أخبار

مُنشأة أمريكية مثيرة للجدل تحقق رقمًا قياسيًا في تجارب الاندماج الليزري

تستعرض دورية Nature في هذا التقرير دلالة هذا الإنجاز الجديد من زاوية أبحاث الأسلحة النووية.

جيف توليفسون

  • Published online:
تركز المنشأة 192 حزمة من أشعة الليزر على هدف بحجم ممحاة القلم الرصاص، لبدء تفاعل الاندماج.

تركز المنشأة 192 حزمة من أشعة الليزر على هدف بحجم ممحاة القلم الرصاص، لبدء تفاعل الاندماج.

Credit: Lawrence Livermore National Laboratory

تمكَّن فريقٌ من العلماء العاملين في منشأة الإشعال الوطنية الأمريكية (NIF)، الشهر الماضي، من تحطيم رقمهم القياسي، بتوليد أكثر من 10 ملايين جيجا وات من طاقة الاندماج لمدةٍ بلغت جزءًا من الثانية، أي ما يزيد بحوالي 700 مرة عن السعة الإنتاجية لشبكة الكهرباء الأمريكية بأكملها في أي لحظة. وقد أحيت أنباء هذا الإنجاز الأمل في أن تتمكَّن تلك المنشأة – المتعثرة منذ فترةٍ طويلة، وهي أكبر منشآت أبحاث الليزر التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية – من بلوغ هدفها، المتمثل في إنتاج طاقةٍ أكبر مما تستهلك في تفاعلات الاندماج المستدامة.   

تبلغ تكلفة هذه المنشأة 3.5 مليار دولار أمريكي، وتقع في مختبر «لورانس ليفرمور» الوطني بولاية كاليفورنيا. ولم تكن مُصمَّمةً بالأساس لتكون نموذجًا أوليًا لمحطات الطاقة، وإنمَّا لدراسة تفاعلات الاندماج التي تقوم عليها الأسلحة النووية الحرارية. فبعد أن حظرت الولايات المتحدة الاختبارات النووية تحت الأرض، في أعقاب الحرب الباردة عام 1992، اقترحت وزارة الطاقة تأسيس هذه المنشأة ضمن برنامج علمي أكبر، هو «الإشراف على المخزون النووي»؛ وهو برنامجٌ مُصمَّم للتحقق من إمكانية الاعتماد على الأسلحة النووية الأمريكية دون الاضطرار لتفجير أي منها.

وبعد إنجاز الاندماج الليزري، الذي تحقق الشهر الماضي، أعرب العلماء عن تفاؤلهم الحذر بإمكانية تحقيق المنشأة أهدافها المرجوَّة، المتمثلة في مساعدة الفيزيائيين على الوصول إلى فهمٍ أفضل لكيفية بدء الاندماج النووي، ومن ثم تفجير الأسلحة النووية. وفي تعليق لمارك هيرمان، نائب مدير مختبر «ليفرمور» لشؤون أبحاث الفيزياء الأساسية للأسلحة، قال: "هذا هو السؤال العلمي الذي يشغلنا في الوقت الحالي: إلى أين يمكن أن نصل على هذا الطريق؟ وما حجم التقدم الذي يمكننا إحرازه؟".

في هذا التقرير، تستعرض دورية Nature الرحلة الطويلة لمنشأة الإشعال الوطنية الأمريكية، وما يعنيه هذا التقدم المُحرَز بالنسبة لبرنامج وزارة الطاقة الخاص بالإشراف على مخزون الأسلحة النووية، وما ينتظر المنشأة في المستقبل.

