تحقيق إخباري

أضرار مُحتملة ومحاولات رصد صعبة: جسيمات بلاستيكية دقيقة حولنا في كل مكان  

يحاول العلماء تسريع محاولاتهم لدراسة قطع البلاستيك الدقيقة في أجسام الحيوانات البحرية، وفي أجسامنا نحن البشر.

شياوجي ليم

  • Published online:
جسيمات بلاستيكية دقيقة جُمِعت من نهر ماجوثي في ولاية ميريلاند الأمريكية.

جسيمات بلاستيكية دقيقة جُمِعت من نهر ماجوثي في ولاية ميريلاند الأمريكية.

Credit: Will Parson/Chesapeake Bay Program

اعتاد دونزو لي تسخين وجبة غذائه كل يوم في حاوية مصنوعة من البلاستيك يضعها داخل جهاز الميكروويف. لكن لي، الذي يعمل مهندسًا بيئيًا، توقف عن ذلك عندما اكتشف هو وزملاؤه أمرًا مزعجًا يؤكِّد أن حاويات الطعام البلاستيكية تُطلق أعدادًا هائلة من القطع الصغيرة، المُسمَّاة بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة (المايكروبلاستيك)، في الماء الساخن. يقول لي: "أُصبنا بالصدمة". إضافة إلى ذلك، فقد أفاد لي وباحثون آخرون بكلية ترينيتي كوليدج في دبلن، أكتوبر الماضي1، أن الغلايات وزجاجات رضاعة الأطفال تُطلق أيضًا تلك الجسيمات البلاستيكية الدقيقة. وبحسب التقديرات الحسابية التي أعدَّها الفريق، فإذا أعدَّ الأبوان الحليب الصناعي لطفليهما عن طريق رجِّه في ماء ساخن داخل زجاجة بلاستيكية، فقد ينتهي الأمر بأن يبتلع الطفل أكثر من مليون قطعة من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة كل يوم.

لكن ما يجهله لي والباحثون الآخرون -حتى الآن- هو مدى خطورة ذلك الأمر. فجميعنا مثلًا نأكل الرمل والغبار ونتنفسهما، وليس من الواضح تمامًا ما إذا كان تناول كمية إضافية من تلك القطع البلاستيكية الصغيرة من شأنه أن يُلحق بنا الضرر. وتقول تمارا جالواي، عالمة السموم البيئية بجامعة إكستر في المملكة المتحدة: "معظم ما نتناوله سوف يمرّ مباشرة عبر الأمعاء ثم يخرج من الناحية الأخرى". لكن لي يعقّب، محاولًا أن يختار كلماته بعناية: "أعتقد أنه من المنطقي القول إن المخاطر المحتملة يمكن أن تكون عالية".

ظل الباحثون متخوِّفين بشأن الأضرار المُحتَملة لتلك الجسيمات البلاستيكية الدقيقة لما يقرب من 20 عامًا، على الرغم من أن معظم الدراسات قد ركَّزت على مخاطر تلك الجسيمات على الحياة البحرية. في عام 2004، صاغ ريتشارد تومبسون، عالم البيئة البحرية بجامعة بليموث في المملكة المتحدة، مصطلح الجسيمات البلاستيكية الدقيقة لوصف جسيمات بلاستيكية يقل قطرها عن 5 ملليمترات، بعد أن عثر عليها فريقه على امتداد الشواطئ البريطانية. ومنذ ذلك الحين، وجد العلماء تلك الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في كل مكان بحثوا فيه. في أعماق المحيطات، وفي ثلوج القطبين الشمالي والجنوبي، في المحار وفي ملح الطعام ومياه الشرب والبيرة، رأوها تتطاير في الهواء أو تتساقط مع الأمطار المنهمرة على الجبال والمدن. قد تستغرق تلك القطع الصغيرة عقودًا أو أكثر حتى تتحلل تمامًا. تقول جالواي: "إننا شبه متأكدين من أن جميع الأنواع الحيَّة تقريبًا قد تعرَّضت لمستوى معين من تلك الجسيمات".

