تحقيق إخباري

مستقبل أبحاث استزراع الأجنّة البشرية في المختبر

لم يكن يُسمح للباحثين باستزراع الأجنة البشرية في المختبر وإنمائها لمدةٍ تتجاوز 14 يومًا. أما وقد تغيَّر هذا الأمر، فإليك ما يمكن أن يتوصلوا إليه.

كندال باول

  • Published online:
جنين بشري مستزرَع في المختبر لمدة 12 يومًا، تظهر به الخلايا التي ستكوِّن الجنين نفسه (باللون الأُرجواني).

جنين بشري مستزرَع في المختبر لمدة 12 يومًا، تظهر به الخلايا التي ستكوِّن الجنين نفسه (باللون الأُرجواني).

Credit: Antonia Weberling, Bailey Weatherbee, Carlos Gantner and Magdalena Zernicka-Goetz

في اليوم الثالث عشر من بدء إجراء مجموعة من التجارب في المختبر الذي يُشرف عليه علي بريفانلو، وجد الباحث نفسه في مواجهة مهمةٍ أليمة، لا فكاك من القيام بها. كان فريقه، الذي يتألف من عدد من الباحثين المتخصصين في البيولوجيا النمائية، قد أذاب عشرات الأجنة البشرية، وأودعها في أطباق استزراع مخبرية، كلًّا على حدة، ثم أكبَّ الباحثون على متابعتها وهي تنمو عبر مراحل النمو المبكرة، في عمليةٍ لم يشهدها سوى قلة قليلة من الباحثين على مستوى العالم. لكنَّه كان يدرك ألا مناص من إنهاء هذه التجارب.

والسببُ في ضرورة إنهاء هذه التجارب في موعدٍ لا يتجاوز ثلاثة عشر يومًا مردُّه إلى أن هذه الأجنة كانت قاب قوسين أو أدنى من الاصطدام بقاعدة الأربعة عشر يومًا؛ ويُقصد بها الاتفاق الدولي الذي يقضي بألا تتجاوز زراعة الأجنة البشرية وإنماؤها في المختبر أربعة عشر يومًا من موعد التخصيب. واليوم الرابع عشر هو تقريبًا توقيت ظهور التَّلم الأوّلي؛ تلك البنية التي تُشير إلى أنَّ الجنين قد بدأ في تكوين محور الجسم، وتمييز الرأس عن الذيل، والجانب الأيسر عن الأيمن.

يقول بريفانلو، متذكرًا ذلك البحث الذي كان يُجريه عام 2015 بمختبره في جامعة روكفيلر بمدينة نيويورك الأمريكية: "كان من أصعب القرارات التي اضطررت لاتخاذها في حياتي، لكن كان قد آن أوان إيقاف هذه التجربة". وفي اليوم الثالث عشر، أزال الفريق الأجنة من قيعان أطباق الاستزراع، وعمدوا إلى تجميدها، ليحدُّوا بهذا من نموها. وأضاف بريفانلو: "لم نعرف ما كان سيحدث بعد هذه المرحلة".

أما الآن، فقد أُتيحت الفرصة لبريفانلو وغيره من باحثي البيولوجيا النمائية لاكتشاف ما يحدث بعدها.

في شهر مايو، أصدرت الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية (ISSCR) توجيهاتٍ جديدة1، خفَّفت بموجبها قيد الأربعة عشر يومًا، لترفع بذلك عقبةً طالما اعترضَت سبيل أبحاث الأجنَّة. ورغم أنَّ قلةً من المختبرات حول العالم تتقن الممارسات اللازمة لاستزراع الأجنة البشرية حتى اليوم الرابع عشر، فإنَّ العلم يتقدم بخطى سريعة في هذا المجال. وهذه القاعدة المُخفَّفة تسمح للفِرَق البحثية بطلب الإذن من الجهات الرقابية، لتسمح لها بمواصلة أبحاثها بعد انقضاء تلك المدة، في البلدان التي تجيز قوانينها ذلك. وهذه الدراسات قد تكشف ما يحدث في أثناء عملية النمو لدى البشر بعد أن ينغرس الجنين بالرحم في توقيته المعتاد، بعد نحو أسبوعٍ من التخصيب. يمرُّ الجنين بعدها بمرحلةٍ يُطلق عليها تكوُّن المُعَيدة، بين اليوم الرابع عشر واليوم الثاني والعشرين تقريبًا، عندما يصبح الهيكل الرئيسي للجسم قد اتضحت معالمه، وتُرسى أُسس نشوء الأعضاء.

