أخبار

نجاح إطلاق «تلسكوب جيمس ويب» يستهل حقبةً جديدة في علم الفلك

مع بدء عملية بسط المعدات العلمية لهذا المرصد، وانتقاله إلى النقطة المزمع أن يستقر بها، حان الوقت لاتخاذ مئات الخطوات الهندسية

ألكسندرا ويتزي

  • Published online:

Credit: NASA/NASA TV via Reuters

شهد الخامس والعشرون من ديسمبر الجاري تحليق «تلسكوب جيمس ويب الفلكي»James Webb Space Telescope في الفضاء. ويُعد هذا التلسكوب أهم ما تراهن عليه البشرية في سعيها لسبر أغوار الكون. وقد جاء هذا الحدث تتويجًا لعقودٍ من الجهود البحثية التي بذلها علماء فلك من شتى أنحاء العالم. غير أنه كي يحقق هذا التلسكوب آمال العلماء المنعقدة عليه باستهلال حقبة جديدة في علم الفلك، لا بد من سير مئات الخطوات الهندسية المعقدة بسلاسة تامة خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

في ذلك الصدد، يقول جون جرونزفيلد، اختصاصي علم الفيزياء الفلكية، ورائد الفضاء السابق، وكبير العلماء لدى وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»: "الآن، يبدأ الجزء الصعب".

تبلغ تكلفة «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» 10 مليارات دولار أمريكي. من هنا، يُعد أكثر المراصد الفلكية تعقيدًا وأعلاها تكلفة على مدار التاريخ، ويأتي خلفًا لـ«تلسكوب هابل الفضائي» Hubble Space Telescope التابع لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، والذي دُشنتْ مهامه لدراسة الكون منذ عام 1990. ويُزمع أن يشرع «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» عقب إطلاقه، في الجزء الأخطر من مهمته، والذي يتمثَّل في نشر جميع معداته اللازمة لقيام مرآته الضخمة بسبر أغوار الكون، وصولًا إلى فجر الزمن.

تجدر الإشارة هنا إلى أن علماء الفلك لن يهنأ لهم جفنٌ قبل الاطمئنان إلى عمل جميع معدات التلسكوب، وشروعه في أولى عمليات الرصد العلمية المكلف بها، المقرر أن تنطلق في شهر يوليو المقبل. و"يُتوقع أن يعم الكثير من التوتر الأجواء"، على حد قول هايدي هامل، العالمة متعددة التخصصات التي تشارك في مشروع «تلسكوب جيمس ويب الفلكي»، والتي تشغل منصب نائب رئيس وحدة العلوم باتحاد جامعات البحوث الفلكية في العاصمة الأمريكية واشنطن.

جرى إطلاق «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» الذي صمَّمته وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» في الساعة التاسعة وعشرين دقيقة صباحًا بالتوقيت المحلي للميناء الذي انطلق منه، وهو ميناء كورو للبعثات الفضائية في منطقة غويانا الفرنسية. وقد حمل صاروخ من فئة «آريان 5» Ariane 5، وفَّرته وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) التلسكوب، وأسهمتْ وكالة الفضاء الكندية أيضًا في المشروع كشريك ثالث.

وتعقيبًا على هذا الحدث، في تصريح عبر بث شبكي من موقع الإطلاق، قال توماس زوربوخن، كبير العلماء بوكالة «ناسا»: "يا له من يومٍ مشحون بالعواطف! يُعد هذا مستهل واحدة من أروع البعثات الفضائية التي داعبت المخيلة البشرية". 

أما جيهان كارتالتيبي، عالمة الفلك من معهد روتشستر للتكنولوجيا في نيويورك، التي أُفسح لها وقت لإجراء عمليات رصد باستخدام «تلسكوب جيمس ويب الفلكي»، فتقول: "يغمرني فيض من المشاعر الآن بعدما رأيتُ مشروعًا لطالما تطلَّعنا جميعًا إليه وقد تحقَّق في نهاية المطاف. إنني مُمتنة للغاية لكل مَنْ بذل قصارى جهده لنجاح هذا المشروع".

