أنباء وآراء

تحليلٌ للأنظمة الغذائيّة: اختلال توازن الليبيدات يبطئ نمو السرطان

إن فهم تأثير النظام الغذائيّ على نمو الأورام قد يؤدي إلى ابتكار أنظمة علاجيّة أفضل. وقد كشف تحليل أجراه باحثون على فئران تجارب أن الأنظمة الغذائيّة قليلة السعرات، فيما عدا الحميات الكيتونية، تبطئ نمو سرطان البنكرياس. ويحدث هذا التأثير عن طريق التغيّرات في الليبيدات. 

جوليا سالفادوري، وفالتير دي. لونجو
  • Published online:

العديد من الأنظمة الغذائية، مثل الأنظمة التي تحدّ بصفة دورية من تناوُل السعرات، بحيث تحفِّز تغيّرات أيضيّة مرتبطة بالصيام (مثل الأنظمة المُحاكية للصيام الدوريّ)1، أو الأنظمة منخفضة السعرات مرتفعة الدهون (الحميات الكيتونية)، بدأت بالظهور كتدخلات غذائيّة قادرة على تأخير نمو الأورام السرطانية. ولعل بإمكانها تعزيز تأثير الأدوية المضادة للسرطان1، 2. ومع أن تقليل السعرات لأمد طويل ليس قابلًا للتطبيق في أغلب أنواع علاجات السرطان، لأنه يؤدي إلى فقدان الوزن وخفض كتلة الجسم3، فقد بدأ اختبار فعالية الحميات الكيتونية والأنظمة الغذائيّة المُحاكية للصيام الدوريّ في سلسلةٍ من التجارب الإكلينيكية، وهي تقدِّم نتائج واعدة للغاية عند استخدامها مع الأنظمة العلاجيّة المعتادة1، 2، 4-6. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، نجح الباحث إيفان سي لين وفريقه البحثي7 في سد بعض الثغرات المعرفية عن تأثير النظام الغذائيّ على نموّ الأورام السرطانية.

جدير بالذكر أن الدراسات على حيوانات التجارب تقدم أدلة تشير إلى أن العديد من التدخلات الغذائيّة قد يكون ذا تأثير قويّ إذا استُخدم مع الأدوية المعتادة المضادّة للسرطان4. إلا أن نتائج هذه الدراسات تشدد أيضًا على أهميّة كلٍ من المستويات النسبية للسعرات والبروتينات والدهون والكربوهيدرات في النظام الغذائيّ، فضلًا عن أهمية مدة النظام الغذائيّ، ومعدل تكراره. ومما يصعِّب الخضوع لأنظمة غذائيّة معيَّنة إكلينيكيًا أنها قد تكون عالية الكفاءة مع دواء معيّن، وغير فعَّالة مع دواء آخر. وبالتالي، فمن الضروريّ فهم الآليات الجزيئيّة التي تمنح التدخلات الغذائيّة القدرة على تسميم الخلايا السرطانيّة، أو القدرة على زيادة فعالية الأدوية القياسية، وذلك لتطوير أنظمة رعاية علاجية قياسية تدخل فيها أنظمة غذائية معينة (أي علاجات يوصي بها الأطباء الإكلينيكيون بشكلٍ معتاد).