كبر الصورة

Credit: Nik Spencer/Nature

واستكشاف هذه المراحل اللاحقة من شأنه أن يسمح للعلماء بفهم مزيد عن قرابة ثُلث حالات فقدان الحمل، وعديد من العيوب الخلقية التي يُعتقد أنَّها تنشأ في هذه المراحل من عملية النمو. بالإضافة إلى ذلك، فتلك المراحل ستوفر لنا معلوماتٍ عن كيفية تمايز الخلايا إلى أنسجة وأعضاء، وهو ما يمكن أن يسهم في تقدم أبحاث الطب التجديديّ.

ويتوقع معظم الباحثين أنَّ مجموعة بريفانلو، بالتعاون مع بضع مجموعاتٍ بحثية أخرى، ستعمل فورًا على تجاوز الحدود التقنية لاستزراع الأجنة البشرية في المختبر لفتراتٍ أطول. والمجموعات القليلة التي بمقدورها القيام بذلك تخوض في الواقع منافسةً ضارية. إلا أن هناك بقاعًا من العالم سيلزم فيها تعديل القوانين للمضي في مثل هذه الأبحاث (انظر: رفع القيود). فعلى سبيل المثال، يناقش بعض الباحثين في الصين ما إذا كان ينبغي تغيير القواعد المرعية في بلادهم، التي تقضي حاليًا بتطبيق حد الأربعة عشر يومًا، بحسب تيانشنج لي، اختصاصي علم الأجنّة بجامعة كونمينج للعلوم والتكنولوجيا.

لذا، لا يعتقد الباحثون أنَّنا سنشهد سيلًا من الدراسات الجديدة التي تتجاوز تلك المدة، كما أنَّ بعضهم ليس مقتنعًا بأنَّ مثل هذه التجارب مُبرَّرة. تقول نايومي موريس، باحثة البيولوجيا النمائية بمعهد فرانسيس كريك في لندن: "لديّ تحفظات على استخدام الأجنة البشرية كمنظومة بحثية لما تحمله من سمات".

وعلى سبيل التحايُل على تلك القيود، طوَّر الباحثون في السنوات الخمس الماضية عددًا كبيرًا من نماذج الأجنة البشرية، يتكون معظمها من توليفاتٍ من الخلايا الجذعية. هذه النماذج تحاكي عدة مراحل موجزة من مراحل النمو المبكرة، ويمكن تصميمها دون اللجوء إلى الأجنة البشرية النادرة، التي يتبرع بها من يخضعون لعلاج التخصيب المخبري (IVF)، والتي تثار حولها مسائل أخلاقية متشابكة. وحتى الآن، لا تنطبق قاعدة الأربعة عشر يومًا على نماذج الأجنة هذه. لكن مع تطوُّرها، وامتلاكها القدرة على تكوين بَنًى يمكن تمييزها، أو حتى أعضاء، فإنَّها ستصبح في وضعٍ محيِّر من الناحية الأخلاقية.

وسواءٌ استخدم العلماء تلك النماذج، أم أجنةً حقيقية، فإنَّهم يرون أنَّ أمامهم كثيرًا ليكتشفوه. وعن ذلك يقول نيكولاس ريفرون، اختصاصي بيولوجيا الخلايا الجذعية وعلم الأجنة بمعهد التكنولوجيا البيولوجية الجزيئية في فيينا، التابع للأكاديمية النمساوية للعلوم: "الأجنَّةُ أعظمُ معلّمينا.. منها نعرف كل ما يتعلق بعمليات البناء والهدم في أجسامنا".

تجاوُز حدود الممكن

طُرحَت قاعدة الأربعة عشر يومًا لأوّل مرة في عام 1979، مع ظهور تقنية التخصيب المخبري، وبعد أن أصبحت الأجنة البشرية تُوجد لأوّل مرة خارج أجسامنا، على الرغم من أنَّ أطول مدّة كانت تلك الأجنة تستطيع أن تعيشها حينذاك لم تكن تتجاوز بضعة أيام. وبحلول عام 2006، عندما أصدرت الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية أوَّل توجيهاتها بشأن الخلايا الجذعية الجنينية البشرية، ترسَّخت تلك القاعدة بقوة في المجتمع البحثي المعني بالمجال.

