أخبار

هل يمكن لجهاز المناعة "إجهاض" العدوى بـ«كوفيد»؟

تشير بيانات دراسة من المملكة المتحدة إلى أن بعض الأشخاص يُمكن لأجسادهم التخلص من العدوى الجديدة بفيروس «سارس-كوف-2»، لكن ثمة مواطن قصور تعتري الدراسة.

ماكس كوزلوف
  • Published online:
عامل يجري فحوص الكشف عن «كوفيد-19» في أحد المختبرات.

عامل يجري فحوص الكشف عن «كوفيد-19» في أحد المختبرات.

Credit: Mehmet Ali Ozcan/Anadolu Agency via Getty

تشير بيانات عشرات العاملين في مجال الرعاية الصحية في المملكة المتحدة، إلى احتمال مثير للاهتمام وباعث على الأمل، هو أن بعض الأشخاص يمكن لأجسادهم أن تتخلص بسرعة كبيرة من العدوى الجديدة بفيروس كورونا «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2، إلى حد أن نتائج اختبارات الكشف عن الفيروس لا تدل أبدًا على وجوده لديهم، ولا تنتج أجسادهم حتى أجسامًا مضادة له. وتشير الدراسة أيضًا إلى أن هذه المقاومة تنشأ بفضل عناصر مناعية تسمى الخلايا التائية، تنتمي على الأرجح إلى الخلايا المناعية التي تنتُج بعد التعرض لفيروسات كورونا المسببة لنزلات البرد.

في ذلك الصدد، يقول شين كروتي، اختصاصي علم المناعة من معهد لا هويا لعلم المناعة في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، والذي لم يشارك في الدراسة: "لم أرَ شيئًا كهذا قط. ومن المدهش حقًا أن الخلايا التائية قد تتمكن من السيطرة على عدوى بهذه السرعة".

"من المدهش حقًا أن الخلايا التائية قد تتمكن من السيطرة على عدوى بهذه السرعة".

لكن واضعو الدراسة يحذِّرون بقوة من أن نتائجهم لا تدل على أن الأشخاص الذين أصيبوا في السابق بنزلات برد، يتمتعون بحماية ضد «كوفيد-19». ويقرون أيضًا بأن كثيرًا مما توصَّلوا إليه من نتائج ينبغي الأخذ به ببعض الحذر، مما يعني أنه من السابق لأوانه جدًا الجزم بأن بإمكان أجساد بعض الأفراد إجهاض العدوى في بدايتها.

وفي الدراسة، فحص الفريق البحثي عينات دم جُمِعت في الأسابيع الأولى من الجائحة من قرابة 60 شخصًا يعملون في مجال الرعاية الصحية بالمملكة المتحدة (L. Swadling et al. Nature https://doi.org/ gndqs2; 2021). عمل جميعهم في مستشفيات، مما جعلهم عُرضة بدرجة كبيرة لخطر الإصابة بـ«كوفيد-19»، لكن لم تثبت إصابتهم بفيروس «سارس-كوف-2»، أو تنتج أجسادهم أجسامًا مضادة ضد الفيروس، في الشهور الأربعة التي تلت التحاقهم بالدراسة.

ولاحظ الفريق البحثي أن عدد الخلايا التائية قد تضاعف لدى 20 من هؤلاء المشاركين الذين لم يحتو مصل الدم لديهم على أجسام مضادة للفيروس، وهو ما يدلُّ على أن الجهاز المناعي لديهم كان يُهيئ نفسه لمحاربة العدوى. كما كان لدى 19 من هؤلاء الأفراد مستويات مرتفعة من أحد بروتينات الجهاز المناعي، وهو بروتين خدم كإنذار مبكر يُحذِّر من الإصابة بعدوى «سارس-كوف-2». ويرى الباحثون أن هذه البيانات دليل على حدوث "عدوى مُجهضة"، أي إن الفيروس هاجم الجسم، لكنه فشل في السيطرة عليه.

وافترض الفريق البحثي أن الخلايا التائية تدرأ فيروس «سارس-كوف-2» عن طريق تعطيل مجموعة من البروتينات الفيروسية تُشكِّل ما يُعرَف باسم مُعقد النسخ المتماثل، وهي بروتينات تساعد الفيروس على التكاثر. ووجدوا أدلة تدعم هذه النظرية، إذ كان عدد المشاركين الذين امتلكوا خلايا تائية تتعرَّف على هذا المعقد بين من لم تحتو أمصالهم على أجسام مضادة للفيروس أكبر كثيرًا منه بين عاملي الرعاية الصحية الذين أصيبوا بمرض «كوفيد-19».

