رؤية كونية

على علم الأحياء أن يُدر أفكارًا جديدةً ولا يقتصر على تقديم البيانات

ينبغي أن تُمثِّل البيانات السبيل إلى المعرفة، لا أن تصبح غاية في حد ذاتها.

بول نيرس

  • Published online:

THE FRANCIS CRICK INSTITUTE

منذ نحو عقدين، نوّه صديقي سيدني برينر، في مَعرِض خطابه الذي ألقاه خلال حفل منحه جائزة نوبل، إلى مشكلة تعتري عِلم الأحياء، فقال: "إننا غارقون في بحر من البيانات، لكننا ما زلنا متعطشين للمعرفة". وبالنظر إلى الواقع السائد في علم الأحياء اليوم، يتبيَّن لنا أن التحذير الذي انطوت عليه كلمات هذا العالِم، وهو أحد مؤسسي علم الأحياء الجزيئي، وصاحب الفضل في جعل الديدان الأسطوانية من نوع دودة الربداء الرشيقة Caenorhabditis elegans نموذجًا حيًا في دراسة الأمراض ، كان تحذيرًا سديدًا.

عندما أستمِع إلى محاضرة تُعرَض فيها نتائج بحثٍ ما ، كثيرًا ما أجد نفسي غارقًا في البيانات؛ إذ يبدو أن بعض الباحثين يعتقدون أن عليهم مداهمة مستمعيهم بإعصار من البيانات كي يُؤخذوا على محمل الجد، ومن ثَمَّ، يُغفِلون الحديث عن جوانبٍ أساسية من عملية البحث، مثل الإطار النظري له، والهدف من وراء جمع البيانات، والفرضيات التي يختبرها، والأفكار الجديدة التي تمخَّض عنها. على ما يبدو، ثمة عزوف من جانب الباحثين عن محاولة الوصول إلى نتائج بيولوجية أو طرح أفكار جديدة. والظاهرة ذاتها نلمسها أيضًا في الأبحاث المنشورة، إذ يبدو الأمر كما لو كان من «غير اللائق» أن نتمعَّن فيما يمكن أن تكشف عنه البيانات، أو نتدارس الأفكار التي تنطوي عليها.

غير أنني أنظر إلى الأمر من منظور مختلف. فصحيح أنه لا غنى لنا عن الوصف وجمع البيانات، لكن لا يصح الاكتفاء بهذين الأمرين فقط؛ فنحن نحتاج أيضًا إلى حشد الأفكار، حتى إن كانت مبدئية، مدركين أن تلك الأفكار حتمًا ستتغيَّر في ضوء تراكُم الحقائق والأطروحات التي بحوزتنا.

لماذا إذًا يُحجِم الباحثون عن إطلاق العنان لأفكارهم؟ قد تكمن الإجابة في أن بعضهم يخشى طرح فكرة قد يثبُت خطؤها في ما بعد، فتضُر بفرصهم في الحصول على الترقيات أو التمويل. وهنا، لا يسعني إلا أن أرُد على هذا التخوُّف بكلمات تشارلز داروين حينما قال إن: "الحقائق الزائفة تُضرّ بمسيرة العلم أيّما ضرر، لأن عُمْر تلك الحقائق غالبًا ما يكون طويلًا. أما الآراء الخاطئة، فإنْ جاءت مدعومة ببعض البراهين، فقلّما تضر، لأن الكل سيتسابق لإثبات خطئها بكل سرور. وحينما نتمكن من إثبات الخطأ على هذه الشاكلة، نكون في الغالب قد أغلقنا طريقًا مؤديًا للضلال، وفتحنا بالتبعية طريقًا للوصول إلى الحقيقة". بعبارة أخرى، من المهم أن تتوافر لدينا الحقائق المُثبَتة، ولكن الأفكار والآراء الجديدة هي الأخرى نافعة، طالما جاءت مبنيّة على براهين سديدة، وكانت قابلة للمراجعة والتصحيح.

لا تسيئوا فهمي! وإنما دعوني أقِّر بأننا نستفيد من البيانات التي تقدمها لنا التقنيات الحديثة في تطوير مفاهيمنا، وأن الأبحاث «غير المنبثقة عن فرضيات» أبحاث مهمة وضرورية، إذ أدرجها الفيلسوف فرانسيس بيكون كأحد عناصر ’المنهجية التجريبية‘ التي صاغها في كتابه الصادر عام 1620 بعنوان «الأورجانون الجديد» Novum Organum، الذي يقول فيه إن أولى خطوات ترسيخ الحقيقة العلمية ينبغي أن تتمثل في وصف الحقائق من خلال الملاحظات المنهجية. بيد أن هذه العملية تظل مجرد خطوة أولى، وإلّا، فعلى سبيل المثال، كنّا سنخسر كثيرًا لو أن داروين توقف عن التفكير بعد أن قدَّم وصفًا لأشكال مناقير العصافير وأحجامها، ولم يستطرد إلى عرض نظريته بخصوص حدوث التطور عن طريق عملية الانتقاء الطبيعي.

"كنا سنخسر كثيرًا لو أن داروين توقف عن التفكير بعد أن قدم وصفًا لأشكال مناقير العصافير وأحجامها".

ومن هنا، كانت الخطوة التالية تتمثل في استخلاص المعرفة من البيانات المتوافرة لدينا. هذه الخطوة هدفٌ ضلَّت عنه بوصلتنا البحثية، وكي نضعه نُصب أعيننا من جديد، فإن الأمر يُحتِّم علينا تطوير منهجياتنا عبر تشديد اهتمامنا بالنظرية وتعديل ثقافتنا البحثية.