ركزت باكورة الدراسات والأبحاث التي تناولت جسيمات البلاستيك الدقيقة على الميكروبيدات الموجودة في منتجات العناية الشخصية، وعلى حبيبات البلاستيك الخام التي يمكن أن تتسرَّب قبل تشكيلها في هيئة قوالب، وكذلك على القطع والأجزاء الصغيرة التي تتفتت ببطء من الزجاجات المُهملة وغيرها من النفايات الكبيرة. تصبّ هذه الأشياء كلها في الأنهار والمحيطات، وفي عام 2015، قدَّر علماء المحيطات أن أعدادًا تتراوح ما بين 15 و51 تريليونًا من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تطفو فوق المياه السطحية في جميع أرجاء العالم. كذلك تعرَّف الباحثون منذ ذلك الوقت على مصادر أخرى لتلك الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، ومنها على سبيل المثال شذرات البلاستيك التي تنفصل عن إطارات السيارات على الطرق، والألياف الصناعية الدقيقة التي تتساقط من الملابس. تتطاير تلك الجسيمات وتتناثر في ما بين البحر والأرض، لذلك قد يتنَّفس الناس أو يأكلون تلك المواد البلاستيكية من أي مصدر.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

كبر الصورة

وبحسب ما أفاد ألبرت كولمانز، عالم البيئة في جامعة فاجينينجين في هولندا، مارس الماضي2، استنادًا إلى دراسات استقصائية محدودة للجسيمات البلاستيكية الدقيقة في الهواء والماء والملح والمأكولات البحرية، فقد يتناول الأطفال والبالغون ما يتراوح بين عشرات إلى مئات الآلاف من قطع البلاستيك الدقيقة كل يوم. ويعتقد كولمانز وزملاؤه أنه في أسوأ التقديرات، يحتمل أن كل شخص يبتلع سنويًا من البلاستيك ما يقترب حجمه من حجم بطاقة ائتمانية.

وفي الوقت الراهن، تتخذ الجهات الرقابية والتشريعية الخطوة الأولى نحو قياس مخاطر تلك المواد على صحة البشر، ألا وهي قياس معدلات التعرّض. وفي شهر يوليو من عام 2021، سوف يصبح مجلس مراقبة الموارد المائية بولاية كاليفورنيا، وهو فرع من وكالة حماية البيئة بالولاية، أوَّل جهة تنظيمية في العالم تُعلِن طُرقًا معيارية لقياس تركيزات جسيمات البلاستيك الدقيقة في مياه الشرب، بهدف مراقبة المياه على مدى السنوات الأربع المقبلة وإعلان النتائج على المستوى العام.

يتمثَّل النصف الآخر من اللغز في تقييم الآثار الناجمة عن قطع البلاستيك الصغيرة على البشر أو الحيوانات، لكن الأقوال أسهل من الأفعال. ففي أكثر من مئة دراسة معملية عُرِّضت حيوانات، ومعظمها كائنات مائية، لجسيمات بلاستيكية دقيقة. وكانت النتائج التي توصلت إليها تلك الدراسات تقول بأن ذلك التعرض يمكن أن يؤدّي إلى ضعف كفاءة عملية التكاثر لدى بعض هذه الكائنات الحية أو أن يُلحق بها أضرارًا جسدية، ولكن هذه النتائج يصعُب تفسيرها نظرًا إلى كون الجسيمات البلاستيكية الدقيقة منتشرة في عديد من الأشكال والأحجام والتركيبات الكيميائية، ولأن كثيرًا من الدراسات استخدمت مواد تختلف بالكامل عن تلك الموجودة في البيئة بالفعل.

ولعل أكثر ما يُقلق الباحثين هو الذرات متناهية الصغر، التي يطلق عليها الجسيمات البلاستيكية النانوية (النانوبلاستيك)، والتي يبلغ قطرها أقل من 1 ميكرومتر. فقد يتمكن بعض تلك الجسيمات من الدخول إلى الخلايا، مما قد يؤدِّي إلى تعطيل النشاط الخلوي. ولكن معظم تلك الجسيمات صغيرة جدًا بشكل يُصعّب على العلماء مهمة رؤيتها، ومن ثمَّ لم تُؤخذ في الحسبان خلال تصميم تقديرات النظام الغذائي التي وضعها كولمانز، على سبيل المثال، ولن تحاول ولاية كاليفورنيا مراقبتها.

لكنَّ هناك أمرًا واحدًا يعرفه العلماء جيًدا، أن المشكلة سوف تتفاقم بلا شك. إذ يبلغ إنتاج المواد البلاستيكية ما يقرب من 400 مليون طن سنويًا، ومن المتوقع أن تتضاعف تلك الكمية بحلول عام 2050. فحتى لو توقف إنتاج البلاستيك بطريقة سحرية في التو واللحظة، فإن كميات المواد البلاستيكية الموجودة حاليًا في مدافن النفايات والبيئة، وهي كمية تُقدَّر بنحو خمسة مليارات طن، سوف تستمر في التحلل إلى شظايا صغيرة يستحيل جمعها أو التخلص منها، ما يؤدي باستمرار إلى ارتفاع مستويات الجسيمات البلاستيكية الدقيقة. ويطلق كولمانز على هذا الوضع اسم «القنبلة البلاستيكية الموقوتة».