كيف نجحت المنشأة في إجراء الاندماج النووي؟

بطوابقها العشرة، ومساحة تصل إلى ثلاثة ملاعب كرة قدم أمريكية، تضمُّ المنشأة مصفوفةً من العدسات والمرايا، تعمل على تضخيم دفقة أولية من الفوتونات، ثم تقسيمها، لتحولها إلى 192 حزمة من أشعة الليزر فوق البنفسجية، ثم تسلط تلك الأشعة – بعد تركيزها مرةً أخرى – على هدفٍ أصغر من ممحاة القلم الرصاص. تضرب الأشعة ذلك الهدف (أسطوانةٍ ذهبية)، لتصبَّ عليه طاقة يبلغ حجمها حوالي 1.9 ميجا جول، خلال فترة تقل عن أربعة أجزاء من مليار جزء من الثانية، مولدةً بذلك مستوياتٍ من الضغط والحرارة لا نشهد لها مثيلًا إلا في النجوم، وانفجارات القنابل النووية الحرارية.

حين تسقط طاقة هذه الدفقة على الأسطوانة الذهبية، التي تحوي كُريَّة مُجمَّدة مضغوطة من الديوتيريوم والتريتيوم، يترتب على ذلك انهيار الأسطوانة؛ إذ ترتفع درجة حرارة نظائر الهيدروجين الموجودة في قلب الكُريَّة، وتندمج هذه النظائر مولدةً نويَّات هيليوم، ونيوترونات، وأشعة كهرومغناطيسية. والهدف من هذه العملية هو إطلاق كميةٍ كبيرة من الجسيمات، ينجُم عنها حدوث مزيدٍ من تفاعلات الاندماج، ومن ثم إطلاق مزيدٍ من الجسيمات. وهكذا، ينشأ تفاعل اندماج مستدام، أي عملية «اشتعال» بالتعريف، تحدث حين يكون حجم الطاقة المتولدة عن تفاعل الاندماج أكبر المستهلكة. وتشير النتائج الأولية لتلك التجربة، التي أُجريت في الثامن من أغسطس الماضي، إلى أنَّ تفاعلات الاندماج ولَّدت كميةً قياسية من الطاقة، بلغت 70% من الطاقة التي استهلكتها التجربة، أي أنَّها أوشكت على تحقيق مفهوم الاشتعال.

لماذا استغرقت المنشأة هذه الفترة الطويلة حتى تصل (تقريبًا) إلى تحقيق الاشتعال، رغم أنَّها بدأت عملياتها في عام 2009؟

لم يكن خافيًا على أحد أن بناء المنشأة لن يكون بالأمر اليسير؛ لكن تبيَّن مع الوقت أنَّ هذا الهدف أكثر تعقيدًا مما ظنَّ المسؤولون في البداية. فقد بدأت عمليات الإنشاء عام 1997، ولم تنتهِ إلَّا بعد أكثر من عشر سنوات، متأخرةً عن جدولها الزمني بعدة أعوام، وبتكلفة تتجاوز الميزانية المقررة بما لا يقل عن 2.4 مليار دولار أمريكي.

ثم عجزت المنشأة عن تحقيق هدف الاشتعال، الذي كانت تصبو إليه بحلول عام 2012. وعمل العلماء، في السنوات التالية، على تنفيذ بعض التعديلات لزيادة كفاءة المنشأة، وإضافة تحسينات هائلة إلى غرفة التفاعل. لم يتحقق الإنجاز الأخير إلا بعد تغييراتٍ عديدة في منظومتها الضخمة، منها إضافة تقنيات تحليل جديدة، وتقنياتٍ مُطوَّرة لتصنيع الأهداف، بالإضافة إلى تحسين دقة أشعة الليزر.

كان الجدل يحيط بالمنشأة حتى قبل أن تُطلق دفقة أشعتها الأولى بفترة طويلة؛ إذ شكَّك علماء مستقلون في تصميمها وإدارتها. وقبل مدةٍ قصيرة، في شهر مايو عام 2016، تجددت الشكوك حول قدرة المنشأة على تحقيق هدف الاشتعال الذي ترمي إليه من الأصل، ووُجِّهت إليها هذه المرة من جانب الإدارة الوطنية الأمريكية للأمن النووي (NNSA)، أحد فروع وزارة الطاقة، والمسؤولة عن الإشراف على الأسلحة النووية، والتي تضخ في المنشأة أموالًا طائلة، تقدَّر بنحو 350 مليون دولار أمريكي سنويًا.

