أخبار

معلومات تؤكد تصاعُد المقاومة ضد أهم عقاقير الملاريا في أفريقيا

صارت العقاقير التي تحتوي على مادة الأرتيميسينين تستغرق وقتًا أطول من ذي قبل في القضاء على عدوى الملاريا، لكنها لا تزال فعالة حتى الآن؛ فهل يستمر الوضع على هذا المنوال؟

ماكس كوزلوف
  • Published online:
طبيب يعرض الأدوية المضادة للملاريا أمام أُمٍ وابنها في مالي.

طبيب يعرض الأدوية المضادة للملاريا أمام أُمٍ وابنها في مالي.

Credit: Godong/BSIP/Science Photo Library

أكد علماء أن طفيليات الملاريا في أفريقيا قد اكتسبت القدرة على مقاومة واحدة من أهم عائلات الأدوية المستخدمة في الوقاية منها.

وتُعلِّق على ذلك ليان تيلي، عالِمة الكيمياء الحيوية من جامعة ملبورن في أستراليا، والتي تجري أبحاثًا تُركِّز على دراسة الأُسس الجزيئية لظاهرة مقاومة مضادات الملاريا، فتقول: "طوال الفترة الماضية، كان جميعنا يتوقع، بل ويخشى، وقوع ذلك عاجلًا أو آجلًا".

وبالفِعل، لطالما رَصَد العلماء علامات على مقاومة تلك الأدوية في أفريقيا. على سبيل المثال، كان العلماء1 قد اكتشفوا وجود طفرات جينية مرتبطة بمقاومة الأدوية لدى طفيليات الملاريا المتوطِّنة في رواندا في الفترة بين عامي 2012 و2015. وهذا الاكتشاف أيدته دراسة جديدة نُشِرت في دورية «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسِن»  New England Journal of Medicine في سبتمبر من العام الجاري2؛ حيث بيَّنت الدراسة الجديدة أن ثمة ارتباطًا سببيًا بين وجود الطفرات التي أشارت إليها نتائج الدراسة السابقة وبين التراجع الملحوظ في سرعة عمل الأدوية المضادة للملاريا، وما يصاحب ذلك من تباطؤ في وتيرة تعافي الأشخاص المصابين.

وعادة ما يتلقى الأشخاص المصابون بالملاريا علاجات تجمع ما بين أدوية «المعيار الذهبي» للملاريا (وهي عائلة أدوية تضم مادة الأرتيميسينين ومشتقاتها) وأدوية «مُكمِّلة» لها، فيما يُعرَف باسم «التركيبات العلاجية القائمة على مادة الأرتيميسينين»(ACTs) ، وذلك انطلاقًا من مبدأ مفاده أن تعدُّد الأدوية يجعل اكتساب القدرة على مقاومة الأدوية أصعب بالنسبة للطفيليات.

وقد استمرت فعالية تلك التركيبات إلى أن ظهرت أولى علامات المقاومة ضد مادة الأرتيميسينين، ومواد أخرى تنتمي للعائلة نفسها، في كمبوديا في مطلع الألفية الثانية. وبالطبع، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ ففي غضون بضع سنوات من ذلك، بدأت طفيليات الملاريا في جنوب شرق آسيا في الإفلات من تأثير بعض الأدوية المُكمِّلة التي كان المصابون يتلقونها ضمن التركيبات العلاجية القائمة على مادة الأرتيميسينين. وكانت نتيجة ذلك أن انقلب الوضع رأسًا على عقب، حتى إن عددًا من توليفات الأدوية الأكثر فاعليةً ضد الملاريا لم يَعُد استخدامها يجدي نفعًا مع المصابين في تلك المنطقة، وهو ما دفع مسؤولي الصحة العامة للاجتهاد في البحث عن تركيبات أخرى لم تفقد فاعليتها بعد.