ويقول كولمانز: "إذا سألتني عن المخاطر، فأنا لستُ خائفًا مما سيحدث في يومنا الحاضر بخصوص هذه المسألة. لكنني سأكون قلقًا إلى حد كبير بشأن المستقبل إذا لم نفعل شيئًا".

 
جسيمات بلاستيكية دقيقة جمعها العلماء في منطقة خليج سان فرانسيسكو ووسموها بعلامات بغرض دراستها.

جسيمات بلاستيكية دقيقة جمعها العلماء في منطقة خليج سان فرانسيسكو ووسموها بعلامات بغرض دراستها.

Credit: Cole Brookson

أشكال الضرر

يملك الباحثون عدَّة نظريات بشأن الكيفية التي يمكن من خلالها لهذه القطع البلاستيكية الدقيقة أن تمثّل ضررًا على الكائنات الحية، فإذا كانت تلك القطع الدقيقة صغيرة بما يكفي لتدخل إلى الخلايا أو الأنسجة، فيحتمل أن تصيب الكائن الحي بنوع من التهيّج، من ناحية كونها أجسامًا غريبة، مثلما هي الحال مع ألياف الأسبستوس الطويلة الرفيعة، التي يمكن أن تُلهِب أنسجة الرئة وتؤدي إلى الإصابة بالسرطان. وثمة تشابه محتمل بين تلك الأعراض وتلوث الهواء، فمن المعروف أن ذرات السخام المنبعثة من محطات توليد الطاقة وعوادم المركبات وحرائق الغابات التي تُسمَّى PM10 وPM2.5، وهي جسيمات يبلغ قطرها 10 ميكرومترات و2.5 ميكرومتر على التوالي، تترسَّب في الشعب الهوائية والرئتين، والتركيزات العالية منها يمكن أن تُلحق الضرر بالجهاز التنفسي. ومع ذلك، وكما يذكر كولمانز، فإن مستويات PM10 أعلى بآلاف المرات من تركيزات الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في الهواء، التي كان العلماء قد عثروا عليها.

أما الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الأكبر حجمًا، فمن المُرجَّح أن تكون آثارها السلبية، إن وجدت، ناتجة عن السُمِّيَّة الكيميائية. إذ يضيف المُصنِّعون مُركَّبات مثل المُلدِّنات والمُثبِّتات والأصباغ إلى المواد البلاستيكية، وعديد من هذه المواد يتّصف بالخطورة. فعلى سبيل المثال، يتداخل بعض هذه المواد مع أجهزة الغدد الصماء (المُفرِزة للهرمونات). ولكن تحديد ما إذا كان ابتلاع الجسيمات البلاستيكية الدقيقة يزيد بصورة كبيرة من تعرضنا لتلك المواد الكيميائية أمر يعتمد على مدى سرعة خروجها من القطع البلاستيكية الدقيقة وسرعة انتقالها عبر أجسادنا، وهي العوامل التي شرع الباحثون في دراستها منذ فترة قريبة.

وثَمَّة فكرة أخرى تتمثَّل في أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الموجودة في البيئة قد تجذب الملوثات الكيميائية ثم تنقلها إلى الحيوانات التي تبتلع هذه القطع البلاستيكية الملوثة. ولكن الحيوانات تبتلع الملوثات من الطعام والماء في جميع الأحوال، بل ومن الممكن أن تساعد القطع البلاستيكية، إذا كانت غير ملوثة بدرجة كبيرة عند ابتلاعها، على إزالة الملوثات من أحشاء الحيوانات. وتقول جينيفر لينش، عالمة البيولوجيا البحرية، والتي تعمل في المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا في جايثرسبيرج بولاية ميريلاند، إن الباحثين لا يزالون غير قادرين على التوصل إلى اتفاق بشأن ما إذا كانت الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الحاملة للملوثات تُمثِّل مشكلة كبيرة.

