أنباء وآراء

سلالة بكتيرية تُعيد تدوير نفايات الأورام لشحذ الخلايا المناعية

العناصر الغذائية الأساسية التي تحتاجها الخلايا المناعية ينُدر وجودها في الأورام. وقد تبين أن سلالة من البكتيريا المعدَّلة جينيًا قادرة على غزو الورم السرطاني وإعادة تدوير نفاياته، وتحويلها إلى وقود أيضي لتعزيز الاستجابات المناعية المضادة للسرطان لدى الفئران.

لورانس سي تشين، إيفون واي تشين
  • Published online:

يُعدُّ تطويع الجهاز المناعي لشخص بحيث يستهدف ورمًا معينًا نوعًا من العلاج يُعرف باسم العلاج المناعي للسرطان. وقد ظهرت هذه الفكرة كأحد الخيارات الواعدة لعلاج السرطان. إذ تُمثِّل الخلايا التائية نوعًا من الخلايا المناعية التي تؤدي وظيفة رصد، وتملك القدرة على قتْل الخلايا الدخيلة أو المصابة التي يعدها الجهاز المناعي مصدر تهديد. وهذه الخصائص جعلت منها أحد الأعمدة الرئيسة التي يستند عليها العلاج المناعي للسرطان. ويعتمد توليد استجابة فعّالة من جانب الخلية التائية بشكل أساسي على مدى وفرة عناصر غذائية معينة، مثل الحمض الأميني «إل-آرجنين» L-arginine1. غير أن البيئة الميكروية للورم تُشكِّل تحديًا للخلايا التائية، نظرًا إلى افتقارها للعناصر الغذائية2. من هنا، استعرَض الباحث فيرناندو بابلو كانالي وفريقه البحثي3 في بحث سابق، نشرته دورية Nature، نتائجَ تُبيِّن أن معالجة الفئران ببكتيريا مُعدَّلة أيضيًا، تُنتج مصدرًا موضعيًا دائمًا لحمض «إل-آرجنين» في البيئة الميكروية للورم، وهو ما يولِّد استجابات مناعية قوية وطويلة الأمد لدى الخلايا التائية ضد الأورام، لا سيما عندما يجري الجمع بين هذه الطريقة وطريقة أخرى للمعالجة المناعية تُعرف باسم غلق نقاط التفتيش المناعي.

وقد تبيَّن في السابق1 أن تزويد الجسم بحمض «إل-آرجنين» يُطيل عمر الخلايا التائية، ويُعزِّز ذاكرة الاستجابة للورم، كما يُحسِّن فاعلية قتل الورم لدى فئران التجارب المُصابة بسرطان جلد معروف باسم «الورم الميلانيني» melanoma. غير أن العلاج الإكلينيكي عن طريق تزويد الجسم بحمض «إل-آرجنين» ليس بالسهل. فتعاطي هذا الحمض الأميني عن طريق الفم قد يتطلب من المرضى تناوُل كميات كبيرة منه كل يوم على نحو يُشكِّل صعوبة من الناحية العملية. وفي الوقت ذاته، قد لا تتوفر إمكانية حقن الحمض مباشرة داخل الورم إلا في الأورام الموجودة قرب سطح الجلد، وربما يفقد الحقن فاعليته بسبب تسرُّب الحمض إلى خارج الورم. لذا افترض كانالي وفريقه البحثي أن تطوير استراتيجيةٍ تُوفِّر إمدادًا موضعيًا ومتواصلًا من حمض «إل-آرجنين» في البيئة الميكروية للورم من شأنه أن يُساعد في العلاج المناعي باستخدام الخلايا التائية (شكل 1).