صور للتلسكوب من وكالة «ناسا» الأمريكية

صور للتلسكوب من وكالة «ناسا» الأمريكية

كبر الصورة

Telescope images: NASA

مسار التلسكوب

حَمَل صاروخ من فئة «آريان 5» «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» إلى الفضاء في مسارٍ بدا خاليًا تمامًا من العراقيل، وهو ما كان من شأنه أن يوفر مزيدًا من الوقود للتلسكوب من أجل استخدامه في الأبحاث العلمية في السنوات المقبلة. وبعد انطلاق التلسكوب، وانفصاله عن مركبة إطلاقه بمدة بلغتْ 27 دقيقة، بَسَط ألواحه الشمسية، فيما عُد خطوةً بالغة الأهمية. إذ أتاحت هذه الخطوة بدء تدفق الطاقة الكهربية إليه. وعن ذلك، يقول جرونزفيلد: "قضيتُ نصف الساعة التي استغرقتها هذه العملية في حالة من الترقُّب الشديد". وبعد انقضاء ساعاتٍ، كان من المتوقع أن تبدأ محركات التلسكوب في استهلاك الوقود بداخلها كي يتخذ المرصد مساره صوب مقصده النهائي، وهو نقطة في الفضاء تُعرف باسم «نقطة لاجرانج الثانية»، أو (L2) (انظر «رحلة تلسكوب جيمس ويب الفلكي»). وفي هذا الموقع، الذي يبعد عن كوكب الأرض بمسافة 1.5 مليون كيلومتر، سيغدو التلسكوب دائمًا على جانب الكوكب غير المواجه للشمس، ليرصد الأماكن المظلمة البعيدة في الفضاء الخارجي بفضل معداته البصرية عالية الدقة المحمية من ضوء الشمس.

ويُزمع أن تستغرق الرحلة إلى «نقطة لاجرانج الثانية» 29 يومًا، مع وجود أكثر من 300 "نقطة تعطُّل" من الوارد أن يحدث فيها خطأٌ ما. والعملية برمتها تشبه مغادرة فراشة لشرنقتها، على حد قول جانثر هاسينجر، مدير وحدة العلوم بوكالة الفضاء الأوروبية، إلا أنها هنا فراشةٌ شديدة التعقيد وباهظة التكلفة، ذات ارتفاع يضاهي ارتفاع ثلاثة طوابق.

والمرحلة الأولى والأهم هي بسط الغطاء الواقي من الشمس لـ«تلسكوب جيمس ويب الفلكي»، وهو غطاء واقٍ يأخذ شكل طائرة ورقية، وفي حجم ملعب تنس. ويعمل هذا الغطاء الواقي على حماية «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» من الإشعاعات وخفض درجة حرارة البيئة المحيطة بالتلسكوب لتتراوح ما بين 110 درجة مئوية على جانبه المواجه للشمس إلى -235 درجة مئوية على جانبه المُظلَّل. إذ يتطلب التلسكوب درجات حرارة شديدة الانخفاض كي تصبح معداته البصرية قادرة على التقاط ومضات المجرات البعيدة والأجرام الكونية الأخرى في نطاق الطول الموجي للأشعة تحت الحمراء.

تعقيبًا على ذلك، يقول هاسينجر: "ما يميز «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» هو برودته"، فإذا لم يتم بسط الغطاء الواقي من الشمس على النحو الملائم، فستتأثر بالسلب كفاءة التلسكوب في الأبحاث العلمية تأثرًا شديدًا.

وبعد ثلاثة أيام من إطلاق التلسكوب، يُتوقع أن ينبسط على كل من جانبيه لوح مستطيل الشكل. وخلال أربعة أيام أخرى، سينفرج هذا اللوح، ليكشف عن طبقات الغطاء الواقي من الشمس الخمس الشبيهة بالأغشية، ثم تنبسط هذه الطبقات وتستقر في أماكن محددة على التلسكوب كما لو أنها غطاء يُحكِم تغطية حَشية فِراش.

Credit: Bill Ingalls/NASA

ضبط المرايا

إذا سارت الأمور على ما يرام طيلة 10 أيام بعد عملية الإطلاق، فسوف يُحرك «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» مرآته الثانوية الصغيرة لتصير مواجهةً لمرآته الأساسية العملاقة، التي ستظل مطويةً كما هي حينذاك. وبعد مرور يومين، ستبدأ المرآة الأساسية في تحريك جزأين مرتكزين على مفصلات بها نحو مكانين محددين لتشكيل مرآة كاملة يبلغ عرضها 6.5 متر. وفي هذه المرحلة، ستكوِّن أجزاءُ المرآة سداسية الشكل، والتي يبلغ عددها 18 جزءًا، مصنوعًا من البريليوم، ومغطى بطبقة من الذهب ما يشبه خلية نحل لامعة عملاقة، وسيصبح تلسكوب «جيمس ويب» عندئذ قادرًا فعليًا على أداء مهامه، لأنه سيتمكن من تجميع الضوء، على حد قول هامل.