لكن ربما يتمثّل أخف الأضرار، على الأقل في ما يتعلق بالكائنات البحرية، في أن الكائنات الحية تبتلع قطعًا بلاستيكية ليس لها قيمة غذائية، ومن ثمَّ لا تتناول ما يكفيها من الطعام للبقاء على قيد الحياة. فقد أجرت لينش، التي تترأس أيضًا مركز أبحاث النفايات البحرية بجامعة هاواي باسيفيك في هونولولو، عملية تشريح لسلاحف بحرية عُثر عليها ميتة فوق الشواطئ، بحثًا عن مواد بلاستيكية في أحشائها ومواد كيميائية في أنسجتها. وفي عام 2020، أكمل فريقها مجموعة من التحليلات تضمَّنت تسعة من صغار السلاحف المعروفة باسم السلاحف البحرية صقرية المنقار، تقل أعمارها عن ثلاثة أسابيع. كان أحد هؤلاء الصغار يبلغ طوله تسعة سنتيمترات فقط، وعُثر في جهازه الهضمي على 42 قطعة بلاستيك، معظمها من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

تقول لينش: "لا نعتقد أن أيًا منها قد مات بسبب تلك المواد البلاستيكية تحديدًا". لكنها تتساءل عما إذا كان هؤلاء الصغار قد كافحوا للنمو بنفس معدل السرعة التي يحتاجون إليها، "إنها مرحلة صعبة للغاية من حياة هؤلاء الصغار".

 

الدراسات البحرية

معظم الدراسات التي أجراها الباحثون بخصوص مخاطر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة ركزت بالتحديد على الكائنات البحرية. وتقول بينيلوبي لينديك، عالمة البيولوجيا البحرية في مختبر بليموث البحري بالمملكة المتحدة، إن العوالق الحيوانية، على سبيل المثال، وهي من بين أصغر الكائنات البحرية حجمًا، بدأت تنمو بإيقاع أبطأ وتتكاثر بشكل أقل كفاءة في وجود الجسيمات البلاستيكية الدقيقة. كما أن بيض الحيوانات أصبح أصغر حجمًا وتناقصتْ احتمالية فقسه. كذلك تُظهِر التجارب التي أجرتها لينديك أن مشكلات التكاثر تنبع من عدم تناول العوالق الحيوانية كمياتٍ كافية من الطعام3.

ولكن نظرًا إلى أن علماء السموم البيئية بدأوا إجراء التجارب قبل معرفة أنواع الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الموجودة في البيئات المائية، فقد اعتمدوا بصورة كبيرة على المواد المُصنَّعة، وكانوا في العادة يستخدمون كريات من البوليسترين ذات أحجام أصغر، وبتركيزات أعلى بكثير، مما اكتشفته الدراسات الاستقصائية.

بدأ العلماء التطرّقَ إلى ظروف أكثر واقعية من الناحية البيئية واستخدام ألياف أو قطع من البلاستيك، بدلاً من الكُريات. وأخذ بعضهم في طلاء مواد الاختبار بمواد كيميائية تُحاكي الأغشية الحيوية، والتي على ما يبدو تزيد من احتمالية تناول الحيوانات لهذه الجسيمات البلاستيكية الدقيقة.

وعلى ما يبدو فإن الألياف تُمثِّل مشكلة خاصة. تقول لينديك إنه إذا ما قورنت تلك الألياف بالكريات، فإنها تستغرق وقتًا أطول لاختراق العوالق الحيوانية. وفي عام 2017، أفاد باحثون أستراليون أن العوالق الحيوانية التي تعرَّضت لألياف بلاستيكية دقيقة أنتجت نصف العدد المُعتاد من اليرقات، وأن العوالق الناتجة كانت أصغر حجمًا عند وصولها إلى سن البلوغ. وصحيح أن العوالق لم تبتلع تلك الألياف، إلا أن الباحثين وجدوا أنها تتداخل مع عملية السباحة، وحدَّدوا التشوّهات التي طرأت على أجسام الكائنات الحية4. وكانت دراسة أخرى5 قد أُجريت في عام 2019 قد وجدت أن كائنات الـEmerita analoga البالغة التي تعيش في المحيط الهادئ والتي تعرَّضت للألياف، عاشت حياة أقصر.

في معظم الدراسات المعملية تتعرَّض الكائنات الحية لنوع واحد من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة بحجم وتركيب وشكل معين. ويقول كولمانز إن الكائنات الحية في البيئة الطبيعية تتعرَّض لمزيج من تلك الجسيمات. وفي عام 2019، وضع كولمانز وطالبة الدكتوراه ميريل كوي، رسمًا تخطيطيًا يُصّور تركيزات الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الواردة من إحدى عشرة دراسة استقصائية للمحيطات والأنهار والرواسب، بغرض بناء نماذج من الأخلاط في البيئات المائية.

