كتب وفنون

بحثًا عن تدخلات علاجية أفضل للبيولوجيا التخليقية

دراسة استقصائية واسعة النطاق حول ما يصاحب التعديلات الجينية من آمال ومخاوف، وحماس وإخفاقات.

جايا فينس
  • Published online:
خنازير بيئية جرت هندستها وراثيًّا بحيث تُخرج فضلات ذات مستويات منخفضة من الفوسفور.

خنازير بيئية جرت هندستها وراثيًّا بحيث تُخرج فضلات ذات مستويات منخفضة من الفوسفور.

Credit: Jim Ross/NYT/Redux/eyevine

تحتاج الخنازير إلى الفوسفور في نظامها الغذائي، لكن معظم ما يوجد منه في حبوب أعلافها يكون في صورة حمض الفيتيك، الذي لا تستطيع الخنازير هضمه. ونتيجة لذلك، تتخلص هذه الحيوانات من الحمض في البيئة، وهو ما يتسبب في تلوث كبير لأحواض تصريف المياه الموجودة حول مزارع الخنازير، بل ويتسع نطاق هذا التلوث، ليؤدي إلى ظهور مناطق تخلو من الحياة في المحيطات. وصحيح أن بإمكان المزارعين إضافة أحد الإنزيمات، باهظة الثمن، إلى العلف لمساعدة هذه الحيوانات على تكسير حمض الفيتيك، إلا أن هذا الإنزيم غالبًا ما يتلف داخل مزيج العلف قبل أن تتمكن الخنازير من استخدامه.

وهنا ظهر ما يُعرف بـ«الخنزير البيئي» Enviropig. إذ استطاع باحثون إدخال اثنين من الجينات إلى جينوم هذا الخنزير، حصلوا على أحدهما من سلالة لبكتيريا الإشريكية القولونية Escherichia coli، والآخر من أحد الفئران، ما سيسمح لهذا الحيوان بإنتاج الإنزيم المطلوب في لعابه. ولم يصل الباحثون بالطبع إلى تصميم تنين ينفث اللهب، لكن هذه الكائنات تُنتج من الفوسفور ما هو أقل من الخنازير الطبيعية بنسبة تصل إلى 65%، دون حاجة إلى استخدام مكملات غالية الثمن.

وجدير بالذكر، أنه على مدار فترة طويلة من الزمن، تسببت تدخلات البشر في حالة من الفوضى بالكوكب، والآن بفضل التكنولوجيا البيولوجية، أصبحت لدينا أدوات، مثل هذا الخنزير البيئي، نستطيع استخدامها لإصلاح بعض مما أفسدناه. السؤال إذن: هل ينبغي لنا أن نستخدم هذه الأدوات؟ عالمة البيولوجيا الجزيئية بيث شابيرو ترى أن علينا فعل ذلك. على سبيل المثال، يُمكننا إجراء تعديلات جينومية على أنواع مُحددة "لمساعدتها على التكيُّف مع أشكال أكثر جفافًا من التربة، ومع المحيطات التي تزداد فيها درجة الحمضية، وجداول المياه التي تزداد تلوثًا". والغرض من هذه التعديلات هو استحداث «محركات جينية»، أي أنظمة تفوق في تأثيرها عمليات الانتخاب الطبيعي بين الأنواع؛ لإحياء الأنواع المنقرضة، والقضاء على الأنواع الغازية الدخيلة. وتستطيع البيولوجيا التخليقية مساعدتنا كذلك في حل بعض من أكبر مشكلاتنا، بدءًا من انتشار المجاعات إلى أزمات المناخ، إلى جانب الحفاظ على أنواع أخرى في الوقت نفسه. وتحاجج شابيرو في كتابها «كيف تؤثر تدخلاتنا في الحياة؟» Life as We Made It، بأننا رُعاة هذا الكوكب، و"قد حان وقت الاضطلاع بهذا الدور".