إذًا، كيف يتسنَّى لنا أن نفعل هذا؟ إليكم الإجابة: علينا الدفع بالمهندسين والتجريبيين  المسؤولين عن استحداث تقنيات ومنهجيات جديدة للانخراط والانغماس في المشكلات البحثية الخاصة بعلم الأحياء. إن المعرفة المتعمقة بعلم الأحياء - وليس مجرد الحماس لجمع مزيد من البيانات - هي التي ستقودنا إلى طرح الأسئلة البحثية المهمة، وهذه الأسئلة بدورها هي التي ستشحذ حماس الباحثين، وتدفعهم إلى مواصلة فحص البيانات المتوافرة بين أيديهم، بحثًا عن أنماط ومعارف جديدة، تؤثِّر بدورها في البيانات المتاحة لدينا.

وثمة خطوات أخرى ضرورية، منها توفير الأدوات التحليلية الملائمة، مثل برامج التنقيب عن البيانات والتعلم الآلي، والتيقُّن من أن البيانات التي بحوزتنا قابلة للتحليل، ومُصنَّفة بدقة ، ومتاحة للجميع. من المهم أيضًا نمذجة ما تنطوي عليه الظواهر البيولوجية من مكونات جزيئية وخلوية، حتى يتسنى لنا تحليل الأنماط المختلفة لسلوك  تلك المكونات والتفاعلات فيما بينها. وأحيانًا، كل ما نحتاج إلى فعله في هذا الصدد هو تدوين مجموعة من المعادلات دون محاولة الوصول إلى حل نهائي لها؛ ذلك أن الكتابة في حد ذاتها تجعل عملية صياغة النموذج أكثر دقة ومتانة.

وعلاوة على ما سبق، فنحن بحاجة كذلك إلى الاستعانة بالنظريات بصورة أوسع. وفي هذا الشأن، لدي أمثلة أحتذي بها في كلٍ من بيل هاملتون وجون ماينارد سميث، باحثيّ علم الأحياء التطوري، وباربارا ماكلينتوك وفرانسيس كريك، باحثيّ علم الجينات؛ ذلك أن الصفة المشتركة بينهم أن أبحاثهم المنشورة يُهيمن عليها طابع يجمع بين الحدس والمعرفة المُتبحِّرة بعِلم الأحياء، وهو ما يجعل قراءة هذه الأبحاث متعة كبيرة. إن اتِّباع هذا النمط من التفكير سيكون من شأنه التعجيل بحدوث النقلة المرجوّة في عِلم الأحياء من الوصف إلى إنتاج المعرفة، كما أن الباحثين المهتمين بالتنظير سوف يجدون أن تأمُّلالمعلومات وهي تتدفق عبر الأنظمة الحيوية المختلفة يمنحهم مجالًا خصبًا لتنمية أفكارهم، بما يمكِّنهم من سبر أغوار البيانات البيولوجية البحتة التي تحاصرهم من كل ناحية.

ولو أننا أردنا أن نجعل من النظرية والمعرفة الوقود الذي يحرِّك عملنا، فقد تتطلب تلك الغاية نقلة في ثقافة البحث العلمي؛ إذ سيكون علينا تشجيع التنظير، وجعل النظريات مكوِّنًا أساسيًا في الأوراق البحثية التجريبية، لتُقدِّم لنا هذه الأبحاث البيانات في سياقها. وفي الوقت ذاته، لا ينبغي لجهات مثل هيئات التحرير والهيئات المانحة التَنصُّل من هذه المحاولات لدمج الجانب النظري بوصفها محض تكهنات هزيلة، لا ترقى لمستوى البحث ؛ فهذه المحاولات، كما قال داروين، تفتح المجال أمام تَدارُس الأفكار الجديدة، ومن ثَمَّ نبذها أو تعديلها. ولكن ظاهرة، يمكن أن نطلق عليها اسم «سطوة حقل الاختصاص»، أحيانًا ما تعوق ظهور تفسيرات تُناقِض ما هو متفق عليه، وهذه الظاهرة ليست صِحيِّة. وعلى أي حال، إن لم تكن الأفكار الجديدة مُقنِعة، فإنها سرعان ما تُستبعد دون أن تتعطل بسببها مسيرة التقدم العلمي .

علينا ألا نتساهل مع الحقائق الزائفة، ولكن الدوريات العلمية والجهات المانحة عليها بدورها أن تُفسِح المجال أمام الأفكار والتفسيرات المتزنة الجديدة، لا سيّما إذا كانت تتناقض مع ما هو متفق عليه في الوقت الحاليّ. كذلك ينبغي أن تتحلى لجان التقييم بقدر من الانفتاح حين يَثبُت خطأ بعض الأفكار التي يطرحها الباحثون المتقدمون للترقية أو للحصول على تمويل.

إن اتِّباع مثل هذه النُهُج يسهم في الارتقاء بالبحث العلمي، وكذلك جودة التدريس؛ فلو غرسنا داخل الطلاب فكرة أن علم الأحياء يُفسِح المجال للأفكار الجديدة، وأن هذه الأفكار جديرة بالنقاش، سوف يوقد هذا حماسهم ويُزكي شغفهم.

بول نيرس، الرئيس السابق للجمعية الملكية البريطانية ومدير معهد فرانسيس كريك في لندن بالمملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: paul.nurse@crick.ac.uk