تبنَّى الباحثون والجهات التمويلية هذه التوجيهات على نطاق واسعٍ حول العالم. وفي عديد من البلدان، منها ألمانيا والنمسا، يحظر القانون إجراء الأبحاث على الأجنة البشرية. وفي دول أخرى كثيرة، مثل المملكة المتحدة والصين واليابان وأستراليا وكندا، يُفرض حدُّ الأربعة عشر يومًا بموجب القانون. وفي فئة ثالثة من البلدان، منها أمريكا وإسرائيل، توجد توجيهاتٌ أيضًا، لكن لا توجد قوانين تحظر أو تقيِّد الأبحاث على الأجنة البشرية، إلَّا أنَّ الحكومة الفيدرالية لا يمكنها تمويلها في الولايات المتحدة.

وقد صدر التحديث السابق لتوجيهات الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية في عام 2016، قبيل أن ينشر فريقان ما حققاه من إنجازات.

أحد الفريقين يعمل بمختبر مجدالينا زيرنيكا-جوتز في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، والذي بدأ عام 2013 سعيه من أجل استزراع الأجنة البشرية لمدةٍ تتجاوز سبعة أيام. كانت هذه المجموعة البحثية تريد فهم ما يحدث بعد مرحلة الكيسَة الأريمِية، والتي تُعرف كذلك باسم «كرة الخلايا». وتوصلت المجموعة بمهارةٍ وحذق إلى التركيبة الصحيحة للهرمونات وعوامل النمو، وفي عام 2016، أفاد الفريق2 ومعه فريق بريفانلو3 بأنَّهما تمكَّنا من إنماء الأجنة البشرية لمدةٍ تتراوح بين 12 و13 يومًا.

وتقول زيرنيكا-جوتز، التي توزِّع وقتها حاليًا بين مختبرها في المملكة المتحدة، ومختبرٍ آخر في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا بمدينة باسادينا الأمريكية: "تلك الاكتشافات التي نتوصل إليها، مثل موضع نمو أدمغتنا، لها أهميةٌ بالغة. وإنني لأولِي اهتمامًا خاصًا بالأسابيع الثاني والثالث والرابع من عملية النمو، والتي لا نستطيع متابعتها باستخدام الأشعة فوق الصوتية (السونار)، لكنَّها تبتدئ عملية نمو الخلايا السلفية للأعضاء الرئيسية".

أحد الأسئلة المطروحة في هذا الصدد يتعلق بكيفية التعبير عن الجينات في خلايا الأجنة خلال نموها. وفي واحدةٍ من كبريات الدراسات على الأجنة البشرية حتى الآن، حلَّلت مجموعة زيرنيكا-جوتز 4,820 خلية مفردة من 16 جنينًا من الأجنة التي كانت تُستزرع في المختبر، من المرحلة التي ينغرس فيها الجنين عادةً في الرحم (اليوم الخامس) حتى التجهيز لعملية تكوُّن المُعَيدة في اليوم الحادي عشر. ومن خلال تعيين تسلسل الحمض النووي الريبي (RNA) لهذه الخلايا المفردة، كشف الفريق الجينات التي تتعطل، وتلك التي تنشط مع انتقال الخلايا الجنينية من مرحلة القدرة الشاملة، التي تظل فيها قادرةً على أن تصبح أي خليةٍ في الجسم، إلى مرحلة تعدُّد القدرات، وهي حالة أكثر تمايزًا4.

ورغم أنَّ هذه الإشارات النمائية معروفة في حالة الفئران، فإنَّ هذه الدراسة تُعد من أوليات الدراسات التي كشفت الجزيئات المسؤولة عن نمو البشر.

وفي التجارب الأخرى التي لا يمكن إجراؤها إلا بالاستعانة بالأجنة البشرية المُستَزرَعة، تتبَّع بريفانلو وزيرنيكا-جوتز وفريقاهما مصير الأجنة البشرية التي تضم خلايا مختلّة الصِّيغَة الصِّبْغية؛ وهي تلك الخلايا التي تحتوي عددًا غير طبيعي من الكروموسومات، وهذه حالة يُعتَقد أنَّها تتسبب فيما يصل إلى نصف حالات فقدان الحمل المبكر.