وتسهم دراسة لين وفريقه البحثي برؤى متعمقة مستقاة من علم الجزيئات (انظر الشكل 1) توضح كيف أن فعالية الأنظمة الغذائية المختلفة في إبطاء نمو الأورام السرطانية على اختلافها، تعتمد على تأثير النظام الغذائي على الليبيدات في الدم وفي الورم. وقد درس الباحثون فئران تجارب مصابة بأحد نوعين من الأورام السرطانية: إما سرطان البنكرياس الغدي القنوي أو سرطان الرئة غير صغير الخلايا. كما قيَّم لين وفريقه البحثي تأثير نظامٍ غذائيّ معيَّن خُفِّض فيه استهلاك السعرات بنسبة 40% بتقليل تناول الكربوهيدرات، فضلًا عن تقييم تأثير حمية كيتونية ذات مستوى طبيعي من السعرات، وقائمة على استهلاك الدهون بنسبة 90% والبروتين بنسبة 9% والكربوهيدرات بنسبة 1%. ووجد الفريق البحثي أن النظام الغذائيّ منخفض السعرات أضعف نمو الأورام في حيوانات التجارب، في حين أن الحمية الكيتونية لم تحقق ذلك، رغم أن كلا النظامين الغذائيين يؤديان إلى الانخفاض نفسه تقريبًا في مستويات الجلوكوز في الدم. وقد أُفيد سابقًا بأن مستويات الجلوكوز تلعب دورًا أساسيًا في بقاء أنواع عديدة من الأورام السرطانية ونموها. وهو ما أدَّى إلى استهداف العلماء لعمليّة أيض الجلوكوز كمنهجيّة علاجيّة مضادّة للسرطان8.

شكل 1 | تأثير النظام الغذائيّ في نموّ الأورام في الفئران. أ: تبطئ الأنظمة الغذائية قليلة السعرات نموّ الأورام بخفض مستويات الجلوكوز والأحماض الأمينيّة وهرمون الإنسولين، بحيث تثبط العديد من مسارات التأشير المعززة لنمو الأورام (مسارات TOR وAC وPI3K)4. وقد أفاد الباحث إيفان سي لين وفريقه البحثي7أن هذا النظام الغذائيّ يثبط أيضًا  نازعة تشبُّع مرافق إنزيم الستيرويل أ  (SCD)، وهو إنزيم يمكنه تحويل الحمض الدهنيّ المشبع إلى حمض دهنيّ أحاديّ غير مشبع. ويبطئ اختلال توازن الأحماض الدهنيّة نموّ أورام البنكرياس. ب: الحمية الكيتونية، والتي تحتوي على نسبة سعرات طبيعيّة مع ارتفاع مستويات الدهون، تؤثر أيضًا على مسار الإنسولين كما أفاد لين وفريقه البحثي. إلا أنها لا تغيِّر نسبة الأحماض الدهنيّة المشبعة إلى الأحماض الدهنيّة الأحاديّة غير المشبعة، كما أنها تمكِّن أورام البنكرياس من النموّ.

شكل 1 | تأثير النظام الغذائيّ في نموّ الأورام في الفئران. أ: تبطئ الأنظمة الغذائية قليلة السعرات نموّ الأورام بخفض مستويات الجلوكوز والأحماض الأمينيّة وهرمون الإنسولين، بحيث تثبط العديد من مسارات التأشير المعززة لنمو الأورام (مسارات TOR وAC وPI3K)4. وقد أفاد الباحث إيفان سي لين وفريقه البحثي7أن هذا النظام الغذائيّ يثبط أيضًا  نازعة تشبُّع مرافق إنزيم الستيرويل أ  (SCD)، وهو إنزيم يمكنه تحويل الحمض الدهنيّ المشبع إلى حمض دهنيّ أحاديّ غير مشبع. ويبطئ اختلال توازن الأحماض الدهنيّة نموّ أورام البنكرياس. ب: الحمية الكيتونية، والتي تحتوي على نسبة سعرات طبيعيّة مع ارتفاع مستويات الدهون، تؤثر أيضًا على مسار الإنسولين كما أفاد لين وفريقه البحثي. إلا أنها لا تغيِّر نسبة الأحماض الدهنيّة المشبعة إلى الأحماض الدهنيّة الأحاديّة غير المشبعة، كما أنها تمكِّن أورام البنكرياس من النموّ.

