كتب وفنون

هل ندفع ثمن غزونا لموائل الحيوانات الطبيعية؟

ليس مستغربًا على الإطلاق أن تغزو الحيوانات البرية بيئات البشر، في الوقت الذي يتعدون فيه على موائل تلك الكائنات.

جوسي جلاوسيوز

  • Published online:
ذَكر فيلٍ بالغ يتجول في بلدة سيليجوري بالهند في فبراير من عام 2016.

ذَكر فيلٍ بالغ يتجول في بلدة سيليجوري بالهند في فبراير من عام 2016.

Credit: Diptendu Dutta/AFP/Getty

في الثامن من سبتمبر عام 1488، أصدرت إقطاعية بوجو الفرنسية مرسومًا عجيبًا، إذ كلفت مساعدي رعاة الأبرشيات ثلاث مرات بتوجيه البَزّاقات، بحيث "تتوقف عن مضايقة الأفراد بما تقوم به من نخر والتهام الأعشاب في الحقول وكروم العنب، وترحل عن المنطقة". وتستشهد ماري روتش بهذه الواقعة في مقدمة كتابها الذي يحمل عنوان «تمرد الطبيعة الصاخب» Fuzz: When Nature Breaks the Law، ممهدة بذلك لسلسلة من الطرائف في كتاب تتناول فيه، بحذق وحس فكاهي بارع، أمثلةً للدمار والموت الناجمَين عن حالة الصراع بين الإنسان من ناحية والحياة البرية من ناحية أخرى. ويُعد هذا الكتاب تتمة مناسبة لأعمال روتش السابقة علميةِ الطابع، مثل: «جثة هامدة» Stiff (عن تشريح الجثث)، و«الأشباح» Spook (عن الحياة بعد الموت)، و«الجماع» Bonk (عن الجنس)، و«البالوعة» Gulp (عن الأكل)، و«المَعْمَعَة» Grunt (عن القتال).

بيد أن روتش تتجاوز في كتابها الإجراءات التي اتُخذت في العصور الوسطى ضد البزاقات واليرقات والسوس، لتتناول كذلك قراراتٍ أحدث عهدًا، صدرت على ضوء صراعنا مع أنواع أخرى "ترتكب باستمرار سلوكيات تضعها في صراع مستمر مع البشر"، حسبما تذكر في أحد مواضع الكتاب. وتصطحب روتش القراء في رحلة تأخذهم من أزقَّة مدينة أسبن بولاية كولورادو الأمريكية، حيث ترتع قطعان من الدببة الكسولة النهمة، وتفتش عن طعام في صناديق قمامة المطاعم؛ إلى جبال الهيمالايا، حيث "القرى التي يعيش سكانها في رعب من الفهود". وفي أثناء ذلك، تسعى للوقوف على الأخطار التي تشكلها الكائنات البرية، من أسود الجبال حتى الغربان، على حياة البشر ومحاصيلهم وممتلكاتهم.

لكن السؤال المحوري لروتش هو: هل يحق لنا أن نتعجب من اختراق الكائنات البرية لبيئتنا في وقت نتعدى فيه نحن على بيئتها؟ يتجلى هذا النزاع الحدودي بين البشر والكائنات البرية في منطقة شمال البنغال الهندية، بوضوح لا يُضاهى في أي مناطق أخرى من العالم؛ إذ يلقى العشرات من سكان تلك المنطقة مصرعهم كل عام جراء هجمات الأفيال.

وتفتش تلك الأفيال عن الطعام ليلًا، وتنام خلال النهار في رقع متفرقة تنمو فيها أشجار الساج والصندل الأحمر، هي بقايا غابات امتدت فيما مضى من ولاية آسام وحتى الحدود الشرقية لنيبال، وكانت بمثابة معبر آمن للأفيال، قبل أن تتمزق نتيجة لتوغل مزارع الشاي بها في أثناء الحقبة الإمبريالية، وبناء القواعد العسكرية في وقت لاحق. ومع ارتفاع أعداد الأفيال في البؤر المتبقية من الغابات، باتتْ تجول القرى لتقتات على المحاصيل والحبوب في المخازن.

