موجزات مهنية

نظرة على ثقافة التمييز ضد ذوي الإعاقة في الأوساط الأكاديمية

أربع عالِمات من ذوي الإعاقة يشاركن تجاربهن في قيادة الفِرَق البحثية، وأفكارهن حول سُبل تهيئة المختبرات وأماكن العمل الميداني لتكون أكثر ملاءَمةً للباحثين ذوي الاحتياجات الخاصة. 

  • Published online:
تقول كيلسي بايرز: عليك أن تتحدي الافتراضات المزعومة حول إعاقتك.

تقول كيلسي بايرز: عليك أن تتحدي الافتراضات المزعومة حول إعاقتك.

Credit: Roman Kellenberger

يعاني نحو 15% إلى 25% من سكان العالم من إعاقة واحدة على الأقل. ورغم إحراز بعض التقدم في مجال حقوق المعاقين، لا تزال ميادين البحث العلمي والفُرص الوظيفية في هذا المجال بعيدتين عن متناوَل قطاعٍ كبير من العلماء ذوي الإعاقة، بالمعنيين الحرفي والمجازي للكلمة.

يُلزِم القانون المؤسسات، في العديد من الدول، بضمان «ترتيبات معقولة» تقدم تسهيلات خاصة للمعاقين، إلا أن الباحثين من ذوي الإعاقة يرون ضرورة حدوث تحوُّل مماثل في سلوك الكثيرين من أقرانهم.

يرى هؤلاء الباحثين أن ثقافة التمييز ضدَّ ذوي الاحتياجات الخاصة – ويُقصد بها أي معتقَد أو ممارسة تقلّل من قدْر هؤلاء الأشخاص، أو تتبنى ممارسات تنطوي على تمييز ضدهم، سواء أكانوا مصابين بأمراض جسدية أو حالات نفسية أو عقلية، أو أمراض مزمنة، أو اختلافات في الإدراك المعرفي – هذه الثقافة قد حرمَتهم من قاعات الدراسة، والمختبرات، والعمل الميداني، والمؤتمرات. ولا يقتصر الأمر، حسبما يقولون، على تدنِّي مستوى تمثيل الباحثين من ذوي الإعاقة في مجالات العلوم والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات (التي يُطلق عليها اختصارًا: STEM)، بل إن الإعاقات المرئية وغير المرئية تغيب عادةً عن النقاشات المطروحة بشأن جهود التنوع والشمول.

تقول كيلسي بايرز، المتخصصة في علم الإيكولوجيا الكيميائية التطورية في مركز جون إينيس في مدينة نورويتش بالمملكة المتحدة: "إذا صمَّمنا المساحات المادية والفصول الدراسية بطريقة تناسب القاسم المشترك بين البشر، مثل توفير منحدرات للكراسي المتحركة في كافة المنشآت، والاعتماد على طُرُق تدريس تشمل التنوع العصبي، سنكون عندئذ قد وضعنا نظامًا يصلح للجميع".

في الوقت نفسه، يرى كثير من العلماء ذوي الإعاقة أن جائحة «كوفيد-19» قد يسّرت عليهم فرص الوصول إلى مساحات متعددة، بفضل الاعتماد على المؤتمرات الافتراضية، والعمل عن بُعد، وكذلك حجز مواعيد الرعاية الصحيّة عن بُعد، كما يحدوهم أمل كبير في أن تبقى هذه الخيارات متاحة بعد انقضاء الجائحة.

واحتفالًا بالشهر الوطني للتوعية بتوظيف ذوي الإعاقة في الولايات المتحدة (الذي يوافق شهر أكتوبر، ويماثله في المملكة المتحدة شهر التوعية بحقوق ذوي الإعاقة، الذي يستمر بين الثامن عشر من نوفمبر والثامن عشر من ديسمبر)، تشاركنا أربع باحثات ذوي الإعاقة، يعملن في الحقل الأكاديمي، بعض النصائح للتعامل مع تحديات العمل اليومية، والوقت المناسب لطلب الحصول على الموارد والدعم، إلى جانب كيفية إخبار زملاء العمل بأفضل الطرق التي يمكنهم من خلالها تقديم المساعدة.