وفي العام الماضي، تعاون كولمانز وكوي مع زملائهما لاستخدام هذا النموذج في عمليات محاكاة باستخدام الكمبيوتر تتنبَّأ بعدد المرات التي ستصادف فيها تلك الأسماك جسيمات بلاستيكية دقيقة صغيرة الحجم بما يكفي لتتمكن من تناولها، وكذلك احتمالية تناولها العدد الكافي من القطع للتأثير في النمو. ووجد الباحثون أنه عند مستويات التلوث الحالية لجسيمات البلاستيك الدقيقة، تتعرَّض الأسماك لهذا الخطر في عدد يبلغ 1.5٪ من المواقع التي جرى فحصها بحثًا عن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة6. ويقول كولمانز إنه من المرجّح أن تكون هناك نقاط ساخنة تزداد فيها المخاطر. ومن بين تلك الاحتمالات المياه العميقة، فبمجرد أن تصل الجسيمات البلاستيكية الدقيقة إلى تلك الأعماق، وغالبًا ما تُدفن في قلب الرواسب، ويكون من غير المرجّح أن تنتقل تلك الجسيمات إلى مكان آخر، كما أنه لا يوجد أي وسيلة للتخلص منها.

تواجه المحيطات بالفعل عديدًا من عوامل الضغط، الأمر الذي يقلق لينديك من أن تؤدي الجسيمات البلاستيكية الدقيقة إلى استنزاف أعداد العوالق الحيوانية أكثر من تخوّفها من انتقال تلك الجسيمات إلى أعلى السلسلة الغذائية ومن ثمَّ وصولها إلى البشر. "إذا قضينا على شيء مثل العوالق الحيوانية، التي تعدّ أساسًا لشبكة الغذاء البحري الخاص بنا، فهذا يثير مزيدًا من القلق بشأن تأثير ذلك في مخزون الأسماك والقدرة على إطعام سكان العالم".

 

الدراسات البشرية

على ناحية أخرى، يقول بعض كبار الباحثين إنه لا يوجد أي دراسة منشورة، حتى الآن، بحثت بصورة مباشرة الآثار الناجمة عن القطع البلاستيكية على البشر. إذ تعتمد الدراسات الوحيدة المتاحة على تجارب معملية تُعرَّض فيها الخلايا أو الأنسجة البشرية للجسيمات البلاستيكية الدقيقة، أو تُستخدَم فيها حيوانات مثل الفئران أو الجرذان. وفي إحدى هذه الدراسات7، على سبيل المثال، أصيبت الفئران التي تغذَّت على كميات كبيرة من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة بالتهاب في أمعائها الدقيقة. وكذلك عانت الفئران التي تعرضت للجسيمات البلاستيكية الدقيقة في دراستين أخريين من انخفاض في أعداد الحيوانات المنوية8 وأنجبت جراءً أقل عددًا وأصغر في الحجم9 مقارنة بأفراد المجموعات الضابطة. وكذلك يشير بعض الدراسات المعملية التي أُجريت على الخلايا أو الأنسجة البشرية إلى حدوث درجة من السُمِّيَّة. ولكن كما هي الحال مع الدراسات البحرية، فليس من الواضح ما إذا كانت التركيزات المستخدمة ذات صلة بما تتعرَّض له الفئران، أو البشر في حقيقة الأمر. معظم الدراسات استخدمت أيضًا كريات البوليسترين، التي لا تُعدّ تمثيلًا جيدًا لتنوّع الجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي تبتلعها الكائنات. ويشير كولمانز أيضًا إلى أن هذه الدراسات هي الأُولى من نوعها، ويمكن أن ينتهي بها الأمر لأن تصبح مجرد قيم شاذة بمجرد توافر مجموعة ثابتة من الأدلة. وجدير بالذكر أن الدراسات المعملية أكثر عددًا من الدراسات التي تُجرَى على الحيوانات، ولكن الباحثين يقولون إنهم لا يزالون يجهلون كيفية تأثّر الأنسجة بالقطع البلاستيكية الصلبة، وتعميم ذلك الفهم على المشكلات الصحية التي يُحتَمل حدوثها لدى قطاع بأكمله من الحيوانات.

من بين الأسئلة المرتبطة بتقدير المخاطر، ما إذا كان يمكن للجسيمات البلاستيكية الدقيقة أن تبقى في جسم الإنسان، واحتمالية تراكمها في بعض الأنسجة. وقد وجدت الدراسات التي أُجريت على الفئران أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي يبلغ قطرها قرابة خمسة ميكرومترات يمكن أن تبقى في الأمعاء أو تصل إلى الكبد. وبحسب تقديرات كولمانز وزملائه، فإن عدد جسيمات البلاستيك الدقيقة التي يمكن أن تتراكم في جسم الشخص العادي على مدى حياته2 يمكن أن يصل إلى عدة آلاف. وقد اعتمد هؤلاء الباحثون في التوصل إلى تلك النتيجة على استخدام بيانات محدودة للغاية بشأن سرعة إفراز الفئران لتلك الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، وعلى افتراض أن الجسم سوف يمتص جزءًا صغيرًا فحسب من الجسيمات، التي يبلغ حجمها ما بين واحد إلى عشرة ميكرومترات، من خلال القناة الهضمية.