ووجد الفريق البحثي أيضًا أنه حتى الخلايا التائية المستقاة من عينات دم جُمعت قبل الجائحة، يمكن أن تتعرف على «سارس-كوف-2»، وبالأخص معقد النسخ المتماثل به. ويرى الفريق أن هذه الخلايا التائية يُحتمل أن تكون قد نتجت عن عدوى بفيروسات كورونا المسببة لنزلات البرد، لكن أسبابًا أخرى ربما تكون أسهمت في تكوينها.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن معظم لقاحات «كوفيد-19» الحالية تستهدف البروتين الشوكي لـ«سارس-كوف-2»، والذي يستخدمه الفيروس لغزو الخلايا البشرية. ويختلف هذا البروتين اختلافًا كبيرًا بين فيروسات كورونا. من جهة أخرى، خَلُص الباحثون إلى أن معقد النسخ المتماثل يتشابه بين عدة أنواع من فيروسات كورونا، وهو ما يجعل هذا المركب المعقد واعدًا كهدف "للقاحات فيروس كورونا الشاملة"، التي تقي من طيف واسع من هذه الفيروسات.

مع ذلك، نوَّه العلماء غير المشاركين في الدراسة بأنه لا يوجد دليل قاطع على أن العاملين في مجال الرعاية الصحية ممن يُزعم أن أجسادهم تخلصت من الفيروس، كان لديهم بالفعل أي من جسيماته في أجسامهم. وترى دونا فاربر، الباحثة المتخصصة في علم المناعة من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، أن هذا يُضفي صعوبة على استخلاص أي استنتاجات بخصوص دور الخلايا التائية تلك.

في ذلك الصدد تقول مالا مايني، الباحثة المتخصصة في علم المناعة المضادة للفيروسات من كلية لندن الجامعية، والتي شاركت في وضع الدراسة إن فريقها لا يملك ما يجزم بحدوث عدوى جرى إخمادها في بدايتها لدى المشاركين في الدراسة. إلا أنها تشير إلى أن توقيت مراحل الانتشار المبكرة للفيروس، والتي لم يكن بالإمكان السيطرة عليها في المملكة المتحدة، موثق جيدًا. نتيجة لذلك، على حد قولها، ربما لم يكن من قبيل المصادفة أن الباحثين لاحظوا عددًا أكبر من الخلايا التائية في دم المشاركين بالدراسة خلال الوقت الذي كان فيه الأشخاص المصابون بمرض «كوفيد-19» يملؤون مستشفيات المملكة المتحدة. وتضيف: "التوقيت واضح للغاية".

هل سيتمتع الجميع بالقدرة المناعية على إجهاض العدوى بالفيروس؟

يرى ماركوس بوجرت، الباحث المتخصص في علم المناعة من معهد كارولينسكا في مدينة سولنا السويدية، أنه حتى إذا كانت أجساد بعض المشاركين في الدراسة قد تخلَّصت من فيروس «سارس-كوف-2» قبل أن يسيطر على الجسم، فمن المحتمل أن العدوى بالسلالات المتحورة مثل «دلتا» لا يمكن التخلص منها بالطريقة نفسها. ويشير إلى أن الدراسة سجلت هذه الظاهرة بين العاملين في مجال الرعاية الصحية فقط، وهو ما يعزز احتمالية أن بعض الأشخاص، مثل أولئك الذين ينتمون إلى أطقم عمل المستشفيات، ممن يتعرضون بصفة منتظمة لطائفة متنوعة من فيروسات الجهاز التنفسي، هم وحدهم مَن قد تشنّ أجسادهم استجابة مناعية مُجهِضة للفيروس.

كما لم يستهدف تصميم الدراسة تحديد ما إذا كانت هذه الاستجابات المناعية المجهِضة لعدوى الفيروس ناجمة عن الخلايا التائية، أم آلية مناعية أخرى غير معروفة. بخصوص ذلك، يقول كروتي إنه سيكون من الأهمية بمكان اختبار صحة فرضية الخلايا التائية تلك بالتجارب على الحيوانات. وترى مايني أن تجارب "التحدي البشري"، التي يُعرَّض المشاركون فيها عمدًا لـ«سارس-كوف-2»، ستساعد على تحديد ما إذا كانت هذه الخلايا التائية تساعد حقًا في التخلص من العدوى.