______________________

كيلسي بايرز

أؤدي دوري العلمي جالسةً على مقعدي

______________________

كان ذلك في عام 1998، حين بدأت تنتابني آلام المفاصل. كنتُ وقتئذٍ في الثالثة عشرة من عمري، لكن لم تتأكد إصابتي بمتلازمة «إهلرز-دانلوس» Ehlers–Danlos إلا في عام 2009، أثناء فترة الدراسات العليا. أُصبت كذلك بمتلازمة «تسارع معدل ضربات القلب الوضعي الانتصابي»، ما تسبَّب في عجزي عن حمل أشياء ثقيلة، أو الوقوف لفترات طويلة.

الطريقة التي وجدتُها مفيدة وناجعة في مواجهة هذا الظرف، تمثَّلت في الأخذ بالصراحة والشفافية في التعامل مع المشرفين على عملي البحثي، الذين أجروا ترتيبات غير رسمية تيسيرًا عليّ. فعلى سبيل المثال، أُسندَت إليَّ مهمة تصميم مُخطط المجموعة التجريبية من نباتات زهرة القرد Minulus، في حين تولى باقي أعضاء الفريق مهمة نقل هذه النباتات لزراعتها في الموقع الميداني المخصص لها.

عنصر الثقة هو ما يحدد، بصورة كبيرة، الوقت المناسب للإفصاح عن الحالة، والطريقة التي سيتبعها المرء لفعل ذلك. فعندما عرفت بإصابتي بهذا المرض، كانت تربطني بالفعل علاقة شخصية وطيدة بالمشرف على رسالة الدكتوراه. وفي ذلك المختبر، كان من الطبيعي أن ترى أحدهم مُمدَّدًا على الأريكة لأخذ غفوةٍ قصيرة – الجميع فعل ذلك. ولذا، فعندما كنت أضطر أحيانًا إلى الاستلقاء، لمواصلة عملي أو لحضور اجتماع، لم يكن ذلك يُعتبر تصرفًا غريبًا.

أما أكبر تحدٍّ يواجهني، فيتمثل في افتراضات الآخرين عما يمكنني القيام به، وما أعجز عن فعله. عندما كنت أؤدي عملًا ميدانيًّا، ضمن دراسة ما بعد الدكتوراه في بنما، كان على فريقي جمع إناث الفراشات من الغابة المطيرة. وكان هناك بعض التشكك في قدرتي على المشاركة في البحث، بالنظر إلى أنني لن أستطيع التجوّل معهم. ولكنني أقنعتُهم بتركي عند أحد الأنهار، بصحبة مقعد صغير وبعض الشِّباك، وجلستُ بالقرب من نباتاتٍ أعرف أن الفراشات تنجذب إليها. وكانت النتيجة أنني أمسكتُ بفراشتين من الإناث، في حين أن من تجوّلوا على أقدامهم أمسكوا يومها فراشةً واحدة فقط، وتعرَّضوا للدغات البعوض والبراغيث. كانت لحظة رائعة، شعرت فيها أنني أتحدى الحياة نفسها.

ما كان يهمُّني آنذاك أنني استطعت أداء دوري، حتى لو كان ذلك يحدث بينما أجلس على مقعدي. فإعاقتي لا تعني أنني لا أستطيع المشاركة بإيجابية فيما نتوصل إليه من نتائج: يمكنني أن أقود السيارة إلى كثير من المواقع الميدانية، يمكنني فحص العينات وأنا جالسة، وهناك كراسيُّ متحركة مصممة لتلائم متطلبات العمل الميداني. وفضلًا عن ذلك، أحرص على إعطاء فريقي مجموعة من الإرشادات التي ينبغي اتباعها حال طرأت أية مشكلة طبية أثناء إجراء العمل الميداني.

ولأنني عالمة، فوظيفتي هي التفكير. لذا، فإن استقدام شخص ليؤدي دور اليدين، أو الأذنين، أو العينين، هو أمر لا غضاضة فيه على الإطلاق، متى توفرت الموارد المالية اللازمة لذلك؛ بل وينبغي أن يكتسب الصفة القانونية التي تخوِّل إليه أداء هذا الدور.

عندما كنت أعمل على دراسات ما بعد الدكتوراه في جامعة كيمبريدج بالمملكة المتحدة، كان يصعب عليّ، في بعض الأحيان، الوصول إلى المباني القديمة. وكنت أجد نفسي مضطرةً إلى اجتياز باب هائل، هو من الثِّقل بحيث يصعب تحريكه، كي أصل إلى دورة المياه، أو غرف تناول المشروبات، أو اجتماعات فريق المختبر. كان الأمر متعبًا حدَّ الإنهاك.

