أخبار

المركبة الصينية الجوَّالة ترسم صورةً أوضح عن تُربة المريخ

معلومات جديدة عن الكوكب الأحمر تتدفق إلينا من المركبتين الصينيتين «تيانوين-1» و«تشورونج».

سمريتي مالاباتي
  • Published online:
في يوليو 2021، صوَّرت مركبة «تشورونج» مظلة الهبوط التي حملتها إلى سطح الكوكب.

في يوليو 2021، صوَّرت مركبة «تشورونج» مظلة الهبوط التي حملتها إلى سطح الكوكب.

Credit: CNSA

بدأبٍ كبير، يعمل أكثر من ثلاثين عالمًا في منطقة بر الصين الرئيسي وهونج كونج وماكاو على معالجة البيانات التي جمعتها مركبة المريخ الصينية الجوالة «تشورونج» Zhurong، ومعها المركبة المدارية «تيانوين-1» Tianwen-1، التي تطوف بالكوكب. وكانت بعض الدراسات قد نُشرت بالفعل حول تلك البيانات، إلا أن الباحثين يشيرون إلى أنَّ الفترة المقبلة ستشهد نشر مزيدٍ من الدراسات، وهو ما سيوفر لنا معلوماتٍ حول مناخ نصف الكرة الشمالي للمريخ، وسماته الجيولوجية، وتاريخه.

وردَتْ تلك البيانات من الفضاء إلى المراصد الفلكية الوطنية التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم (NAOC). ومنذ شهر سبتمبر الماضي، نشرت هذه المراصد قرابة 200 جيجابايت من تلك البيانات، التي جمعتها ثمانية أجهزة على متن المركبتين الجوالة والمدارية، في الفترة من شهر فبراير وحتى شهر يونيو من عام 2021. تشمل هذه الأجهزة كاميرات، وجهاز رادار، ومستشعرات للمناخ، ومطياف ليزري.

وتشير بعض سمات سطح الكوكب، مثل البراكين الطينية، والمواد التي يُحتَمَل أن تكون مواد رسوبية، إلى أنَّ المياه ربما كانت تتدفق على الكوكب فيما مضى، لذا يبحث العلماء عن أدلةٍ تثبت أنَّه كانت هناك مياه أو ثلوج أسفل سطحه. وعن ذلك الاحتمال يقول بو وو، العالِم المتخصص في الكواكب بجامعة هونج كونج للعلوم التكنولوجية والتطبيقية إنَّه "يحظى باهتمامٍ كبير من المجتمع العلمي"؛ لأنَّه قد يقدم لنا دليلًا على أنَّ الكوكب كان به محيطٌ في الماضي.

كانت المركبة «تيانوين-1» قد وصلتْ إلى المريخ في فبراير عام 2021، وفي شهر مايو، أنزلتْ مركبة هبوط تحمل مركبة «تشورونج» الجوالة، في حوضٍ معروف باسم «يوتوبيا بلانيشا» Utopia Planitia. وكان مخططًا أن تستغرق المهمة الأولية للمركبة الجوالة ثلاثة أشهر، غير أنَّ رحلتها تجاوزت هذه التوقعات. فعلى مدار أربعة أشهر، تجولت المركبة لمسافةٍ تزيد على ألف متر، قصدتْ خلالها السمات المثيرة للاهتمام على الكوكب، إلى حدِّ أنها درستْ أيضًا جزءًا من الكبسولة التي جاءتْ بها إلى سطحه، وبقايا مظلة الهبوط الخاصة بها.

انقطاع مؤقت في الاتصالات

في شهر سبتمبر الماضي، وضعتْ إدارة الفضاء الوطنية الصينية (CNSA) مركبة «تشورونج» في وضع السُّبات، نظرًا لمرور المريخ خلف الشمس بالنسبة إلينا على الأرض، ما أدى إلى انقطاع الاتصالات. ثم أُعيد تشغيل المركبة في شهر أكتوبر؛ وقطعتْ منذ ذلك الحين 200 متر إضافية.

هذه الاستراحة القصيرة، التي دامت لمدة شهر، أتاحت الفرصة للعلماء المشرفين على البعثة في معاهد الأبحاث في أرجاء الصين للبدء في تحليل البيانات. كان بعضهم قد تلقوا بالفعل صورًا للمريخ من كاميرات المركبة المدارية في شهر مارس، فضلًا عن أنَّ إدارة الفضاء الوطنية الصينية كانت قد أتاحت سابقًا للجمهور صورًا ومقاطع فيديو صوَّرتها المركبة الجوالة خلال هبوطها، وبعده أثناء وجودها على السطح. إلَّا أنَّ الباحثين يعكفون في الوقت الحالي على دراسة مجموعة البيانات الأضخم التي نُشِرَت في سبتمبر الماضي.