كبر الصورة

ومن الأسباب المحتملة لتأثير أحد النظامين الغذائيين فقط على الورم السرطاني أن النظام الغذائي محدود السعرات وحده، قلل نسبة الجلوكوز المتوفرة لخلايا الورم. من جهة أخرى، نظرًا إلى أن التدخلات الغذائيّة تغيِّر مستويات العديد من جزيئات النواتج الأيضيّة، درس لين وفريقه البحثي ما إذا كانت المواد الغذائيّة فيما عدا الجلوكوز تغيِّر التأثير المضاد للسرطان الذي يحققه النظام الغذائي محدود السعرات. فقاس الفريق وفرة جزيئات الأحماض الدهنيّة في بلازما الدم، وفي الأورام. وكما كان متوقعًا، تسببت الحمية الكيتونية في إنتاج مستويات عالية من أنواع عديدة من الأحماض الدهنيّة، بينما ارتبط الحد من السعرات بانخفاض مستويات هذه الأحماض الدهنيّة، وهو ما يعزز احتمالية أن أنواعًا معينة من الأحماض الدهنيّة تغذي نموّ الأورام.

وقد أوضح لين وفريقه البحثي أن النظامين الغذائيين خفضا نشاط إنزيمٍ يسمَّى نازعة تشبُّع مرافق إنزيم الستيرويل أ (أو اختصارًا SCD)، وهو إنزيم يساعد في إنتاج أحماض دهنيّة أحاديّة غير مشبّعة (أي أحماض دهنيّة تحتوي على رابطة مزدوجة من ذرتي كربون) من الأحماض الدهنيّة المشبَّعة (أي الأحماض الدهنيّة التي لا تحتوي على روابط كربونية مزدوجة). ووفقًا لما أفاد به الفريق البحثي، تحتاج الخلايا السرطانيّة لهذا الإنزيم كي تتكاثر في البيئة الخالية من الليبيدات. بيد أن نظام الحد من السعرات وحده قلل مستويات الأحماض الدهنيّة الأحاديّة غير المشبعة، وأثَّر على نسبة الدهون غير المشبعة إلى الدهون المشبعة. وهو ما يشير أن عدم التوازن بين هذين النوعين من الأحماض الدهنيّة يؤثِّر في نموّ الأورام. ومن ثم، أجرى الفريق البحثي تجارب لاختبار صحة هذه الفرضيّة. ووجد أن زيادة نشاط إنزيم نازعة تشبع مرافق إنزيم الستيرويل أ قد عطَّل جزئيًا تباطؤ نموّ الأورام الذي سببه الحد من السعرات. وحينما درس الفريق البحثي خصائص الأحماض الدهنيّة في الأورام التي تفرز هذا الإنزيم، لاحظ ارتفاع نسبة الأحماض الدهنيّة الأحاديّة غير المشبعة إلى الأحماض الدهنيّة المشبعة عنها في الفئران التي خضعت لنظام غذائي محدود السعرات.

ولكي يختبر لين وفريقه البحثي صحة الآليّة التي افترضوا أن الحد من السعرات يعطِّل نمو أورام البنكرياس من خلالها، أخضعوا فئران التجارب لنظام غذائي عالي الدهون محدود السعرات غني بزيت النخيل، كي تعود النسبة بين الدهون غير المشبعة والمشبعة إلى مستويات مماثلة لها لدى الفئران الخاضعة لنظام غذائي طبيعي. وقد أفاد الفريق البحثي بأن قيامه بهذا عطَّل جزئيًا تأثير الحد من السعرات على نموّ الأورام. وجدير بالذكر، أنه رغم أن النظام الغذائيّ محدود السعرات ثبتت فعاليته في مقاومة سرطان البنكرياس وسرطان الرئة، إلا أن إضافة زيت النخيل إلى هذا النظام أوقفت تأثيره على نموّ الأورام، فقط في حال سرطان البنكرياس. ويؤكَّد هذا الاكتشاف على الحاجة إلى التركيز على كلٍ من الأنظمة العلاجيّة التي تستهدف أنواعًا محددة من السرطان، والتدخلات الغذائيّة واسعة التأثير، وكلاهما يحدِثان معًا على الدوام تأثيرات مضادة للأورام. وفي الواقع، فإن الحد من السعرات لأمد طويل، أو الخضوع للأنظمة الغذائيّة المُحاكية للصيام، الأكثر خفضًا للسعرات (والتي تتمثل في اتباع نظام غذائي على فترات دورية بحيث يحاكي التغيرات الأيضيّة التي يُحدثها الصيام مع شرب الماء فقط) يكون فعالًا في مواجهة مجموعة كبيرة من الأورام السرطانية، لأن كلًا منهما يقلل مستويات عناصر متعددة، منها الجلوكوز وبروتينات الإنسولين، وIGF-1، والليبتين والفيريتين. كما أنهما أيضًا يغيران وفرة الأحماض الأمينيّة والدهون9-11.