وتمُر ذكور الأفيال البالغة بفترة يعاني فيها الذكور من اضطراب هرموني يحدث بصورة دورية، من علاماته انتصاب العضو الذكري بصورة متكررة وجحوظ العينين عند النظر إلى الإناث. وفي هذه الفترة، يكون ذكر الفيل شديد العدوانية، إلى حد يمكن أن يدفعه إلى سحق الناس تحت أقدامه. في هذا الصدد، تُرافق روتش مجموعةً من الباحثين من معهد الحياة البرية في الهند، بمدينة دهرادون، لتقوم بزيارة لـ"معسكرات التوعية"، حيث يتعلم القرويون التحلي بالهدوء عند التعرض للهجمات، والاتصالَ بالفريق المحلي المنوط به التعامل مع الأفيال، والسماح لهؤلاء الحراس بإعادة توجيه تلك الأفيال الهائمة إلى موطنها في الغابة. وعلمتْ روتش من ديبانجان ناها، الناشط في مجال حماية البيئة، بأن ثمة طريقة أخرى لإدارة الأزمة على نحو أفضل، تتمثل في نظام يحذر السكان من هجمات الأفيال، عن طريق تركيب أجهزة استشعار مُصمَّمة للكشف عن الهزات الأرضية الناتجة عن وقْع خطوات الأفيال وهي تقترب من المنطقة. لكن، كما ينوِّه أحد أعضاء فريق المعهد: "نحن مَن يزعج تلك الأفيال".

وفي الهند، حيث تمثل الأفيال في التقاليد الهندوسية تجسيدًا للإله جانيشا، من المعتاد أن تُقدَم تعويضات لأسر ضحايا هجمات الأفيال والفهود. وعلى النقيض، لا تُركز الولايات المتحدة على منح تعويضات لضحايا هجمات الحيوانات، وإنما ينصب الاهتمام هناك على تطبيق سياسة القتل الرحيم للدببة القليلة التي تهاجم البشر وتقتلهم. ويبدو أن تمزق البيئة الطبيعية لتلك الدببة، كما في حال الأفيال، إلى جانب تغيُّر المناخ، يلعبان دورًا محوريًا في صراعها مع البشر. على سبيل المثال، يمكن للطرق السريعة الرئيسية على الحدود الأمريكية الكندية أن تُقيد حركة الدببة السوداء. وفي ولاية كاليفورنيا الأمريكية، دفع الجفاف الدببة إلى غزو المناطق الحضرية، بينما دفعت موجة الحر غير المسبوقة، التي شهدتها الولاية في بداية هذا العام، الدببةَ إلى الاتجاه نحو بحيرة تاهو.

صورة لدببة تهاجم صناديق القمامة بحثًا عن الطعام، بعد التعدي على بيئتها بسبب مشروعات التنمية والدفع بها إلى المناطق الحضرية.

صورة لدببة تهاجم صناديق القمامة بحثًا عن الطعام، بعد التعدي على بيئتها بسبب مشروعات التنمية والدفع بها إلى المناطق الحضرية.

Credit: Tomas Hulik ARTpoint/Shutterstock

فيما مضى، كانت الدببة التي تعيش في الغابات المحيطة بمدينة أسبن بولاية كولورادو الأمريكية تتغذى بنهم في المساء على البلوط والتوت المُر، وتنعم بـ"الثمار الوفيرة لأشجار التفاح البري"، حسب وصف روتش. وقد شاهدتها روتش في الساعات الأولى من الصباح، وهي تلتهم بدلًا من ذلك أرجل السلطعون وأوراق الكرنب، التي تلقي بها مطاعم المدينة في القمامة. حول ذلك، يقول ستيوارت بريك، من المركز القومي لأبحاث الحياة البرية في مدينة فورت كولينز بولاية كولورادو الأمريكية، إن الحد من وفرة الطعام الذي يستهلكه البشر، يمكن أن تقلل حاجتنا إلى قتل الدببة التي تغزو بيئاتنا، أو تُبعد عنا هذه الدببة. بيد أن التغيير الدوري لحاويات القمامة التالفة المصممة بحيث يصعب على الدببة فتحُها، وتعيينَ موظفين للإشراف على قوانين إحكام غلق صناديق القمامة، وإصدارَ مخالفات في حق المطاعم و"السكان المترفين" الذين يتجاهلون القوانين المحلية المرتبطة بطرق التخلص من النفايات، كلُّها إجراءات ليست بالبسيطة؛ إذ إن "عدد المليارديرات في هذه المقاطعة يكاد يعادل عدد الدببة"، حسبما تقول روتش بلهجة ساخرة.