تتضمن هذه المجموعة صورًا التقطتها الكاميرا الملاحية لمركبة «تشورونج»، وبياناتٍ مناخية عن درجة الحرارة والضغط وسرعة الرياح، ومعلوماتٍ عن التركيب الكيميائي للصخور والتربة والكثبان الرملية، جمعها المطياف الليزري، بالإضافة إلى أدلةٍ جُمعتْ من تحت سطح الكوكب، بالاستعانة برادار المركبة المُختَرِق للأرض.

وفيما عدا هذه الحفنة من الصور ومقاطع الفيديو التي نشرتها إدارة الفضاء الوطنية الصينية، لم تُنشَر سوى معلوماتٍ علمية قليلة حول البعثة حتى الآن، وهو ما يرجعه الباحثون إلى طول الوقت المستغرق في معالجة البيانات وتنقيحها.

عمليات المعالجة والتنقيح هذه من شأنها أن تضمن دقة البيانات، فضلًا عن أنَّها تزيل إشارات التشويش المصاحبة لها، والتي تنتج عن الأجهزة العلمية المستخدمة في جمعها، حسبما أوضحتْ لو بان، عالمة الكواكب بجامعة كوبنهاجن. إضافةً إلى هذا، حقيقة أنَّ هذه هي البعثة الأولى التي ترسلها الصين إلى سطح كوكبٍ آخر ربما تكون قد أبطأتْ وتيرة العمل، مقارنةً بالبعثات التي أطلقتها ناسا إلى المريخ في الآونة الأخيرة. وأوضحتْ بان قائلةً: "في حال كانت هذه هي المرة الأولى التي تفعل فيها شيئًا ما، فسيستغرق التعلم منك وقتًا".

تسريع عملية تحليل البيانات

حتى ديسمبر الماضي، كانت قد نُشِرَت دراستان بالفعل عن هذه البيانات. الأولى نُشِرَت منها نسخةٌ أولية في أواخر سبتمبر الماضي، وهي تُحلِّل مجموعةً من الصور والمعلومات الخاصة باحتكاك عجلات مركبة «تشورونج» بسطح الكوكب أثناء الحركة (L. Ding et al. Preprint at Research Square https://doi.org/g74h; 2021). وأظهرتْ نتائج تلك الدراسة أنَّ مناطق كوكب المريخ التي جابتها المركبة الجوالة لها سماتٌ تشبه سمات تربة الأرض الرملية المضغوطة.

وعن تلك الدراسة يقول شاو لونج، العالِم المتخصص في جيولوجيا الكواكب بجامعة الصين للعلوم الجيولوجية في ووهان، والذي يجري تحليلًا خاصًا به على البيانات: إنَّ الدراسة "تقدم لنا بياناتٍ مفيدة عن خواص التربة السطحية"، وهو ما قد يساعدنا في فهم كيفية تكوّن التربة والغبار على سطح الكوكب.

أمَّا الدراسة الثانية فنُشِرَتْ في شهر أغسطس، واستخدمتْ صورًا عالية الدقة وفَّرتها المركبة المدارية، لتحديد إحداثيات المركبة الجوالة على المريخ (W. Wan et al. Remote Sens. 13, 3439; 2021). غير أنَّ الباحثين يتوقعون أنَّ يُنشَر عددٌ كبير آخر من الدراسات في وقتٍ قريب، بعضها يتناول طبوغرافيا الكوكب.

وحتى الآن، لم تُتَح البيانات إلا للباحثين المشاركين بصفةٍ مباشرة في البعثة، لكنَّ وو يقول: إنَّ المراصد الفلكية الوطنية الصينية ستتيح هذه البيانات للجمهور والمجتمع الدولي في وقتٍ ما.

وهذا قد يساعدنا في تسريع وتيرة تحليل البيانات. فالعلماء الخبيرون بكوكب المريخ قد يتمكنون من تحديد تضاريسه ومدلولاتها بسرعةٍ أكبر، حسبما أوضح ديفيد فلانيري، اختصاصي البيولوجيا الفلكية في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا بمدينة بريسبِن الأسترالية. وتابع فلانيري مفسرًا: "للمريخ طبيعة خاصة من عدة نواحٍ، وكفاءة علماء الجيولوجيا تعتمد على الصخور التي طالعوها من قبل".

ومن المزمع أن تواصل مركبة «تشورونج» رحلتها الاستكشافية، التي يحتمل أن تستمر لسنواتٍ قادمة، شأنها في ذلك شأن بعض المركبات الجوالة التي أطلقتها ناسا. وقد صرَّح بو بأنَّه يعمل مع فريقه على تقديم "مقترحاتٍ حول العمليات القادمة لجمع البيانات"، تتضمن سمات سطح الكوكب التي تحظى باهتمامٍ خاص من المجتمع العلمي.