شكل 1| طريقة لتعزيز الاستجابات المناعية المضادة للأورام. تواجه الخلايا المناعية المعروفة باسم الخلايا التائية، تحدياتٍ شتى تُقلِّل قدرتها على قتل خلايا الورم. إذ تفتقر البيئة الميكروية للورم للعناصر الغذائية التي تحتاجها الخلايا المناعية، لكنها تحتوي على نسب عالية من النفايات الأيضية الناتجة عن خلايا الورم، مثل غاز الأمونيا. إضافة إلى ذلك، يمكن كبح نشاط الخلايا التائية عن طريق التفاعل بين بروتين PD-1، الموجود على أسطح الخلايا المناعية، وبروتين PD-L1، الموجود على أسطح خلايا الورم. وقد وجد كانالي وفريقه البحثي3 أن البكتيريا المُعدَّلة أيضيًا والقادرة على تحويل غاز الأمونيا إلى الحمض الأميني المعروف باسم «إل-آرجنين»، تتغلب على نقص هذا الحمض الأميني في البيئة الميكروية للورم لدى الفئران، ومن ثم تُعزِّز نشاط الخلايا التائية وقدرتها على التسرُّ إلى داخل الورم. كما أوضح الباحثون أنه عندما جرى الجمع بين هذا النهج العلاجي ونهج علاجي آخر تُستخَدم فيه الأجسام المضادة التي تُعطِّل نشاط بروتين PD-L1، أدى ذلك إلى مزيد من التحسن في الاستجابات المضادة للورم.

شكل 1| طريقة لتعزيز الاستجابات المناعية المضادة للأورام. تواجه الخلايا المناعية المعروفة باسم الخلايا التائية، تحدياتٍ شتى تُقلِّل قدرتها على قتل خلايا الورم. إذ تفتقر البيئة الميكروية للورم للعناصر الغذائية التي تحتاجها الخلايا المناعية، لكنها تحتوي على نسب عالية من النفايات الأيضية الناتجة عن خلايا الورم، مثل غاز الأمونيا. إضافة إلى ذلك، يمكن كبح نشاط الخلايا التائية عن طريق التفاعل بين بروتين PD-1، الموجود على أسطح الخلايا المناعية، وبروتين PD-L1، الموجود على أسطح خلايا الورم. وقد وجد كانالي وفريقه البحثي3 أن البكتيريا المُعدَّلة أيضيًا والقادرة على تحويل غاز الأمونيا إلى الحمض الأميني المعروف باسم «إل-آرجنين»، تتغلب على نقص هذا الحمض الأميني في البيئة الميكروية للورم لدى الفئران، ومن ثم تُعزِّز نشاط الخلايا التائية وقدرتها على التسرُّ إلى داخل الورم. كما أوضح الباحثون أنه عندما جرى الجمع بين هذا النهج العلاجي ونهج علاجي آخر تُستخَدم فيه الأجسام المضادة التي تُعطِّل نشاط بروتين PD-L1، أدى ذلك إلى مزيد من التحسن في الاستجابات المضادة للورم.

كبر الصورة

ويُمثِّل غاز الأمونيا إحدى النفايات الناتجة عن أيض الخلايا السرطانية، وهو يتراكم في البيئة الميكروية للورم4، ويمكن أن يتحول إنزيميًا إلى حمض «إل-آرجنين». وقد اكتشف الفريق البحثي خطوتين أساسيتين في مسار التخليق الحيوي لهذا الحمض الأميني. تتطلب هاتان الخطوتان توفُّر بروتين argR، الذي يُثبِّط التخليق الحيوي لحمض «إل-آرجنين»، وإنزيم argA، حيث يعمل ارتفاع نسب حمض «إل-آرجنين» داخل الخلايا على تثبيط إنتاجه بواسطة إنزيم argA، من خلال حلقة تأثيرات تنتهي بخفض تخليق هذا الحمض.