في الوقت المخصص لتناول الشاي، قد يتركني زملائي عند المصعد، ويستخدمون الدَّرَج، حتى وإن كنا منهمكين في الحديث، وكان لذلك على نفسي وقعٌ مؤلم. إنهم لا يفعلون ذلك عمدًا، ولا يُضمرون أي نية سيئة؛ كل ما هنالك أنهم لم كانوا يفعلون ذلك بلا تفكير.

عندما خضتُ مقابلة التوظيف للحصول على وظيفتي الحالية، استعنتُ بدراجة كهربائية متحركة. سألني مدير المعهد عن قدرتي على المرور من باب صعب الاستخدام، وشاهدني وأنا أمرّ منه، وبعدها أخذ على عاتقه مهمة التحدث إلى إدارة المبنى لإصلاحه. لقد انتبه لوجود مشكلة، غير أنه لم يتصرف نيابةً عني قبل أن يتأكد مني أولًا. كان أمرًا رائعًا بحق.

عادةً ما تركز مكاتب شؤون ذوي الإعاقة من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات على توثيق المستندات. وأعتقد أن هذه المكاتب قد أُنشئت بغرض تجنيب الجامعات المسؤولية القانونية. في إحدى المرات، انتُهكت خصوصيتي عندما قام أحدهم بالإفصاح عن حالتي الصحية دون الحصول على موافقتي المُسبقة. وهكذا، تتعامل العديد من الجامعات مع إجراءاتها الرسمية التقييدية باعتبارها الطريقة الوحيدة لإتاحة الفرص للأشخاص من ذوي الإعاقة. وهذه مشكلة حقيقية.

وأخيرًا، فإنني أعرّف نفسي بأنني شخص لاجنسيٌّ ولاجندريّ. وقد يحدث في بعض المؤتمرات أن تكون هناك أُمسية لمجتمع «الميم» LGBT+، يلتقي فيه المنتمون إلى الأقليات الجنسية والجندرية، لكن الوصول إلى مكان اللقاء لا يكون دائمًا بالأمر الميسور. وهذا التقاطع بين أشكال التمييز المختلفة – أعني الطريقة التي تلتقي بها جوانب الهوية المختلفة، وتتقاطع فيما بينها، سواءٌ بطريقة إيجابية أم سلبية – هو محور أساسيّ ينبغي النظر إليه عند تسليط الضوء على هذه التحديات ومواجهتها.

كيلسي بايرز باحثة في مجال الإيكولوجيا الكيميائية التطورية، تدرس حاليًا تطور رائحة الأزهار في مركز جون إينيس، الواقع في مدينة نورويتش بالمملكة المتحدة.

تقول فيفيان مورسيل: نريد أن نرى قدرًا أكبر من المشاركة الوجدانية، والشعور بالآخر.

تقول فيفيان مورسيل: نريد أن نرى قدرًا أكبر من المشاركة الوجدانية، والشعور بالآخر.  

Credit: Viviane Morcelle

______________________

فيفيان مورسيل

لا تلتفت إلى القيل والقال.. وامضِ في طريقك

______________________

في عام 2015، بعد عام واحد من تعييني أستاذة في جامعة ريو دي جانيرو الريفية الفيدرالية في البرازيل، حيث أدرّس الفيزياء، أُصبت بألم في قدمي اليسرى، بسبب فقدان غضروف في كاحلي. وبعد إجراء جراحتين، أصبحتُ من ذوي الإعاقة، لا أستطيع المشي إلا متكئةً على عكازين. وفي أثناء إجازتي المرضية، بحثتُ عن فرصة للدخول في شراكة بحثية محلية، أعود بها إلى مجال الفيزياء النووية.

وعلى أثر إصابتي بهذه الإعاقة، تعززت الأحكام المسبقة التي كنت أتعرض لها بالفعل، لكوني امرأة. في ذات مرَّة، اتهمني أحد الباحثين باستغلال إعاقتي للحصول على إعفاء خاص من التدريس، مستخدمًا تعبيرًا دارجًا في الثقافة المحلية البرازيلية، ترجمته: "استمراء الجلوس في حِجْر الدولة". تلقيتُ اتهامه هذا في وجهي مباشرة، لكن الأسوأ من ذلك هو أن يتحدث الآخرون عن إعاقتك من وراء ظهرك.