وبينما تختبر عيادات التخصيب المخبري عادةً قليلًا من خلايا الجنين لتحليل صحته الجينية، فإنَّ التجارب تشير إلى أنَّ هذا الإجراء قد يكون مُضللًا. فقد اكتشفت مجموعة زيرنيكا-جوتز أنَّ الأجنة التي شُخِّصت إصابتها ببعض صور اخْتِلال الصِّيغَة الصِّبْغَيَّة تواصل نموها بشكلٍ طبيعي في المختبر5. أمَّا مجموعة بريفانلو فحلَّلت التعبير الجيني لدى الأجنة البشرية من اليوم الثالث وحتى اليوم الرابع عشر، واكتشفت زوال الخلايا التي حوت أعدادًا غير طبيعية من الكروموسومات، ربما بتطوُّرها إلى أنسجةٍ داعمة، أو بتدميرها عبر عملية الموت الخلوي6. وتشير كلتا الدراستين إلى أنَّ فحص أجنة التخصيب المخبري لتحديد إن كانت مصابةً باخْتِلال الصِّيغَة الصِّبغَية، ينتهي على الأرجح إلى اعتبار كثير من الأجنة «معتَلَّة الصحة» بالخطأ.

ويرى بريفانلو أنَّ الاستعانة بالأجنة البشرية في الدراسات أمرٌ ضروري لكشف هذه المعلومات المهمة، ويضيف: "لا يمكننا معرفة هذا بوسيلةٍ أخرى بخلاف المتابعة في أثناء حدوثه". وهو يخطط لإجراء عددٍ من التجارب، بعضها قد يمتد لأكثر من 14 يومًا، ليحاول أن يكتشف بدقة كيف يتكيف الجنين المحتوي على بعضٍ الخلايا مختلّة الصِّيغَة الصبغية.

ما بعد الأسبوعين

عندما يتعلق الأمر بأجنة الحيوانات، فمن المعلوم أن العلماء الذين يدرسونها قد استزرعوها بالفعل، وتركوها تنمو حتى تجاوزت مراحل النمو المكافئة لمراحل فترة الأربعة عشر يومًا لدى الأجنة البشرية، وهذا قد يُمهِّد الطريق لإحراز تقدمٍ مشابه في حالة البشر. ففي شهر مارس، تمكنت مجموعة جيكوب حنا، في معهد وايزمان للعلوم بمدينة رحوفوت في إسرائيل، من مضاعفة المدة التي يمكن خلالها استزراع أجنة الفئران بالمختبر7، لتمتد حتى اليوم الحادي عشر بدلًا من منتصف اليوم السادس (ما يكافئ تقريبًا زيادة المدة من 13 يومًا إلى 30 يومًا بالنسبة للأجنة البشرية). ورغم أنَّ الباحثين الآخرين يصفون هذه العملية بأنَّها تحتاج إلى اهتمامٍ شديد بالتفاصيل، فإنَّ الأجنة تنجح في النمو حتى مراحل متقدمة، وصولًا إلى عملية تكوين الأعضاء.

ويعتزم بريفانلو وزيرنيكا-جوتز تجاوُز ما أمكن تحقيقه حتى الآن في استزراع الأجنة البشرية، ليصلوا بها إلى ما وصل إليه فريق حنا في حالة الفئران؛ إذ يسعى بريفانلو إلى أن يكشف البرنامج الجيني الذي يُحوِّل الخلايا الجذعية إلى الخلايا الدماغية الأولى، كما يرغب في اكتشاف التعليمات الجزيئية التي تُكوِّن قلبنا النابض بغُرَفه الأربع. هاتان العمليتان تقعان بعد اليوم الرابع عشر، وكشف ما يحدث فيهما قد يكون ضروريًا لفهم الاضطرابات النمائية العصبية وعيوب القلب الخلقية الشائعة.

