أنباء وآراء

نمذجة لنمط الانتشار الغامض في أولى موجات «كوفيد»  

لتحسين قدرتنا على التصدي للجوائح مستقبلًا، يجب أن نفهم كيف انتشر فيروس «سارس-كوف-2» بهذه السرعة. ويُلقي نموذج جديد لتفشي «كوفيد-19» الضوءَ على حالات الانتشار الغامضة لهذا المرض، والتي لم تكتشفها جهود الرصد في أوائل عام 2020.

  • Published online:

على مدار الشهور العشرين الماضية، وصل عدد حالات الوفاة التي أُفيد بأنها نجمت عن جائحة «كوفيد-19» إلى أكثر من 4.9 مليون حالة (https://coronavirus.jhu.edu). وقد تأثرت حياة البشر في جميع أنحاء العالم بالتدابير المُتَّخذة للحدِّ من انتشار فيروس «سارس-كوف-2». وعلى الرغم من أن جهود نمذجة انتشار الوباء ساعدت على وضع تصوَّر لديناميكياته في مراحل تفشّيه المبكرة في بعض البلدان، ما زلنا غير قادرين على الوصول إلى تصوُّر مُحكَم للكيفية التي تكشَّفت بها الجائحة على الصعيد العالمي. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، تستعرض الباحثة جيسيكا ديفيس وفريقها البحثي1 نمذجة لانتشار الجائحة على مستوى العالم، بهدف تقييم أولى حالات الانتشار الغامض لفيروس «سارس-كوف-2»، أي عمليات انتشار الفيروس التي لم تتمكن جهود الرصد الأولية من اكتشافها، في الولايات المتحدة والقارة الأوروبية.

إذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء، وأمعننا النظر في التسلسل الزمني للأحداث التي وقعت في الشهور الأولى من الجائحة، لوجدنا أن سرعة انتشار الفيروس في شتى أنحاء العالم كانت مثيرة للقلق، وهو ما أدَّى إلى إنفاذ تدابير إغلاق واسعة النطاق فرَضتْ قيودًا على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأفراد. على سبيل المثال، في العاشر من يناير عام 2020، أُفِيد بوقوع 41 حالة إصابة بـ«كوفيد-19» في مدينة ووهان بمقاطعة خوبَي الصينية، في حين جرى الإبلاغ عن أُولى حالات وقوع الإصابات بعدوى «كوفيد-19» خارج الصين في الثالث عشر من يناير من العام نفسه (في تايلاند)، ثم في السادس عشر من الشهر ذاته (في اليابان). وفي الثالث والعشرين من يناير ذلك العام، فرضت مدينة ووهان تدابير الإغلاق التام، ثم أعقب ذلك فرض تدابير إغلاق في بلدان أخرى على مدار شهر مارس؛ في إيطاليا (في اليوم الحادي عشر من الشهر)، وفي إسبانيا (في اليوم الرابع عشر)، وفي النمسا (في اليوم السادس عشر)، وفي فرنسا (في اليوم السابع عشر). كذلك سجَّلت بلدان كثيرة داهمها تغيّر الأوضاع بهذه الوتيرة السريعة ارتفاعًا كبيرًا في عدد حالات الوفاة بها. من هنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف يُمكننا أن نُبلي بلاءً أفضل في المرة التالية التي تندلع فيها جائحة؟ للإجابة عن هذا السؤال وتحسين استعدادنا لمواجهة أي أوبئة أو جوائح في المستقبل، فمن الأهمية بمكان وضع تصوُّر أكثر وضوحًا للمراحل الأولى التي سلكها انتشار الفيروس. ولا شك أن ذلك ليس هينًا، بالنظر إلى أن قدرتنا المحدودة على إجراء اختبارات الكشف عن الإصابة بالفيروس في ذلك الوقت يُحتمل أن تكون قد جعلت رصد انتشاره في عديد من البقاع مستعصيًا.