وقد شرع بعض الباحثين في استكشاف ما إذا أمكن العثور على الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في الأنسجة البشرية. وفي شهر ديسمبر، نجح فريق من الباحثين في توثيق هذا الأمر للمرة الأولى، في دراسة تناولت ست مشيمات10. وقد تمكن الباحثون من تفكيك الأنسجة باستخدام مادة كيميائية، ثم فحصوا ما تبقى منها، ووصلوا في نهاية المطاف إلى اثني عشر جسيمًا دقيقًا من البلاستيك في أربعٍ من تلك المشيمات. ومع ذلك، يقول رولف هالدن، مهندس الصحة البيئية في جامعة ولاية أريزونا في مدينة تيمبي، إنه لا يستبعد حدوث تلوث عند جمع تلك المشيمات أو تحليلها، أدى إلى وجود تلك القطع، على الرغم من أنه يُشيد بالجهود التي بذلها الباحثون لتجنّب التلوث، التي شملت تلافي أن تحتوي عنابر الولادة على أي أدوات مصنوعة من البلاستيك، وكذلك مدى حرصهم على إيضاح أن مجموعة المواد الخام التي استخدموها في جميع مراحل تحليل العينة كانت خالية من الملوثات. ويقول عن ذلك: "هناك تحدٍ مستمر يتمثّل في أن تثبت بشكل قاطع أن جسيمًا معلومًا يعود أصله بالفعل إلى نسيج بعينه".

ويقول لي إن أولئك الذين يشعرون بالقلق من تعرّضهم للجسيمات البلاستيكية الدقيقة يمكنهم التقليل من ذلك الأمر. فمن خلال عمله على أدوات المطبخ، وجد لي أن كميات البلاستيك المنبعثة تعتمد بشكل كبير على درجة الحرارة، ولهذا السبب توقف لي عن استخدام الحاويات المصنوعة من البلاستيك في تسخين الطعام داخل جهاز الميكروويف. وللحدّ من المشكلات المتعلقة بزجاجات الرضاعة الخاصة بالأطفال، يقترح فريق لي أنه يمكن للوالدين شطف الزجاجات المعقمة بالماء البارد بعد غليه في غلايات غير بلاستيكية، للتخلّص من أي جسيمات بلاستيكية دقيقة قد تتسلل في أثناء التعقيم. كما يمكنهم تحضير الحليب الصناعي للأطفال في حاويات زجاجية، وتعبئة زجاجات الرضاعة بعد أن يبرد الحليب. ويعكف الفريق حاليًا على استقطاب آباء متطوّعين لتوفير عينات من البول والبراز الخاص بأطفالهم، بهدف تحليلها للاستدلال على الجسيمات البلاستيكية.

 

الجزء النانوي

يقول هالدن إن الجسيمات صغيرة الحجم بما يكفي لاختراق الأنسجة، بل والخلايا، والبقاء فيها، هي النوع الأكثر إثارة للقلق، والتي تتطلب مزيدًا من الاهتمام عند أخذ العينات البيئية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات11 التي سُمِح فيها، عن قصد، لفئران في فترة الحمل باستنشاق جسيمات دقيقة للغاية، أن الجسيمات قد انتشرت في وقت لاحق داخل كل عضو تقريبًا من أعضاء الأجنة. ويُعلق هالدن: "من منظور الخطر، هنا يكمن مصدر القلق الحقيقي، وهذا هو المجال الذي نحتاج فيه إلى مزيد من البيانات".

لكي تدخل تلك الجسيمات إلى الخلايا، فإنها تحتاج عمومًا إلى أن يكون حجمها أصغر من بضع مئات من النانومترات. وتقول ألكسندرا تير هال، عالمة الكيمياء التحليلية بجامعة بول ساباتييه في مدينة تولوز الفرنسية، إنه لم يكن هناك تعريف رسمي لجسيمات البلاستيك النانوية حتى عام 2018، عندما اقترح باحثون فرنسيون أن يكون الحد الأقصى لحجم تلك الجسيمات ما يعادل 1 ميكرومتر، وهو ما يعني أن يكون الجسيم صغيرًا بما يكفي ليظل مُشتتًا عبر عمود مائي يمكن خلاله للكائنات الحية أن تستهلكه بسهولة، بدلاً من أن يغوص أو يطفو كما يحدث للجسيمات البلاستيكية الدقيقة الأكبر حجمًا.