ويذهب بريفانلو وعلماء غيره إلى أنَّ الباحثين في المستقبل سيكونون قادرين تقنيًا على مشاهدة الجنين البشري وهو ينغرس في نسيج الرَحِم بالمختبر. وتتقدم مجموعته حاليًا بطلبٍ للجنة التنظيمية بجامعته من أجل تمديد مدة بحثهم على الأجنة البشرية حتى اليوم الحادي والعشرين. في هذا الأسبوع الإضافي، يتحدد مخطط الجسم بأكمله، بما في ذلك البنى التي تتحول بعدها إلى العمود الفقري والدماغ والعظام والقلب والدماء والعضلات والوجه. وعن ذلك يقول بريفانلو: "لستُ أعلم إنْ كنا نستطيع أن نجعل الجنين البشري يتجاوز اليوم الرابع عشر، لكن بمجرد أن نصل إلى هذه المرحلة، علينا أن نمضي في بحثنا برويةٍ شديدة".

نماذج الأجنة

لدى الباحثين بالفعل بعض الوسائل لدراسة عملية تكوُّن المُعَيدة لدى الثدييات، لكن ليس باستخدام أجنةٍ فعلية، وإنَّما بإنشاء نماذج لها بالاستعانة بتوليفاتٍ ثلاثية الأبعاد من الخلايا الجذعية.

ففي السنوات الخمس الماضية، ابتكر الباحثون مجموعةً متنوعة من نماذج الأجنة في المختبر، وهي نماذج يمكن الاستعانة بها في دراسة المراحل اللاحقة لليوم الرابع عشر. وفي أغلب الحالات، لا تخضع نماذج الأجنة هذه لقاعدة الأربعة عشر يومًا، أو لأي مراجعةٍ خاصة من الجهات الرقابية.

"الأجنَّةُ أعظمُ مُعلِّمينا.. منها نعرف كل ما يتعلق بعمليات البناء والهدم في أجسامنا".

في عام 2017، تمكَّن جيان بينج فو، مهندس الطب الحيوي بجامعة ميشيجان في مدينة آن آربور الأمريكية، ومعه فريقه، من تصميم أول نموذج لجنين بشري، ولم يكن ذلك إلا بإيداع خلايا جذعية جنينية في مزرعةٍ ثلاثية الأبعاد، فكان أنْ تمكَّنت الخلايا من تنظيم نفسها لتكوين الكيس السَّلَوِي، وبدت عليها العلامات الأولى لظهور التَّلم الأوّلي8. وأوضح فو أنَّ هذا الاكتشاف أثار موجةً من الحماس غمرت المجال البحثي، مضيفًا: "من المدهش أن تمتلك الخلايا الجذعية الجنينية البشرية هذه الإمكانات".

انتشرت النماذج الشبيهة بنموذج فو على نطاقٍ واسع، ويمكنها الآن أن تحاكي أجزاءً من المراحل الجنينية المبكرة لدى الفئران والبشر: مراحل الانغراس8، وتكوُّن المُعَيدة10،9، والبدايات الأوليَّة لنمو الدماغ11، والعمود الفقري12، ونمو القلب. وغالبًا ما تبدو توليفات الخلايا هذه كالأجنة في مراحل النمو نفسها، وتسلك نفس سلوكها، لكنَّنا ما زلنا نجهل كثيرًا عمَّا إذا كانت تحاكي الأحداث الجزيئية والخلوية لعملية النمو الطبيعية، أم لا.

يُقرُّ فو وعلماء آخرون بأنَّه مع تكوين نماذج الأجنة البشرية لبنى أكثر تعقيدًا، ومع قطعها شوطًا أكبر من الجدول الزمني لرحلة النمو، سوف تثير مسائل أخلاقية جديدة. فعلى سبيل المثال، قد تبدأ خلاياها العصبية توليد الإشارات، أو قد تنبض خلاياها القلبية، أو قد تكتسب إمكانية النمو لما يتجاوز المراحل المحدودة التي تحاكيها حتى الآن. وصحيحٌ أنَّ أغلب النماذج تفتقد مجموعة الأنسجة الداعمة للحياة، والتي تحتاج إليها من أجل تكوين جنينٍ متكامل، لكن في السنوات القليلة الماضية تمكَّنت بضعة مختبرات من إنشاء نماذج فأرية وبشرية لمرحلة الكيسة الأريمِية، وهذه النماذج تحتوي على الخلايا السلفية لهذه الأنسجة الداعمة، ويمكنها نظريًا أن تكوِّن كائنًا حيًّا كاملًا13-15.