الدراسة واسعة النطاق التي يضمها الكتاب حول ما يصاحب التعديل الجيني من آمال ومخاوف وحماس وإخفاقات، تقدم للقارئ جولة ممتعة للتعرف على الأنواع التي كانت "مستحيلة التخليق"، والتي صنّعها العلماء لحل المشكلات البشرية المُلِحَّة. فنستعرض الماشية الجلحاء (التي لا قرون لها)، والطماطم المحتفظة بنكهتها لفترات طويلة، والأرز الذهبي، والبعوض حامل الملاريا المُعَدَّل جينيًّا لنشر العقم بين أفراده، والخميرة المُعَدَّلة جينيًّا لإنتاج «دم» مُخلّق، يُستخدم في تصنيع برجر نباتي لذيذ الطعم، وحيوانات ابن مِقرَض المُهَدَّدة بالانقراض، والتي جرى استنساخها للمساعدة في إنقاذ النوع من الانقراض، وأمثلة أخرى.

وتتأمل شابيرو الإمكانات التي قد تتيحها عمليات التعديل الجيني تلك التي يعكف عليها العلماء، بدءًا من إعادة حيوانات الماموث المنقرضة للعالم مرة أخرى، ووصولًا إلى إنتاج بعض من المحاصيل الشائعة بتعديلها وراثيًّا بحيث تسمح بتخزين المزيد من الكربون في جذورها، ما يساعد على مكافحة تغيُّر المناخ.

لكن حماس شابيرو لا يعميها عن المخاطر الكامنة والمعضلات الأخلاقية المرتبطة بعلم البيولوجيا التخليقية. لهذا، تسرد الكاتبة بعناية غرور بعض مساعي هذا المجال التي كان مآلها الفشل. إذ أدى نقص الشفافية وعدم إشراك المجتمعات في اتخاذ بعض القرارات - في بعض الأحيان بدافع من سذاجة محضة - إلى إلحاق الضرر بالمجال، كما سُمح لمتبنيّ نظريات المؤامرة، وأصحاب الآراء المتطرفة من المناهضين للتعديلات الجينية بالهيمنة على السردية السياسية، ونشْر المعلومات المضللة عن مخاطر هذه الممارسات على مدار عقود عدة. وهنا، تقول شابيرو: "اليوم، إذا كنا نريد طعامًا كافيًا لإطعام 9 أو 10 مليارات شخص، فضلًا عن هواءٍ قابل للتنفس، ومياه صالحة للشرب، وموائل تتمتع بالتنوع البيولوجي لأنواعها، فنحن بحاجة إلى مزيد من التحكم في عمليات التطور"، أي إننا بحاجة إلى توجيهها.

وتدعونا شابيرو إلى تبني التعديلات الجينية بدرجة أكبر، مع وضع مسار أوضح وأقل عنفًا لها، من خلال إرساء أُطر تنظّمها. فتذكر أنه لم يُسمَح لأحد، على سبيل المثال، بتجربة الخنزير البيئي. وتلك هي المشكلة: فإمكانات البيولوجيا التخليقية هائلة، لكن لم تخرج من المختبرات إلى أرض الواقع سوى حفنة قليلة من المخلوقات المعدلة جينيًّا. على سبيل المثال، ظل الأرز الذهبي قيد التطوير منذ تسعينيات القرن الماضي. مع ذلك، لم يَسنح استخدامه في أي مكان من العالم، حتى يوليو من هذا العام، حينما أصبحت الفلبين أول دولة تُصرّح بزراعته. ويبقى أن نرى ما إذا كان المزارعون سيزرعونه، أم لا.