وقد سعى كانالي وفريقه البحثي إلى الاستفادة من هذه المعلومة عند إنتاج بكتيريا معُدَّلة جينيًا. إذ تستطيع البكتيريا الوصول إلى البيئات الميكروية للأورام، واستيطانها، والازدهار فيها5. ومن أمثلة هذه البكتيريا سلالة الإشريكية القولونية نِيسل 1917 Escherichia coli Nissle 1917 (ECN)، وهي سلالة غير ضارة، ولطالما استُخدمت في العلاجات الطبية، وإنتاج اللقاحات، والإجراءات التشخيصية6. وقد أدخل الباحثون تعديلًا جينيًا على هذه البكتيريا، عن طريق إزالة الجين الذي يُرمِّز بروتين argR، والاستعاضة عنه بنسخة طافرة من بروتين argA لا تُثبِّطها حلقة التأثيرات سالفة الذكر. وبذلك أُنتجت سلالة من بكتيريا الإشريكية القولونية نِيسل، أَطلق عليها الباحثون اسم بكتيريا L-Arg، وهي سلالة قادرة على تحويل غاز الأمونيا إلى حمض «إل-آرجنين»، سواء مخبريًا أو في البيئات الميكروية للأورام.

ويشير الباحثون إلى أن حَقن بكتيريا L-Arg في فئران مُصابة بورم أدى إلى زيادة أعداد خلايا تائية مهاجمة للورم (تُعرف باسم الخلايا التائية التقليدية)، كما أدى إلى انخفاض أعداد خلايا تائية مثبطة للمناعة (تُعرف باسم الخلايا التائية التنظيمية). وتبين أيضًا أن هذا التعزيز لقدرة الخلايا التائية التقليدية على اختراق الورم، كان مُكمِّلًا للتأثيرات العلاجية التي يُحدِثها العلاجُ المناعي بواسطة غلق نقاط التفتيش المناعي. ويعتمد هذا النهج العلاجي الأخير على استخدام أجسام مضادة تستهدف بروتين PD-L1 الموجود على خلايا الورم وخلايا التثبيط المناعي الأخرى. ومن ثم، يعجز بروتين PD-L1 عن كبح نشاط الخلايا التائية المُستهدِفة للورم. وقد تبيَّن أن معالجة فئران التجارب المُصابة بسرطان القولون، ببكتيريا L-Arg إضافة إلى الأجسام المضادة التي تستهدف بروتين PD-L1، يُحدِث تأثيرات مضادة للورم، تفُوق كثيرًا التأثيرات التي رُصدت لدى الحيوانات التي تلقت نوعًا واحدًا فقط من العلاجين. كما أدى هذا العلاج المزدوج إلى تكوُّن خلايا تائية من النوع الذي يحتفظ بذاكرة الاستجابة للورم. فعندما أُخذت خلايا تائية من حيوانات خضعت للعلاج ونُقلت إلى حيوانات مُصابة بالأورام لم تخضع للعلاج، لُوحظ أن الخلايا التائية المنقولة تعمل على تثبيط نمو الورم.

وتجدُر الإشارة إلى أن تأثيرات بكتيريا L-Arg أمكن رصدها عندما حُقِنت مباشرة داخل الورم أو حُقنت في مجرى الدم. أما التأثيرات العلاجية الناتجة عن الجمع بين العلاج ببكتيريا L-Arg والعلاج بالأجسام المضادة التي تستهدف بروتين PD-L1، فقد اعتمدت على الخلايا التائية. وقد رصد الباحثون نتائج مشابهة عندما أجروا النوع نفسه من التجارب على فأر آخر مُصاب بسرطان الجلد (B16-OVA)، حيث خضعت الحيوانات للعلاج بخلايا تائية تستهدِف تحديدًا بروتين «ألبومين البيض» ovalbumin، الذي يرتبط بذلك النوع من الأورام.

وهذه الدراسة الرائدة التي أجراها كانالي وفريقه البحثي، تدعم بقوة فكرة استخدام التحفيز البكتيري في تعديل البيئة الميكروية للورم. ومن الممكن أن يُسهم إجراء المزيد من الأبحاث للإجابة عن بعض الأسئلة المهمة في هذا الصدد، في تمهيد الطريق أمام تنفيذ هذه الاستراتيجية إكلينيكيًا.