لكن الباحثين تقريبًا لا يعرفون شيئًا عن جسيمات البلاستيك النانوية، فهي غير مرئية ولا يمكن جمعها ببساطة. بل إن مجرد قياس تلك الجسيمات قد حيَّر العلماء وأربكهم.

يمكن للباحثين استخدام المجاهر الضوئية ومقاييس الطيف، التي تُميِّز بين الجسيمات من خلال تفاعلاتها المختلفة مع الضوء، لقياس طول جسيمات البلاستيك وعرضها وتركيبها الكيميائي، حتى بضعة ميكرومترات. أما الجسيمات دون ذلك الحجم، فيصعب تمييز الجسيمات البلاستيكية عن الجسيمات غير البلاستيكية، مثل الرواسب البحرية أو الخلايا البيولوجية. ويقول رومان ليهنر، العالم المتخصص في المواد النانوية بجمعية «سايل آند إكسبلور» Sail and Explore Association، وهي مجموعة بحثية سويسرية غير هادفة للربح: "إنك تبحث عن إبرة في كومة قش، وما يزيد الطين بلة أن الإبرة تُشبه ذلك القش".

في عام 2017، أثبتت تير هال وزملاؤها للمرّة الأولى أن جسيمات البلاستيك النانوية موجودة في عينة بيئية تمثّل كمية من مياه البحر أُخذت من المحيط الأطلسي11. استخرجت تير هال المواد الغروية الصلبة من الماء، واستبعدت أي جسيمات يبلغ حجمها أكبر من 1 ميكرومتر، ثم حرقت ما تبقى من العينة، واستخدمت مطياف الكتلة، الذي يُقسِّم الجسيمات ويُفرز القطع بحسب الوزن الجزيئي، لتأكيد وجود البوليمرات البلاستيكية في بقايا العينة.

مع ذلك، لم يُتِح ذلك العمل أي معلومات دقيقة عن أحجام أو أشكال جسيمات البلاستيك النانوية. وهنا خطرت لتير هال فكرة من خلال دراسة أسطح حاويتين بلاستيكيتين متهالكتين عثرت عليهما خلال رحلتها الاستكشافية. وجدت الباحثة أن الجسيمات العلوية بعمق يبلغ بضع مئات من الميكرومترات قد صارت متبلورة وهشَّة، وترى الباحثة أن ذلك الأمر قد ينطبق أيضًا على جسيمات البلاستيك النانوية التي ربما تكون قد انفصلت عن تلك الأسطح13. في الوقت الحاليّ، ونظرًا إلى أن الباحثين لا يستطيعون جمع جسيمات البلاستيك النانوية من البيئة، فإن من يُجرون دراسات معملية يطحنون المواد البلاستيكية الخاصة بهم، على أمل الحصول على جسيمات مشابهة.

تتمتع جسيمات البلاستيك النانوية المُعدَّة في المختبر بميزة عند الاستخدام، ألا وهي أن بإمكان الباحثين وسمها بعلامات للمساعدة على تعقب الجسيمات داخل الكائنات الخاضعة للاختبار. أعد ليهنر وزملاؤه جسيمات بلاستيك نانوية فلورية ووضعوها أسفل أنسجة مصنوعة من خلايا مُبطِّنة للأمعاء البشرية14. وقد امتصت الخلايا تلك الجسيمات بالفعل، لكن لم يظهر عليها أي علامات للتسمم الخلوي.

ويقول ليهنر إن العثور على قطع بلاستيكية على حالها في شرائح سليمة من الأنسجة، من خلال فحص عينة من النسيج، على سبيل المثال، وملاحظة أي آثار مرَضية سوف يمثل القطعة الأخيرة في هذه الأحجية المرتبطة بمخاطر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة. ويقول هالدن إن هذا الأمر سوف يكون "مرغوبًا فيه للغاية". ولكن لكي تتمكّن تلك الجسيمات من الوصول إلى الأنسجة، يجب عليها أن تكون صغيرة جدًا، لذلك يعتقد الباحثان أنه سيكون من الصعب جدًا رصدها بصورة قاطعة.

لا شكَّ أن جمع كل هذه البيانات سوف يستغرق وقتًا طويلًا. وقد تعاونت تير هال مع علماء البيئة بهدف تحديد كمية الجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي يجري ابتلاعها في الطبيعة. وتقول الباحثة إن تحليل الجسيمات التي يزيد حجمها على 700 ميكرومتر فقط في نحو 800 عينة من الحشرات والأسماك قد استغرق آلاف الساعات. ويعكف الباحثون حاليًا على فحص الجسيمات التي يكون حجمها بين نطاق 25 إلى 700 ميكرومتر. وتقول تير هال عن ذلك: "الأمر صعب ومُضجِر، وسيستغرق وقتًا طويلًا حتى نحصل على نتائج". وتضيف أنه لكي نبحث في نطاق الجسيمات الأصغر حجمًا فإن ذلك يتطلب "جهودًا جبارة".