واليوم، ترى تيلي أن ما تشهده أفريقيا حاليًا من ارتفاع في معدلات المقاومة لمضادات الملاريا يُنذِر بكارثة، لا سيما في هذا التوقيت؛ حيث تُعَد القارة السمراء مركزًا لما يزيد على 90% من مجموع حالات الإصابة بالملاريا والوفيات الناجمة عنها على مستوى العالم. ومما يثير القلق أيضًا أن الدراسة المنشورة في دورية «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسِن» (المُشار إليها في مطلع المقال) وجدت أدلة على أن ظاهرة المقاومة لمضادات الملاريا في أفريقيا قد نشأت بمعزل عن انتشار سلالات من الطفيليات المُقاوِمة للمضادات نفسها في جنوب شرق آسيا، أي إنه لا توجد صلة بين الحدثين. ومن هنا، تستنتج تيلي أن السلالات الموجودة في أفريقيا الآن قد تُواصِل تطورها إلى أن تتحول إلى طُفيليات «منيعة»، وتصبح تلك الطفيليات المتطورة بدورها السلالة الأكثر انتشارًا فيما بعد.

وقد تجلى ذلك في دراسة أُجريت في أوغندا خلال الفترة ما بين عامي 2017 و2019، حاول فيها فريق من الباحثين أن يعالجوا 240 شخصًا مصابًا بالملاريا عن طريق حقْنهم وريديًا بمادة الأرتيسونات (وهي مشتق قوي من مادة الأرتيميسينين)، وذلك بمعدل ثلاث مرات على مدار يوم واحد، ومن ثمَّ إخضاعهم للبرنامج العلاجي التقليدي، الذي يتضمن أخذ جرعات من الأقراص التي تحتوي تركيبتها على مادة الأرتيميسينين لمدة ثلاثة أيام. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخطوة الأولى من البرنامج العلاجي الذي تبناه الباحثون في هذه الدراسة تأتي مُخالِفة لما اعتاده الأطباء من الإحجام عن العلاج بمادة الأرتيميسينين وحدها، أي دون أدوية مُكمِّلة، ما عدا في حالات الإصابة بالملاريا الحادة.

وقد لاحظ الفريق خلال الدراسة أن ثمة 14 شخصًا من بين المشاركين استغرقت أجسادهم أكثر من خمس ساعات للتخلص من نصف الطفيليات المُسبِّبة للملاريا من نوع المتصورة المنجلية Plasmodium falciparum، وهي مدة تتسق مع تعريف منظمة الصحة العالمية للمقاومة؛ إذ إن مرضى الملاريا عادة ما يتخلصون من نصف تلك الطفيليات في غضون ساعتين من العلاج بالأرتيسونات. كما لاحظ الفريق أيضًا أن الطفيليات المُصاب بها 13 من أولئك المشاركين ظهرت فيها واحدة من الطفرتين الوراثيتين المرتبطتين بالجين المُسمى بـ kelch13، وهو ما كان مدعاة للقلق؛ نظرًا إلى الصلة التي سبق اكتشافها بين هذا الجين ومقاومة مضادات الملاريا في جنوب شرق آسيا3.

وتعقيبًا على ذلك، يقول توشيهيرو ميتا، عالِم الطفيليات من جامعة جونتيندو في طوكيو، المؤلّف المشارك في الدراسة المذكورة: إن تلك الطفرات كان قد جرى رصدها بالفعل لدى طفيليات الملاريا في أفريقيا، "إلّا أننا لم نكُن موقنين وقتها من أن هذه الطفيليات قادرةً حقًا على مقاومة الأدوية من داخل جسم الإنسان [العائل] بعد إصابته". بيد أن شكوك العلماء في هذا الصدد قد تأكدت صحتها بفضل هذه الدراسة، علاوةً على دراسة أخرى نُشِرت في الرابع من إبريل4 في دورية «ذا لانسيت إنفيكش ديزيز» The Lancet Infectious Diseases.