فأولًا، رغم أن سلوك سلالات البكتيريا المُستهدِف للأورام – مثل بكتيريا الإشريكية القولونية نِيسل – جرى توصيفه وتوثيقه جيدًا، فإن الآلية الدقيقة التي تقف وراء هذا السلوك ليست واضحة. وعليه، لا تزال هناك أسئلة تتمحور حول فاعلية استخدام هذه الطريقة لدى الإنسان ودرجة أمانها. وعلى الرغم من أن الفئران التي عُولجت ببكتيريا L-Arg لم تُظهِر أي علامات واضحة تدل على إصابتها بتسمُّم، فقد عانت من نقص عارِض في وزن الجسم. ولا نزال بحاجة إلى معرفة ما إذا كانت تأثيرات العلاج لدى البشر ستكون أضعف أم أقوى من تأثيرات العلاج لدى الفئران. وربما أمكن من خلال التجارب الإكلينيكية المتزايدة التي تستهدف تقييم جدوى العلاج البكتيري7، التوصل إلى صورة أوضح للتوزيع التشريحي للبكتيريا التي استُخدمت في العلاج، وكذلك صورة أوضح لتأثيراتها على متوسط عمر الفئران، وأي سُمِّية يحتمل ظهورها.

ثانيًا، ربما تعتمِد فاعلية الاستراتيجيات المستهدفة للأيض، مثل تحويل غاز الأمونيا إلى حمض «إل-آرجنين»، على نوع الورم تحديدًا. ومن ثم، فإن التعمق في دراسة الخصائص الأصيلة للأورام وبيئاتها الميكروية، التي تجعل أنواعًا محدَّدة من السرطان أكثر استجابة أو أشد مقاومة لمثل هذه الاستراتيجية العلاجية، ضروريًا لاختيار المرضى وعلاجهم بفاعلية.

وأخيرًا، كما هو الحال مع جميع العلاجات المعتمِدة على الخلايا المُعدَّلة جينيًا، يجب النظر بعين الاعتبار إلى الثبات الوراثي للكائن المعدَّل. لذا، ثمة حاجة إلى تحليل متعمق؛ لتحديد ما إذا كانت وسائل أخرى، مثل استخدام جينات "انتحارية" قادرة على استهداف تدمير البكتيريا المُعدَّلة جينيًا، ضروريةً لضمان أمان المريض على المدى القصير والطويل.

وقد سلَّط كانالي وفريقه البحثي الضوء على نهج جديد تُستخدَم فيه الميكروبات المُعدَّلة جينيًا للتعامل مع العقبات الأيضية التي تخلقها البيئة الميكروية للورم، فعن طريق تحويل النفايات الناتجة عن الورم إلى وقود أيضي للخلايا التائية التي تتصدى للورم، يُمكن لبكتيريا L-Arg أن تُحفِّز استجابات أقوى وأطول أمدًا ضد الورم. ورغم أنه من الضروري إجراء دراسات مكثفة حول مستوى أمان العلاج قبل الانتقال إلى الاستخدام الإكلينيكي له، يُعد هذا الجهد البحثي لكانالي وفريقه البحثي خطوة بالغة الأهمية للأمام على طريق العلاج المناعي للسرطان.

References

  1. Geiger, R. et al. Cell 167, 829–842 (2016). | article
  2. Hou, A. J., Chen, L. C. & Chen, Y. Y. Nature Rev. Drug Discov. 20, 531–550 (2021). | article
  3. Canale, F. P. et al. Nature 598, 662–666 (2021). | article
  4. Spinelli, J. B. et al. Science 358, 941–946 (2017). | article
  5. Forbes, N. S. Nature Rev. Cancer 10, 785–794 (2010). | article
  6. Ou, B. et al. Appl. Microbiol. Biotechnol. 100, 8693–8699 (2016). | article
  7. Duong, M. T.-Q. et al. Exp. Mol. Med. 51, 152 (2019). | article

لورانس سي تشين، وإيفون واي تشين: يعملان في قسم الهندسة الكيميائية والبيولوجيا الجزيئية بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، لوس انجلوس، كاليفورنيا 90095، الولايات المتحدة الأمريكية. كما تعمل إيفون واي تشين بقسم الأحياء الدقيقة وعلم المناعة والوراثة الجزيئية بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، ومعهد باركر للعلاج المناعي للسرطان بالجامعة ذاتها.