 

لا وقت نُضيِّعه

يعتقد الباحثون في الوقت الحاليّ أن مستويات الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية في البيئة منخفضة للغاية بصورة لا تؤثر في صحة الإنسان. لكن أعداد تلك الجسيمات سوف تزداد بلا شك. ففي سبتمبر الماضي، توقَّع الباحثون15 أن كمية البلاستيك التي تُضاف سنويًا إلى النفايات الموجودة بالفعل، سواء جرى التخلص منها بعناية وحرص في مدافن نفايات مغلقة أو تناثرت وتفرَّقت عبر البر والبحر، يمكن أن تتضاعف من 188 مليون طن في عام 2016 إلى 380 مليون طن في عام 2040. ويُقدِّر العلماء أنه بحلول ذلك الوقت يمكن لما يقرب من عشرة ملايين طن من تلك الكمية أن تكون في هيئة جسيمات بلاستيكية دقيقة، مع الوضع في الاعتبار أن هذه العملية الحسابية التي أجراها الباحثون لم تضع في اعتبارها الجسيمات التي تتآكل باستمرار من النفايات الموجودة بالفعل.

وتقول ويني لاو، من مؤسسة «بيو تشاريتابل تراستس» Pew Charitable Trusts في العاصمة واشنطن، وهي المؤلفة الأولى للدراسة، إنه من الممكن كبح جماح بعض نفاياتنا البلاستيكية. وقد وجد الباحثون أنه إذا نجحنا في إقرار كل حل ثبتت جدواه في الحدِّ من التلوث بالبلاستيك في عام 2020، وإذا نجحنا في توسيع نطاق ذلك الحل في أسرع وقت ممكن، بما في ذلك التحول إلى أنظمة إعادة الاستخدام، واعتماد مواد بديلة، وإعادة تدوير البلاستيك، فقد نتمكَّن من خفض كمية النفايات البلاستيكية المتوقع إضافتها إلى 140 مليون طن سنويًا بحلول عام 2040.

ختامًا يمكن القول بأن تحقيق أكبر المكاسب سوف يتمثَّل إلى حد بعيد في الاستغناء عن المواد البلاستيكية التي تُستخدم مرة واحدة فقط ثم يُتخلَّص منها. وتقول جالواي: "لا فائدة تُذكَر من إنتاج أشياء تدوم خمسمائة عام ثم استخدامها لمدة عشرين دقيقة. إنها طريقة غير مستدامة على الإطلاق للحياة على ظهر هذا الكوكب".

    

References

  1. Li, D. et al. Nature Food 1, 746–754 (2020). | article
  2. Nor, N. H. M., Kooi, M., Diepens, N. J. & Koelmans, A. A. Environ. Sci. Technol. 55, 5084–5096 (2021). | article
  3. Botterell, Z. L. R. et al. Environ. Pollut. 245, 98–110 (2018). | article
  4. Ziajahromi, S., Kumar A., Neale, P. A. & Leusch, F. D. L. Environ. Sci. Technol. 51, 13397–13406 (2017). | article
  5. Horn, D. A., Granek, E. F & Steele, C. L. Limnol. Oceanogr. Lett. 5, 74–83 (2019). | article
  6. Koelmans, A. A., Redondo-Hasselerharm, P. E., Nor, N. H. M. & Kooi, M. Environ. Sci. Technol. 54, 12307–12315 (2020). | article
  7. Li, B. et al. Chemosphere 244, 125492 (2020). | article
  8. Jin, H. et al. J. Hazard. Mater. 401, 123430 (2021). | article
  9. Park, E.-J. et al. Toxicol. Lett. 324, 75–85 (2020). | article
  10. Ragusa, A. et al. Environ. Int. 146, 106274 (2021). | article
  11. Fournier, S. B. et al. Part. Fibre Toxicol. 17, 55 (2020). | article
  12. Ter Halle, A. et al. Environ. Sci. Technol. 51, 13689–13697 (2017). | article
  13. Rowenczyk, L. et al. Environ. Sci. Technol. 54, 4102–4109 (2020). | article
  14. Caldwell, J. et al. Environ. Sci. Nano 8, 502–513 (2021). | article
  15. Lau, W. W. Y. et al. Science 369, 1455–1461 (2020). | article

شياوجي ليم كاتبة حرة، تقيم في مدينة ميدفيلد بولاية ماساتشوستس.