ورغم أنه من المهم تحديد التغيّرات الغذائيّة التي قد تتسبب بمفردها في تأخير نمو الأورام، فمن الضروريّ تحديد أمزجة الأنظمة الغذائية الصارمة واسعة التأثير والأدوية ذات الفعالية الكبيرة التي تستهدف أنواعًا مختلفة من السرطان. وفي الواقع، ثبت سابقًا في الدراسات التي أُجريت على فئران تجارب12 أن دورات الصيام تحقق تأثيرًا مشابهًا لدواء العلاج الكيماويّ المسمَّى «جيمسيتابين» gemcitabine، فيما يتعلق بتأخير نمو أورام البنكرياس، لكن ثبت كذلك أن المزج بين الصيام وتناوُل «جيمسيتابين» وحده ذا تأثير قوي في منع تدهور سرطان البنكرياس.

وهكذا، تسلِّط دراسة لين وفريقه البحثي الضوء على الدور المحتمل الذي قد تلعبه الأنظمة الغذائيّة قليلة السعرات - فيما عدا الحميات الكيتونية – في إضعاف نموّ أنواع معينة من الأورام، وهو ما يمهد الطريق أمام مزيد من الدراسات التي تهدف لتقييم دور نواتج أيض أخرى في بقاء الخلايا السرطانيّة. 

References

  1. de Groot, S. et al. Nature Commun. 11, 3083 (2020). | article
  2. Zahra, A. et al. Radiat. Res. 187, 743–754 (2017). | article
  3. Dirks, A. J. & Leeuwenburgh, C. Mech Ageing Dev. 127, 1–7 (2006). | article
  4. Nencioni, A., Caffa, I., Cortellino, S. & Longo, V. D. Nature Rev. Cancer 18, 707–719 (2018). | article
  5. Hopkins, B. D. et al. Nature 560, 499–503 (2018). | article
  6. Douris, N. et al. Biochim. Biophys. Acta 1852, 2056–2065 (2015). | article
  7. Lien, E. C. et al. Nature 599, 302–307 (2021). | article
  8. Hay N. Nature Rev. Cancer 16, 635–649 (2016). | article
  9. Lee, C. et al. Sci. Transl. Med. 4, 124ra27 (2012). | article
  10. Caffa, I. et al. Nature 583, 620–624 (2020). | article
  11. Di Tano, M. et al. Nature Commun. 11, 2332 (2020). | article
  12. D’Aronzo, M. et al. Oncotarget 6, 18545–18457 (2015). | article

جوليا سالفادوري، وفالتر دي. لونجو هما باحثان في المؤسسة الدولية للطب، معهد FIRC لعلم الأورام الجزيئيّ، ميلان 20139، إيطاليا. كما أن جوليا سالفادوري تعمل أيضًا في قسم الأورام وأورام الدم بجامعة ميلان. أما فالتر دي. لونجو، فيعمل في معهد أبحاث العمر الطويل وفي كلية ديفيس لطب الشيخوخة، بجامعة جنوب كاليفورنيا، لوس أنجليس، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: vlongo@usc.edu