وقد استعانت ديفيس وفريقها البحثي بنموذج الأوبئة والتنقل العالمي (GLEAM)، الذي يضمّن مبادئ التوزيع الاحتمالي العشوائي (أي متغيرات عشوائية)، ومبادئ آليات النظم (ومنها مبادئ مُحدَّدة تتعلَّق بالآليات البيولوجية والاجتماعية التي تُعزَى إليها حالات العدوى الفيروسية وانتشارها)، بهدف محاكاة انتشار الفيروس على مستوى العالم2. ويعتمد النموذج على أنواع شتى من البيانات لفهم طبيعة انتشار الوباء القائمة على عوامل متعددة، بما في ذلك بيانات وصفية عن الجوانب التالية: المجموعات السكانية التي انتشر الفيروس بين أفرادها، والخصائص الديموغرافية لكل بلد تفشَّى فيه، وحركة الأشخاص وتنقلاتهم على الأصعدة الدولية والمحلية (كما يتَّضح على سبيل المثال من حركتهم عبر شبكات النقل الجوي، وأنماط تنقلاتهم إلى أماكن عملهم ومنها)، وسلوكيات الأفراد، ومنها ما يُوثق أنماط اختلاط مختلف فئاتهم العمرية ببعضها. ويرصد النموذج أيضًا الجوانب البيولوجية لانتشار فيروس «سارس-كوف-2»، وبعض السمات الإكلينيكية التي تميّز الإصابة به (مثل درجة فتكه بالمصابين به في كل فئة عمرية خضعت للدراسة)، وتوقيتات فرض التدابير غير الدوائية لاحتواء الفيروس، مثل تدابير الإغلاق وتقييد الحركة.

واستعان واضعو الدراسة بهذا النموذج في تسليط الضوء على الكيفية التي انتشر بها الفيروس في جميع أنحاء العالم. على سبيل المثال، يؤكِّد النموذج أنه في بداية الجائحة (في الفترة ما بين شهري يناير ومارس من عام 2020)، مرَّ كثير من الهجمات الأولى للفيروس دون أن يفطن إليه أحد في الولايات المتحدة وأوروبا (انظر الشكل رقم 1). على سبيل المثال، كانت كاليفورنيا أولى الولايات الأمريكية التي تتأثر سلبًا بانتشار العدوى داخل الولايات المتحدة (في الأسبوع الذي بدأ بيوم السادس والعشرين من يناير، وفق ما أشار إليه النموذج)، وإن لم يرِد دليل على انتشار العدوى محليًا في تلك الولاية إلا بعد مرور شهر كامل (في السادس والعشرين من فبراير). أما في أوروبا، فقد أشارت جهود نمذجة انتشار الجائحة إلى أن تفشِّي حالات العدوى داخل القارة بدأ نهاية يناير في إيطاليا والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، إذ تأخر أيضًا بدرجة كبيرة الإبلاغ عن وقوع حالات إصابة على النطاق المحلي. وبوجه عام، وفقًا لتقديرات ديفيس وفريقها البحثي، بحلول الثامن من مارس عام 2020، لم تكن جهود الرصد قادرة إلا على اكتشاف عدد يتراوح بين حالة واحدة وثلاث حالات من بين كل مئة حالة إصابة بفيروس «سارس-كوف-2» في الولايات المتحدة وأوروبا.

الشكل رقم 1: الإحصائيات التقديرية والتي أُفيد بها لعدد حالات الإصابة بـ«كوفيد-19» أوائل عام 2020. استخدمت جيسيكا ديفيس وفريقها البحثي 1عملية نمذجة وبائية مُعقَّدة لتكوين تصوُّر عن آلية انتشار «فيروس سارس-كوف-2» في 30 دولة أوروبية وفي الولايات المتحدة، في بداية جائحة «كوفيد-19». ووفقًا لتقديرات الفريق البحثي، لم تنجح جهود الرصد إلا في اكتشاف نسبة ضئيلة فقط من حالات الإصابة بالمرض، في الفترة ما بين السابع عشر من يناير عام 2020 والحادي والعشرين من فبراير العام نفسه، وقد نتجت بقية الحالات التي تضمنتها هذه التقديرات عن آلية انتشار غامضة للفيروس المسبب للجائحة.

الشكل رقم 1: الإحصائيات التقديرية والتي أُفيد بها لعدد حالات الإصابة بـ«كوفيد-19» أوائل عام 2020. استخدمت جيسيكا ديفيس وفريقها البحثي 1عملية نمذجة وبائية مُعقَّدة لتكوين تصوُّر عن آلية انتشار «فيروس سارس-كوف-2» في 30 دولة أوروبية وفي الولايات المتحدة، في بداية جائحة «كوفيد-19». ووفقًا لتقديرات الفريق البحثي، لم تنجح جهود الرصد إلا في اكتشاف نسبة ضئيلة فقط من حالات الإصابة بالمرض، في الفترة ما بين السابع عشر من يناير عام 2020 والحادي والعشرين من فبراير العام نفسه، وقد نتجت بقية الحالات التي تضمنتها هذه التقديرات عن آلية انتشار غامضة للفيروس المسبب للجائحة.