وهذا النوع من الأبحاث لا يغيب عن أنظار الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية؛ إذ تقضي توجيهاتها بأنَّ النماذج التي تحتوي على هذه الأنسجة الداعمة يجب أن تخضع لإشرافٍ خاص، وأن تُنمَّى لأقل مدةٍ تكفي لتحقيق الهدف العلمي من دراستها. ومع تطوُّر هذه النماذج، فإنَّها ستحتاج إلى إعادة نظر من الناحية الأخلاقية، حسبما أوضح روبين لوفيل-بادج، اختصاصي بيولوجيا الخلايا الجذعية في معهد فرانسيس كريك، والذي يترأس اللجنة التوجيهية للجمعية. وأضاف الباحث: "من الواضح أنَّه ينبغي لنا الإشراف على هذه الأبحاث".

ومع تقدم العمل على الأجنة الطبيعية ونماذجها، يُبدي العلماء حرصهم على اكتشاف مدى التشابه الفعلي بين كلا النوعين. فمعرفة مدى اختلاف النماذج من ناحية تفاصيلها الجزيئية وسلوك خلاياها تمثل الدافع الرئيس لرغبة الباحثين في تجاوز حد الأربعة عشر يومًا في حالة الأجنّة البشرية الطبيعية. ويقول جيسي فينفليت، اختصاصي البيولوجيا النمائية بمعهد ماكس بلانك لأبحاث الجينات والبيولوجيا الجزيئية للخلايا في دريسدن بألمانيا: "بإمكاننا أن نتعلم كثيرًا من النماذج، لكن من المهم أن نحدد مواضع الإخفاق".

وفي عام 2020، أجرت موريس وزملاؤها مقارنةً بين التعبير الجيني في أجنّة الفئران وفي نماذج الكيسيات الأريمية الفأرية، واكتشفوا تشابهاتٍ واضحة بين موجات التأشير التي تضع مخطط الجسم16، والتي قدَّروا توقيتاتها في دراستهم. وتقول موريس إنَّ هذا النوع تحديدًا من المقارنات المعيارية ينبغي إجراؤه في حالة نماذج الكيسيات الأريمية البشرية أيضًا، وهذا سيتطلب استزراع الأجنة البشرية حتى اليوم الحادي والعشرين تقريبًا. أمَّا ريفرون فيأمل في أن يتمكن من رسم خرائط جزيئية لكل مرحلةٍ من مراحل نمو الجنين البشري.

وبمجرد إجراء ما يكفي من هذه المقارنات، بإمكان الباحثين خفض عدد الأجنة البشرية المستخدمة، فلا يلجأون إليها إلا لمبررٍ قوي.

إلغاء الحد الزمني

لكن ما المدة التي ينبغي للباحثين أن يتابعوا خلالها عملية نمو الأجنة البشرية في أطباق الاستزراع؟ في هذا الصدد، يقول منتقدو قرار الجمعية الدولية بتخفيف قاعدة الأربعة عشر يومًا إنَّ اتخاذ قرار كهذا دون أن تحدد للباحثين نقطة توقُّف جديدة لم يكن قرارًا مسؤولًا؛ فهذا يوحي بأنَّها تعطي الضوء الأخضر لإجراء الأبحاث على الأجنّة بلا قيود.

وعن هذا يقول فو، الذي شغل عضوية لجنة الجمعية الدولية التي أعدَّت التوجيهات المستحدثة على مدار ثمانية عشر شهرًا، وخلال أكثر من مئة اجتماع على تطبيق «زووم» Zoom: "العلم يتطوَّر بسرعةٍ بالغة، وكان من الصعب علينا كمجتمعٍ علمي أن نحدد نقطة توقف أخرى". عوضًا عن ذلك، أتاحت التوجيهات إجراء الأبحاث طالما أُجريت عمليات المراجعة الواجبة.