وبعد أسبوعين تقريبًا، يُفترض أن يصل «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» إلى موقعه النهائي في «نقطة لاجرانج الثانية». وتلك البقعة تبعد عن الأرض بمسافة هائلة، إلى حد أنه سيتعذر على رواد الفضاء زيارتها وإصلاح التلسكوب فيها إذا أصابه عطب ما، مثلما فعلوا بعد إطلاق تلسكوب «هابل» بأدوات بصرية معيبة. (حينذاك، سافر رواد فضاء، من بينهم جرونزفيلد، في نهاية المطاف إلى تلسكوب «هابل» خمس مراتٍ لتحديث معداته المستخدمة في الأبحاث العلمية، وكي يظل مستوفيًا لأعلى المعايير العالمية للمراصد) غير أنه إذا سار عمل الغطاء الواقي من الشمس والمرايا كما ينبغي، فسيكون «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» قد اجتاز بهذا المرحلةَ الأصعب. وبدءًا من تلك اللحظة، لن يتبقى إلا ضبط المرايا ومعدات الأبحاث العلمية. وتلك خطوات معقدة لكنها نُفِّذت بنجاحٍ من قبل، على مرايا التلسكوبات الأرضية.

ويُتوقع أن يتعذر على التلسكوب الشروع في أداء مهامه الاستقصائية لستة شهور على الأقل، لعدة أسباب، منها أنه سيحتاج إلى وقتٍ كي يبرُد ويصل إلى درجة حرارته التشغيلية. ولن تبرُد أجزاء مرآته الأساسية بالدرجة الكافية وتُضبط محاذاتها لتأخذ وضعًا مناسبًا إلا بعد انقضاء نحو أربعة أشهر من إطلاق التلسكوب. وعندئذ، سيبدأ مهندسو البعثة في ضبط أجهزة هذا المرصد.

فضلًا عن ذلك، يُتوقع أن يَستخدم أحد أجهزة التلسكوب الأربعة الأشعةَ متوسطة الطول في نطاق الأطوال الموجية تحت الحمراء، وأن يحتاج إلى تبريده بشكل آخر للوصول إلى درجة حرارة تبلغ -266 درجة مئوية، أي فوق الصفر المطلق بـ 7 درجاتٍ فقط. وبمجرد بلوغ «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» درجة الحرارة هذه، يُفترض أن تتضاعف دقة أرصاده لتصل إلى 100 ضعف من دقة تلسكوب «هابل».

Credit: Chris Gunn/NASA

أجهزة رصد تستخدم الأشعة تحت الحمراء

يُرتقب أن يتمكن «تلسكوب جيمس ويب الفلكي»، بفضل تقنية الرؤية باستخدام الأشعة تحت الحمراء التي يمتاز بها، من سبر تاريخ الكون وصولًا إلى فترة قبل ما يزيد على 13.5 مليار سنة، وأن يستكشف النجوم والمجرات النائية، التي انتشر ضوؤها ليصل في مداه إلى الأطوال الموجية التي تميز الأشعة تحت الحمراء بسبب تمدُّد الكون. كما يُتوقع أن يتمكن التلسكوب من سبر مناطق الغبار الفضائي، مثل مواقع ميلاد النجوم، وأن يستكشف الأغلفة الجوية للكواكب الواقعة خارج نطاق المجموعة الشمسية. وفي هذا السياق، تقول عالمة الفلك أنتونيلا نوتا، واحدة من علماء وكالة الفضاء الأوروبية الذين شاركوا في مشروع «تلسكوب جيمس ويب الفلكي»: "صُمِّم التلسكوب للإجابة عن أسئلة لا تزال عالقةً في جميع مجالات الفيزياء الفلكية". وإذا سارت الأمور كافة وفق الخطة المرسومة على مدار الأشهر الستة القادمة، فسيواجه علماء البعثة ضغوطًا شديدة لإزاحة الستار عن الصور والبيانات المذهلة التي ينتجها «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» في أسرع وقتٍ ممكن. وقد أَعدتْ لجنة صغيرة من علماء الفلك القائمين على إدارة التلسكوب بمعهد علوم مراصد الفضاء في بالتيمور، بولاية ميريلاند الأمريكية، قائمةً سرية تضم الأجرام المزمع رصدها أولًا. ويُحتمَل أن تشمل المجموعة الأولى من نتائج أرصاد التلسكوب صورًا وبيانات مذهلة لعدد من الكواكب والنجوم والمجرات، للبرهنة على إمكانات «تلسكوب جيمس ويب الفلكي». بعد ذلك، ستتكشف آفاق من البحث العلمي الجاد أمام علماء فلك آخرين ممن ينتظرون دورهم بحماس لاستخدام هذا التلسكوب.

أما في الوقت الراهن، فليس بمقدور هؤلاء العلماء سوى مراقبة الموقف والانتظار لمعرفة ما إذا كان التلسكوب سيعمل على النحو الذي خطط له مصمموه. وتعقيبًا على ذلك، تقول هامل: "أنا موقنة بأننا بذلنا كل ما بوسعنا".