جرَت العادة على ألا يحترم الناس الحقوق التي تكفلها الدولة لذوي الإعاقة. تجد نفسك مضطرًا دائمًا إلى الشجار من أجل الحصول على مكان لصفّ السيارة، أو لتسهيل وصولك إلى إحدى الفعاليات.

في عام 2019، مثلًا، حضرتُ مؤتمرًا دوليًّا في البرازيل حول التنوُّع والمساواة الجِنْدرية والعِرقية، في مجالات العلوم والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات. ولكي أصل إلى عروض الملصقات، أو إلى الأماكن المخصصة للاستراحات، كان عليّ استخدام الدَّرَج، متوكِّئةً على عكازين. يبدو أنه لا يوجد من ينتبه لوجود الباحثين ذوي الإعاقة في الفعاليات التنظيمية هذه.

لا بدّ أن يُكفل للباحثين من ذوي الإعاقة المساواة في تقديم المنح الدراسية والمالية، مثل المنحة الإنتاجية البحثية الهامة التي يقدمها المجلس الوطني للتطوير العلمي والتكنولوجي في البرازيل، للباحثين من ذوي الإعاقة. فلكي تُنافِس للحصول على المنح الحكومية هنا، ينبغي أن تقدم نفس إنتاجية شخصٍ لا يعاني أية إعاقات، وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا في كثير من المجالات. والسبب الوحيد الذي يجعلني قادرة على إجراء أبحاثي هو أن شركائي يدركون حدود قدراتي، ويعرفون أنها لا تؤثر على قدراتي الفكرية. ولولا حرصهم على إدماجي ضمن العملية البحثية، لكنتُ قد تركت عملي.

الباحثون من ذوي الإعاقة لا يفتقرون إلى الكفاءة، ولا هم أقل التزامًا بمجالهم البحثي، أو درايةً به، وهم لا يتمارضون للتهرُّب من أداء واجبات العمل. نريد أن نحظى بالاحترام، وبفرصة التعاون مع الآخرين. نريد قدرًا أكبر من الشعور بالآخر.

فيفيان مورسيل باحثة الفيزياء النووية في جامعة ريو دي جانيرو الريفية الفيدرالية في بلدة سيروبيديكا، البرازيل.

______________________

هانا مامبي

تحدّث بشفافية.. وأسمعهم صوتك.. وعبِّر عن نفسك متى سمحت فرصة

______________________

الرسائل السلبية التي تحوم حول الإعاقة، ولا يكاد ينجو منها أحد يحمل هذه الصفة، من شأنها أن تؤدي بالأشخاص إلى الإحجام عن تعريف أنفسهم بوصفهم من ذوي الإعاقة. وربما ينطبق ذلك، على سبيل المثال، على آلاف الأشخاص الذين يعانون من الآثار الممتدة لمرض «كوفيد-19»، التي يُقصد بها استمرار الأعراض لوقت طويل بعد التعافي من المرض. وهذا الإحجام يعني، بدوره، أن الأشخاص سيمتنعون عن طلب الدعم الذي يحتاجون إليه. وفي هونج كونج، حيث أقيمُ وأعمل حاليًا، لا يتلقى كثير من الناس تشخيصًا رسميًّا بكونهم من ذوي الإعاقة، خاصةً فيما يتعلق بصعوبات التعلم، والمشاكل النفسية أو العقلية، والسبب في ذلك هو الوصمة المرتبطة بهذا التوصيف.

كذلك فإن خشية الشخص من أن يُنظر إليه على أنه غير كفء في العمل تُثني البعض عن التحدث بحرية عن إعاقتهم بأي شكلٍ كان. عندما أتحدث عن إعاقتي، أُقابَل عادةً بصمت يُشعرني بحرج كبير؛ على أنني أكثر صراحةً في الحديث عن إعاقتي من قادة بعض المجموعات الأخرى، قاصدةً من وراء ذلك ألا يشعر طلابي وزملائي بأنه يتوجب عليهم إخفاء إعاقتهم.

كنت في التاسعة والعشرين من عمري عندما تأكدت إصابتي بمرض وراثي خليق بتغيير مجرى الحياة، ليس له علاج أو دواء، وهو ما أثّر على اختياري لأماكن العمل الميداني؛ إذ توجب عليّ أن أكون قريبة من المستشفيات.