ويتفق بريفانلو مع هذا القرار، إذ يقول: "من منظوري الأخلاقي، أعلم أنَّ هناك فوائد جمة لتجاوز عتبة الأربعة عشر يومًا"، مشيرًا إلى الأبحاث المُجراة على الكروموسومات غير الطبيعية. وأضاف الباحث: "فهذه الخطوة قد يكون لها مردودها في إنقاذ حياة الأجيال القادمة". بل يذهب هو ولوفيل-بادج إلى أنَّه من غير الأخلاقي أن نحظر إجراء بعض الأبحاث التي تتجاوز عتبة الأربعة عشر يومًا، لأنها يمكن أن تكشف كيفية نشوء أنواع خلايا الأعضاء، وكيفية حدوث حالات فقدان الحمل والعيوب الخَلقية.

ومما تجدُر الإشارة إليه، أنَّ هناك حالةً من الغموض تحيط بماهية التجارب والنماذج التي ينبغي اعتبارها مثل أبحاث الأجنّة المتجاوزة مدة الأربعة عشر يومًا. وفي هذا الصدد، تقرّ توجيهات الجمعية الدولية حدًا أخلاقيًا واضحًا فاصلًا، لا يضع في فئة أبحاث الأجنة هذه سوى النماذج التي تتضمن أنسجةً داعمة، أو تلك التي تمتلك نظريًا القدرة على النمو نموًا تامًا (وكذلك تحظر التوجيهات نقل الأجنّة البشرية المُستخدمة في الأبحاث إلى أرحام الحيوانات أو البشر، وينطبق الأمر ذاته على الأجنّة الهجينة بين البشر والحيوانات، ونماذج الأجنّة البشرية).

كما يتحفظ بعض الباحثين بشأن إلغاء حد الأربعة عشر يومًا. فعلى سبيل المثال، تعتقد موريس بأنَّ الرأي العام لم يحظَ بفرصةٍ حقيقية لتقييم التبعات المترتبة على إجراء التجارب بعد ذلك الحد.

أمَّا جوزفين جونستون، اختصاصية أخلاقيات البيولوجيا في مركز هاستنجز بمدينة جاريسون في ولاية نيويورك، فتتخذ موقفًا أكثر تشددًا، إذ تقول: "أعتقد أنَّه من الخطأ إلغاء قاعدة الأربعة عشر يومًا مع عدم اقتراح بديلٍ لها". وتضيف أنَّ وجود حدٍّ لتلك الأبحاث إشارة إلى أنَّ الوسط العلمي يستوعب تقدير المجتمع للأجنة البشرية واحترامه لها. وتتابع الباحثة قائلةً إنَّه يتعين على العلماء الإفصاح عن تفاصيل الأبحاث على الأجنّة. واختتمت تعليقها بالقول: "كثير من هذه الأبحاث يبدو معنيًّا بالمستقبل البعيد، لكن من غير الحكمة ألَّا توضع لها بعض الضوابط".

References

  1. Lovell-Badge, R. et al. Stem Cell Rep. 16, 1398–1408 (2021). | article
  2. Shahbazi, M. N. et al. Nature Cell Biol. 18, 700–708 (2016). | article
  3. Deglincerti, A. et al. Nature 533, 251–254 (2016). | article
  4. Molè, M. A. et al. Nature Commun. 12, 3679 (2021). | article
  5. Shahbazi, M. N. et al. Nature Commun. 11, 3987 (2020). | article
  6. Yang, M. et al. Nature Cell Biol. 23, 314–321 (2021). | article
  7. Aguilera-Castrejon, A. et al. Nature 593, 119–124 (2021). | article
  8. Shao, Y. et al. Nature Commun. 8, 208 (2017). | article
  9. Sozen, B. et al. Nature Cell Biol. 20, 979–989 (2018). | article
  10. Moris, N. et al. Nature 582, 410–414 (2020). | article
  11. Xue, X., Wang, R. P. & Fu, J. Curr. Opin. Biomed. Eng. 13, 127–133 (2020). | article
  12. Veenvliet, J. V. et al. Science 370, eaba4937 (2020). | article
  13. Rivron, N. C. et al. Nature 557, 106–111 (2018). | article
  14. Yu, L. et al. Nature 591, 620–626 (2021). | article
  15. Liu, X. et al. Nature 591, 627–632 (2021). | article
  16. van den Brink, S. C. et al. Nature 582, 405–409 (2020). | article

كندال باول كاتبة حرَّة تقيم في مدينة بولدر بولاية كولورادو.