مفاضلات معقدة

كثيرًا ما يكون تَدخُلنا في موائل الكائنات سببًا رئيسيًّا في تهديدها لبيئتنا، مثلما يحدث عندما يقرر البشر أن يُدخلوا في بيئة ما نوعًا من الحيوانات يُلحق ضررًا بالغًا بالأنواع الأصلية بهذه البيئة. وأحد الأمثلة الشهيرة على ذلك، هو حيوان ابن عرس قصير الذيل اللاحم Mustela erminea، الذي جلبه مهاجرون، على متن سفنهم المتجهة من أوروبا إلى نيوزيلندا، في أواخر القرن التاسع عشر، بغرض السيطرة على انتشار الأرانب، التي كانوا قد استوردوها في الأصل لتوفير الغذاء للبشر، ولاستخدامها كأهداف في رياضة الصيد. واليوم، فإن حيوان ابن عرس، المعروف بقدرته على السباحة والتسلق بكل رشاقة، يعيش على افتراس طيور نيوزيلندا، إذ يتغذى على البيض والأفراخ الصغيرة التي تنتجها طيور الموهوا  Mohoua ochrocephalaالتي تبني أعشاشها في جذوع الأشجار، وطيور الكاكا Nestor meridionalis، وطيور الببغاء أصفر التاج Cyanoramphus auriceps، وكذلك بطاريق الهويهو (البطاريق صفراء العين) Megadyptes antipodes المهددة بالانقراض، والتي تعيش على طول الساحل.

وقد أطلقت نيوزيلندا برنامج «لا ضواري بحلول عام 2050» لحماية التنوع البيولوجي للأنواع الأصلية في الموائل الطبيعية بها، من خلال القضاء على ابن عرس واثنين من الضواري الغازية الأخرى، هما: الجرذان والبوسوم كث الذيل Trichosurus vulpecula. ويعتمد هذا البرنامج على الاصطياد الرحيم للحيوانات، بالإضافة إلى استخدام طائرات الهليكوبتر في إسقاط شحنات من مُركَّبٍ سام قابل للتحلل، يُعرَف باسم «1080». وبفضل هذا البرنامج، أصبحت بعض المناطق، مثل جزيرة تيريتيري ماتانجي، خالية من الحيوانات الضارية، إلا أن استخدام هذا المُركَّب السام كان سببًا في قتل الغزلان وطيور الكيا المحلية Nestor notabilis، في الوقت نفسه.

وتتصف المفاضَلات المماثلة بالتعقيد، وهذا ما تبرزه روتش بعقد موازنة بين الاحتياجات البشرية واحتياجات الآفات والضواري. على سبيل المثال، في نهاية المطاف، قد يواجه سكان القرى الهندية أخطارًا كبيرة نتيجة نهب الأفيال لصوامع الحبوب. كذلك تهدد هجمات قرود المكاك سكان مدينة دلهي. وهنا تصل روتش إلى ذروة الإمتاع في السرد، وهي تحكي عن محاولاتها للوصول إلى مراقب الحياة البرية في حكومة دلهي، والخبير في وسائل منع حمل قردة المكاك، حيث انتهت بمكالمة رد فيها سينج أخيرًا على روتش بعبارة مقتضبة من كلمتين: "التعقيم بالمنظار"، ليغلق بعدها الخط بعنف.

لكن من الواضح أننا أكبر الآفات وأعمقها أثرًا، إذ أظهر تقرير عام 2020 الصادر عن مجموعة «الصندوق العالمي للحياة البرية» (المعروف اختصارًا باسم WWF) التي تتخصص في حماية البيئة، أن أعداد الثدييات البرية، والطيور، والأسماك، والبرمائيات، والزواحف قد انخفضتْ بنسبة 68% في المتوسط ​​منذ عام 1970، وأن هناك مليون نوع من الحيوانات البرية معرضة لخطر الانقراض، بسبب حرق الغابات والصيد الجائر في البحار وتدمير المناطق البرية. وهو ما لا يمكن تخفيف وقعه بالفكاهة مهما كان الكتاب خفيف الظل.

جوسي جلاوسيوز: صحفية علمية تقيم في إسرائيل.

تويتر: josiegz@