وعندما انتقلتُ من المملكة المتحدة إلى هونج كونج عام 2019، لأشغل منصب أستاذ مساعد، أردتُ أن أكون قادرة على زيارة طبيب واحد بصورة دورية، حتى يكون على دراية بتاريخي المرضي. وبالنسبة لي، فإن أحد الأمور الإيجابية الرائعة هنا، تمثلت في قدرتي على رؤية الاختصاصي المسؤول عن حالتي.

غير أنَّ هناك أمورًا أخرى تُصعّب حياتي المهنية. فعلى سبيل المثال، كيف ندير – نحن الباحثين الرئيسيين من ذوي الإعاقة – فِرَق العمل في المختبر؟ أنا لا أريد أن أُثقل كاهل فريقي، أو أكون عائقًا أمام سير العمل، لكني أريدهم أن يكونوا على دراية بالصعوبات المرتبطة بإعاقتي، إذ أُضطر أحيانًا إلى ترك كل شيء، والذهاب إلى المستشفى.

وعندما سألتُ مجموعة #DisabledinSTEM، المختصَّة بذوي الإعاقة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات على موقع «تويتر»، عن الطريقة التي يستطيع بها قادة الفرق البحثية، ممن يلتزمون بكثير من المواعيد الطبية، أن يخصصوا وقتًا لاجتماعات الطلاب الدورية، اقترح البعض عليّ أن أستعين بالمكالمات الهاتفية، أو مراسلات البريد الإلكتروني (لكن ليس مكالمات الفيديو)، عندما أكون في غرفة الانتظار، وأن أحجب المواعيد غير المتاحة بالنسبة لي، في جدول المواعيد المشترك، دون تحديد السبب.

وسواءٌ أكنت تعاني من إعاقة أم لا، فإذا أراد أحدهم التحدث معك عن حالته الصحية، أو مرضٍ ألمَّ به، فليس عليك أكثر من الاستماع إليه. هذه أفضل بداية يمكن للمرء أن يختارها. فعادةً ما يكون أول ردّ فعل نتلقاه هو الصدمة، أو الحزن، أو الرغبة في إيجاد حلول. استمع فحسب.

كذلك عندما يفصح أحد الأشخاص عن إعاقة غير مرئية، حاول السيطرة على شعور المفاجأة الذي قد ينتابك، وفكّر في الطريقة التي يمكنك بها مساعدة هذا الشخص؟ وتذكَّر أن الناس ليسوا كما تراهم أنت طوال الوقت. فعندما كشفت عن إعاقتي لأحد الزملاء هنا، قال لي شيئًا رائعًا: "ليست لديّ خبرةٌ بهذا الأمر، لكنني أرغب في أن أكون مرشدًا جيدًا. أخبريني فحسب عندما تحتاجين شيئًا وسأبذل ما في وسعي".

يحتاج المجتمع العلمي إلى تجاوُز المتطلبات القانونية، وأن يجعل الترتيبات التي من شأنها التيسير على ذوي الإعاقة أمرًا طبيعيًا. وإذا قدّم أحد الأشخاص طلبًا كهذا، وكان أول رد فعل تلقائي لك، بوصفك قائد فريق عمل، أن قلت: "هذا ليس منصفًا للآخرين"، فأرجو منك أن تتريث، وتعيد التفكير. فكّر في مشقة السؤال نفسه بالنسبة إليهم، ثم فكّر في كيفية تذليل هذه العقبات. وينبغي على الباحثين الرئيسيين أن يباردوا بتوضيح أنهم مستعدون لإجراء تعديلات تناسب ذوي الإعاقة، وأن يكونوا على أعلى قدر ممكن من التفهّم عندما يُطلب منهم ذلك.

ففي نهاية المطاف، هل سيضيرنا حقًّا أن نكون ممن ييسّرون على الناس؟

هانا مامبي عالمة في مجال حفظ الطبيعة في جامعة هونج كونج.

