النظرية بشركة «ديب مايند»، على ذلك قائلًا: "هذه المسألة هي، بشكلٍ أو بآخر، المسألة المثلى لتقنيات تعلُّم الآلة: فأنت تعلم الإجابة، لكنك تجهل المعادلة التي ينبغي تطبيقها".

كان الفريق قد تمكَّن من تدريب شبكة عصبية اصطناعية على معالجة بيانات مستقاة من 1161 حلًا دقيقًا، استنادًا إلى معادلات شرودنجر. ولرفع مستوى الدقة، ضمَّن الفريق بعض قوانين الفيزياء المعروفة في نموذجهم، ثم اختبروه على مجموعة من الجزيئات التي غالبًا ما يُلجأ إليها بوصفها معيارًا لقياس نظرية الكثافة الوظيفية. وقد جاءت النتائج مثيرةً للإعجاب، على حد وصف فون ليلينفيلد، الذي أردف قائلًا: "كان هذا الإنجاز هو أفضل ما استطاع المجتمع العلمي التوصل إليه، لكنَّهم تفوقوا عليه بفارق ملحوظ".

وتابع فون ليلينفيلد بقوله إن تقنية تعلُّم الآلة، حتى وإن كانت تستلزم قدرات حاسوبية هائلة من أجل تدريب النماذج، فإن من مزاياها أنها تُتيح إمكانية الاكتفاء بإجراء العملية مرة واحدة فحسب. وفضلًا عن ذلك، فإنها تتيح إجراء التنبؤات على مستوى الإلكترونات المفردة، باستخدام حاسوب محمول عادي؛ وهو ما يسهم في خفض التكلفة والبصمة الكربونية إلى حدٍّ بعيد.

يقول كيركباتريك وكوهين إن «ديب مايند» ستطرح نظامها المُدَّرب ليكون متاحًا لأي شخص يرغب في استخدامه. وفي الوقت الحالي، يُطبَّق النموذج على الجزيئات في غالب الأحيان، وليس على مستوى البنى البلُّورية للمواد؛ بيد أن إصداراته في المستقبل قد تُجدي نفعًا في دراسة المواد أيضًا، حسبما أفاد فريق العلماء.