ونوعًا ما، فإن الحجج التي تُساق ضد البيولوجيا التخليقية تصب في غير محلها. فعلى مدار عقود مضت، استحدث البشر صورًا جديدة من المخلوقات، باستخدام وسائل غير طبيعية. فتكتب شابيرو، على سبيل المثال: الماشية كانت تُستولد بصورة روتينية بالاستعانة بعمليات التلقيح الصناعي ونقل الأجنة، وهو ما يتيح لها إنتاج ما يصل إلى عشرة عجول في العام بدلًا من واحد فقط، وهو ما من شأنه أن ينقذ حياة البشر في مناطق من العالم تُعاني من انعدام الأمن الغذائي. ولا شك أن سعي البشرية الطويل لترويض عالم الطبيعة وتحسينه بما يسمح ببقائنا وتحقيق المنفعة لنا، يعود إلى آلاف السنين.

والعبرة المستقاة من هذه التجارب هي أنه في كثير من الحالات، كان هذا السعي في حد ذاته هو ما تسبب في أكبر المشكلات التي نواجهها في يومنا هذا. على سبيل المثال، نتجت المناطق التي تخلو من الحياة بالمحيطات عن استحداث البشر (من خلال عمليات الاستيلاد) لنسخة مُستأنسة من الخنازير البرية، والاحتفاظ بمئات الملايين منها في أراض اصطناعية (مزارع) مع الاعتماد على المحيط البيولوجي للتعامل مع النفايات السائلة الناتجة عن هذه الحيوانات.

ويوثِّق ثُلث كامل من الكتاب التعديلات التي أدخلناها على البيئة في عصور ما قبل التاريخ، بعد تطور البشر وانقراض الحيوانات الضخمة، من خلال سرد يمزج بين التأثيرات المناخية والتأثيرات البشرية. وتضفي شابيرو، المتخصصة في دراسة الحمض النووي العتيق، طابعًا شخصيًّا على هذه القصة المألوفة من خلال رواية قصص من أبحاثها الخاصة. فتركز في سردها على دراستها لأحد الحيوانات المُستأنسة، تحديدًا البَيسون (الثور) الأمريكي، ونجاته بأعجوبة من الانقراض. وقد انطلقتْ آخر جهود إنقاذ هذا النوع، بفضل تدابير الحفاظ على الحيوانات، التي طرحها الرئيس الأمريكي الأسبق، ثيودور روزفلت، الذي كان هو نفسه يمارس الصيد قبل توليه الرئاسة. فكانت النتيجة أن ازدهر تعداد هذا النوع، الذي كان في وقت ما يُقَدَّر بعشرات الملايين، ليقفز عدد الأفراد الناجين القلائل منه من 300 حيوان في بداية القرن العشرين إلى أكثر من 500 ألف ثور في يومنا الحالي.

وتتمثل وجهة نظر شابيرو التي تَظهر في جميع أجزاء الكتاب، في أننا تدخلنا على الدوام في عمل الطبيعة، وحلُّ المسألة ليس بإيقاف هذا التدخل، ولكن باعتماد طرق أفضل لفعل ذلك. وتسوق حُججًا مقنعة على ذلك، رغم الجَزْم المُقلِق أحيانًا الذي يغلبها، مثل قولها: "تعدادنا اليوم يفوق عدد الأفراد الذين يُمكِن إطعامهم باستخدام التكنولوجيا الحالية"، وهو ما قد يختلف معه كثيرون. لكن لا شك في أن البيولوجيا التخليقية تملك القدرة على مساعدتنا في حل بعضٍ مِن كبرى مشكلاتنا العالمية. ومن خلال هذا السرد الفطن لما تستطيع البيولوجيا التخليقية تقديمَه لإفادة البشرية، تكون شابيرو قد قدّمت للمجال خدمة جليلة.

جايا فينس:هي مؤلفة كتاب «ارتقاء البشر: كيف تطوّر البشر باستخدام النار واللغة والجَمال والوقت» Transcendence: How Humans Evolved Through Fire, Language, Beauty & Time، وكتاب«مغامرات عصر الأنثروبوسين: رحلة إلى قلب الكوكب الذي صنعناه»Adventures in the Anthropocene: A journey to the Heart of the Planet we Made