كبر الصورة

ومن اللافت أنه في الدول الأوروبية الثلاثين التي خضعت للدراسة جميعها، وكذلك في جميع الولايات الأمريكية، بدأ انتشار حالات العدوى على النطاق المحلي في إطار زمني قصير نسبيًا يبلغ قرابة شهرين في الفترة ما بين منتصف يناير ومنتصف مارس عام 2020. وقد أدى هذا التبايُن في تواريخ بدء اندلاع حالات العدوى، إلى جانب الاختلافات في توقيتات فرض تدابير التدخل لعلاج الأزمة وقوة هذه التدابير، إلى أنماط انتشار للمرض، تختلف اختلافًا شديدًا باختلاف المنطقة. فبحلول الرابع من يوليو عام 2020، تراوحت معدلات الإصابة بالعدوى في المناطق التي شملها هذا التحليل (نسبة السكان الذين أصيبوا بالفيروس في منطقة ما) بين نحو 0.2% و15%.

وبإمكان جهود نمذجة انتشار الجائحة أن تساعد على تقييم فاعلية استراتيجيات فحوص الكشف عن الفيروس التي طُبِّقت في ذلك الوقت، والتي كانت في أغلب الوقت تمسّ المسافرين الوافدين من الصين. فعلى الرغم من أن نسبة كبيرة من المصابين بـ«كوفيد-19» ممن قدِموا إلى الولايات المتحدة وأوروبا، كانوا قد وفدوا بالفعل من الصين في يناير عام 2020، سرعان ما أصبحت الولايات الأمريكية والدول الأوروبية المجاورة للمناطق التي شملتها الدراسة تلعب دورًا كبيرًا في تفشي العدوى بتلك المناطق.

ولا شك أن نقص المعلومات الوبائية الموثوقة عن البقاع التي تأثَّرت سلبًا بانتشار العدوى على مستوى العالم يعني أن سياسات إجراء اختبارات الكشف عن الفيروس في معظم البلدان كانت محدودة النطاق للغاية، وربما غير فعَّالة. من هنا، تطرح ديفيس وفريقها البحثي تصوّرًا لسيناريو مُغاير للواقع، يفيد بأنه لو كانت سياسات فحوص الكشف عن الفيروس حينذاك أوسع نطاقًا، لتتيح رصد 50% من إجمالي عدد حالات الإصابة الوافدة والمحلية في الولايات المتحدة وأوروبا، فلربما تأخَّر بدء انتشار العدوى في عديد من الأماكن بهذه المناطق لمدة شهر واحد على الأقل. وكان هذا سيمنح الحكومات مزيدًا من الوقت للاستعداد للجائحة، على سبيل المثال، من خلال تعزيز قدرات نظم الرعاية الصحية واقتناء المعدات الوقائية. مع ذلك، فعند الأخذ في الاعتبار الافتراضات المتفائلة التي يقوم عليها هذا السيناريو المُغاير للواقع، يبقى من الصعب تخيّل أن الدول كان بإمكانها زيادة قدرتها على إجراء فحوص الكشف عن الفيروس بالسرعة الكافية لرصد 50% من إجمالي أولى حالات الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2».

وثمة طرق أخرى لنمذجة الكيفية التي انتشر بها فيروس «سارس-كوف-2»، تشمل -على سبيل المثال- دراسات تعيين تسلسل الحمض النووي الريبي للفيروس للوقوف على "شجرة عائلة" سلالاته المنتشرة3،4. وفي هذه المقاربات، تسترشد نمذجة تاريخ انتشار الفيروس بجميع البيانات المتاحة حتى وقت إجراء الدراسة وتكون متّسقة معها. أما عمليات المحاكاة التي استعرضتها ديفيس وفريقها البحثي، فهي على النقيض، جرت مواءمتها منذ البداية لتكون متّسقة مع البيانات من وقت بداية الجائحة، لكنها لم تتقيَّد بما رُصِد بعد الحادي والعشرين من يناير عام 2020. من ثمَّ، فإن نطاق المسارات المحتملة لانتشار الفيروس الذي يسعى فريق ديفيس لاستكشافه أوسع منه في حال دراسات التطوّر السلالي لهذا الانتشار. وبعض هذه المسارات قد لا يطابق تمامًا ما حدث على أرض الواقع. وعلى الرغم من تلك السمة التي تُميِّز عمليات المحاكاة التي أجراها الفريق البحثي، يمكن القول بأن ثمة علاقة تناسُب قوية نسبيًا بين حالات الإصابة بالعدوى التي توقَّعتها هذه النمذجة وأعداد الحالات المرصودة.