______________________

 

فيفيان تشيونج

أفسح المجال لمن يأتي بعدك

______________________

 

عندما علمتُ بإصابتي بمرض نادر في الأنسجة الضامة، عام 2014، كنت أشغل منصب أستاذة بدوام كامل في جامعة ميتشجن. تطورت حالتي المرضية إلى الحد الذي وجدتُ فيه أنني بحاجة إلى كلب خدمة، لمساعدتي على الحركة والرؤية المحيطية. وهكذا، اقتنيتُ الكلبة «أوبي» في أواخر عام 2014، وبدأتُ اصطحابها إلى الاجتماعات، وكانت هذه خطوة كاشفة بالنسبة لي؛ لأن كثيرًا من الطلبة المصابين بأمراض مزمنة تشجَّعوا على أن يبوحوا لي بالأمور المتصلة بحياتهم المهنية في مضمار البحث العلمي.

وكان من بين أسئلتهم الأساسية، سؤال تركَّز حول الوقت المناسب للكشف عن حالة الإعاقة للمشرف على الرسالة، أو لإدارة برنامج الدراسات العليا، ومقدار المعلومات التي ينبغي الإفصاح عنها. من الضروري أن يكون وجود ذوي الإعاقة في مجتمعنا واضحًا ومرئيًا، لكن الإفصاح عن الحالة مسألة ليست باليسيرة. لذا، فقد يكون من الصعب تقديم المشورة لهم.

لكنني دائمًا ما أقول للباحثين، في بداية حياتهم المهنية، إن المشرف لا ينبغي أن يكون الشخص الأول الذي يكشفون له عن إعاقتهم. وبدلًا من ذلك، عليهم بالتحدث أولًا مع أشخاص يثقون بهم في العمل. وإذا كانت ردودهم سلبية، فمن الضروري أن نتريَّث لنستوعب ردود الأفعال هذه، ونطلب اقتراحات حول أفضل طريقة لنقل الخبر. ومن الضروري أيضًا الاستماع إلى كثير من الآراء قبل اتخاذ القرار الكبير، والتحدث بصورة جادة ومباشرة إلى المشرف.

ومن بين الأمور التي أحرص على تذكير طلابي بها، أيضًا، أنه كلما كنتَ ناجحًا، سيزداد الضغط الواقع عليك، لكونك باحثًا من ذوي الإعاقة. فربما تواجه رفضًا، لا لشيء إلا لأنك تتحدّى الفكرة النمطية لدى أقرانك عن الصورة التي ينبغي أن يكون عليها العالِم الناجح. لكن لتغيير هذه الأوضاع، نحتاج إلى مزيد من نماذج العلماء ذوي الإعاقة التي يُحتذى بها.

عندما بدأتُ باستخدام كرسي متحرك، لم يكن المبنى الذي يوجد فيه المختبر مهيَّأً لاستخدام الكراسي المتحركة. لكن بمساعدة الزملاء والإداريين، أزلنا الأغراض غير الضرورية من المدخل والردهات الداخلية، وجعلناها أيسر استخدامًا للجميع.

نحتاج كذلك إلى مزيد من المنتديات، على شبكة الإنترنت، التي يستطيع من خلالها الأساتذة ذوو الإعاقة أن يتواصلوا مع شباب الباحثين من ذوي الإعاقة؛ إذ من المستحيل أن يتطلع المرء لأن يصبح مثل شخص لم يره قط. ونحتاج أيضًا إلى تحسين برامج التدريب المعنية بالتنوع في المؤسسات، من أجل تزويد الأشخاص بالأدوات اللازمة، مثل مفردات لوصف الإعاقات بلغة شمولية، لا تتضمن تمييزًا ضد ذوي الإعاقة، أو استبعادًا لهم. والهدف من استخدام هذه الأدوات هو ألا يشعر ذوو الإعاقة بالحرج حولنا. (ومن الأمثلة على ذلك، استخدام التعبير: «مُستخدم الكرسي المتحرك»، بدلًا من: «المُقعَد على كرسي متحرك»).

هدفي في الوقت الحالي يتلخص في تسليط الضوء على ذوي الإعاقة، عن طريق ترشيحهم للحديث عن اكتشافاتهم في المؤتمرات والندوات العلمية.

فيفيان تشيونج عالمة أحياء مختصة بأبحاث الحمض النووي الريبي، واختصاصية طب أعصاب الأطفال في جامعة ميتشجن بمدينة آن آربر ومعاهد الصحة الوطنية الأمريكية بمدينة بيثيسدا، بولاية ميريلاند.

 

أجرت المقابلات: كِندال باول

خضعت المقابلات للتحرير لأغراض الاختصار والوضوح.