استعرضت هذه الدراسة الأخيرة نتائج إخضاع الأطفال المصابين بالملاريا في رواندا لبرنامج علاجي يتضمن أخذ جرعات من الأقراص التي تحتوي تركيبتها على مادة الأرتيميسينين لمدة ثلاثة أيام. وكنتيجة للبرنامج، فإن بعض الأطفال المشاركين في الدراسة لم تتخلص أجسادهم من الطفيليات بعد انتهاء فترة العلاج، وأكثر من 10%من الطفيليات المصاب بها أولئك الأطفال ظهرت فيها إحدى طفرتي جين kelch13، وكلتاهما تشيران إلى وجود مقاومة، غير أنهما كانتا مختلفتين عن الطفرتين اللتين رصدهما العلماء في أوغندا.

"صافرة إنذار مدوّية"

حتى اللحظة، ما زالت العواقب الإكلينيكية لمقاومة مادة الأرتيميسينين محدودة، كما يُوضِّح فيليب روزنتال، طبيب الأمراض المعدية من جامعة كاليفورنيا بولاية سان فرانسيسكو الأمريكية، والخبير الذي يتعاون مع منظمة الصحة العالمية لدراسة الملاريا في أوغندا. وصحيح أن جسد الشخص المصاب يستغرق وقتًا أطول في التخلص من الطفيليات في بعض حالات الإصابة الحادة، بل وقد يُصاب الشخص بالعدوى مرة أخرى في غضون حوالي أسبوع من تعافيه، لكن على ما يبدو فإن ذلك لم ينتقص كثيرًا من فاعلية تركيبة الأرتيميسينين المُحبَّذ استخدامها في الكثير من مناطق جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا (وهي تركيبة تتكون من مزيج من مادة الأرتيميثير، التي تُعَد مشتقًا آخر من مادة الأرتيميسينين، ودواء مُكمِّل لذلك، يُسمى «لوميفانترين» Lumefantrine.

مع ذلك، يرى روزنتال أن نتائج الدراسة التي أجريت على الأطفال في رواندا هي بمثابة "صافرة إنذار مدوّية"؛ فإذا استمرت ظاهرة المقاومة في الانتشار على النحو المتوقع لها، وأصبحت الطفيليات مُقاوِمةً أيضًا لعقار «لوميفانترين» ، فقد تكون النتيجة كارثيةً. ويُواصِل حديثه قائلًا: "في أفريقيا، حيث يتلقى الأطفال الصغار العلاج في عيادات ريفية تكاد بنيتها التحتية تكون منعدمةً، قد يشكل انعدام فعالية الدواء الذي تعتمد عليه القارة بشكل أساسي ضربةً قاصمةً بكل ما تحمله الكلمة من معنى".

وفي السياق نفسه، يرى باسكال رينجوالد، الذي يقود الوحدة الخاصة بمقاومة العقاقير ومكافحة العدوى، وهي وحدة تابعة للبرنامج العالمي لمكافحة الملاريا لدى منظمة الصحة العالمية، أن هذه الدراسة تضع مزيدًا من الضغوط على الباحثين وشركات صناعة العقاقير كي يعملوا على إيجاد علاج بديل قابل للاستخدام، أو على تصميم لقاح للوقاية من الملاريا، وذلك تحسبًا لظهور مزيد من الأدلة في المستقبل على فشل التركيبات العلاجية القائمة على مادة الأرتيميسينين. وتابع رينجوالد كلامه قائلًا: "لا استبعد ورود المزيد والمزيد من الإفادات باكتشاف سلالات مُقاوِمة لمادة الأرتيميسينين في السنوات القليلة المقبلة؛ فهي تأتينا بالفعل من كل حدب وصوب هذه الأيام!".

References

  1. Uwimana, A. et al. Nature Med. 26, 1602–1608 (2020). | article
  2. Balikagala, B. et al. N. Engl. J. Med. 385, 1163–1171 (2021). | article
  3. Ariey, F. et al. Nature 505, 50–55 (2014). | article
  4. Uwimana, A. et al. Lancet Infect. Dis. 21, 1120–1128(2021). | article