فإحدى نقاط القوة الرئيسية التي تُميّز النهج الذي سلكته ديفيس وفريقها البحثي عند مقارنته بغيره من المقاربات، تتمثل في أن النموذج الذي تبنّوه يتيح فهم آليات انتشار الجوائح، وهو ما يجعل من الممكن وضع نماذج لسيناريوهات توثِّق الكيفية التي يمكن أن تكون الجائحة قد تكشَّفت بها في ضوء خيارات سياسية مختلفة، كما في حال السيناريوهات المغايرة للواقع المذكورة أعلاه، ومنها سيناريو تكثيف إجراء فحوص الكشف عن الفيروس من بداية الجائحة. من ثمَّ، فإن ما تتيحه هذه النمذجة من قدرة على استخلاص وتوقع ديناميكيات الجوائح المعقدة غير المباشرة، وقدرة على تقييم الآثار المحتملة للخيارات السياسية على اختلافها، يفسر إلى حد كبير السبب وراء تزايد استخدام تلك النماذج لدعم صنع السياسات، وقد عزَّزت الجائحة هذا الاتجاه. ولعل اضطلاع هيئة المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بإنشاء مركز للتنبؤ بمسارات الأمراض ليس سوى المثال الأحدث لتنامي هذا الاتجاه5.

وعلينا أن ننظر إلى عديد من الخيارات المشوقة لتحسين هذه النماذج لاستخدامها مستقبلًا. وبإمكاننا تحسين كفاءة الطرق التي تُستَخدم لضبط هذه النماذج لتوائم البيانات الوبائية وبيانات التسلسل الجيني الفيروسي من أجل "التنبؤ الآني" والتنبؤ المستقبلي بانتشار الفيروسات، فضلًا عن تقييم تأثيرات السياسات أولًا بأول. كذلك يُعدّ تكوين صورة أوضح عن العوامل التي تؤثر في انتشار الفيروسات (مثل التنقلات وأنماط الاختلاط والتغيرات السلوكية والمناخ ومناعة المجموعات السكانية) ضروريًا لتحسين الافتراضات التي تقوم عليها النمذجة؛ إذ إن النماذج تكون بجودة البيانات التي تستند إليها. وعلى الرغم من أن عمليات رصد «كوفيد-19» ومجموعات البيانات التي تستخدمها قد تحسَّنت بشكل كبير في أثناء الجائحة، يجب استمرار تلك الجهود إلى ما بعد جائحة «كوفيد-19»، كما يجب الاستمرار في إتاحة نظم معلومات مستقرة7،6(على سبيل المثال، https://coronavirus.jhu.edu) من أجل تقييم ديناميكيات انتشار المرض على مستوى العالم تقييمًا دقيقًا.

References

  1. Davis, J. T. et al. Nature 600, 127–132 (2021). | article
  2. Balcan, D. et al. J. Comput. Sci. 1, 132–145 (2010). | article
  3. Fauver, J. R. et al. Cell 181, 990–996 (2020). | article
  4. du Plessis, L. et al. Science 371, 708–712 (2021). | article
  5. CDC Stands Up New Disease Forecasting Center. https://www.cdc.gov/media/releases/2021/p0818-disease-forecasting-center.html (CDC, 2021).
  6. Hale, T. et al. Nature Hum. Behav. 5, 529–538 (2021). | article
  7. Hadfield, J. et al. Bioinformatics 34, 4121–4123 (2018). | article

سايمون كاوتشيميز وباولو بوسيتي يعملان في وحدة النمذجة الرياضية لانتشار الأمراض المعدية بمعهد باستور، جامعة باريس، UMR 2000، باريس 75015، فرنسا.

والبريد الإلكتروني لهما هو: simon.cauchemez@pasteur.fr