لكن حتى أولئك الذين وجهوا انتقاداتهم إلى أداء المنشأة منذ فترةٍ طويلة يقرّون بأن إنجازها الأخير يُعَد خطوة هائلة إلى الأمام. يقول ستيفن بودنر، الفيزيائي المتخصص في البلازما، الذي عمل سابقًا في مختبر أبحاث البحرية الأمريكية بالعاصمة واشنطن، إنَّه "مندهشٌ وسعيد" في الوقت نفسه بهذه النتائج، على افتراض أنَّها قابلة للتكرار. ويضيف: "أتطلع إلى قراءة التقرير العلمي الذي يشرح تلك النتائج".

وقد شرع فريق مختبر «ليفرمور»، والجهات المتعاونة معه، في دراسة النتائج؛ وإن كانت البيانات الأولية تشير إلى أنَّ المنشأة قد تمكنت من تحقيق زيادة في الطاقة الناتجة تصل إلى ثماني مرات، مقارنةً بالتجارب التي أُجريت منذ أشهر، وبزيادةٍ تصل إلى خمس وعشرين مرة مقارنةً بالرقم القياسي الذي حققته سابقًا، بحسب التقارير، في عام 2018. وأوضح مسؤولو المختبر أنَّهم أعلنوا نتائج التجربة قبل نشرها في ورقةٍ خاضعة لمراجعة الأقران؛ لأنَّ أنباءها كانت بالفعل قد بدأت تنتشر في أوساط مجتمع باحثي الاندماج.

إنْ حققت المنشأة الاشتعال الكامل، ما الذي يمكن أن تكشفه النتائج للعلماء فيما يخص الأسلحة النووية؟

من الناحية النظرية، يمكن للمنشأة أن تجعلنا أكثر إلمامًا بالظروف الدقيقة اللازمة لبدء تفاعلات الاندماج، والحفاظ على استمرارها؛ وهو الأمر الذي كان علماؤها يعملون على تحديده، بشكل ما، أثناء تحسينهم لأداء منظومتها على مدار الأعوام الاثنا عشر الماضية. وهذا السؤال هو الأهم كذلك من بين الأسئلة التي يُعنى بها برنامج الإشراف على مخزون الأسلحة النووية.  

فمنذ عام 1992، يعمل الفيزيائيون على بناء برنامجٍ شامل لدراسة الترسانة النووية الأمريكية، باستخدام حواسيب خارقة، تتزايد قدراتها على الدوام، ومن خلال تسخير عشرات المنشآت البحثية الأخرى المصممة لاختبار كل شيء، بدايةً من المواد والمكونات النووية وحتى المتفجرات. صحيحٌ أنَّ منشأة الاشعال الوطنية لا تُفجِّر قنابل مُصغَّرة، حسبما أوضح هيرمان، إلَّا أنَّ تجاربها قد تساعد العلماء على تحسين النماذج الحاسوبية المستخدَمة لمحاكاة كيفية انفجار الأسلحة؛ وهو ما يمكن أن يقلل من الشك في نتائجها. وربما تركز التجارب الأخرى على اختبار مدى صمود الإلكترونيات، وغيرها من المكونات، تحت وطأة دفقات الأشعة الكثيفة المتوقعة في بيئات الحروب العنيفة.

وحسبما يرى علماء كثر، فالمنشأة تعزز الثقة في مخزون الأسلحة الأمريكي، وتدفع عن الولايات المتحدة أخطار التهديدات الخارجية، وذلك من خلال المساعدة في جذب شباب الباحثين لمجال العلوم النووية، والحفاظ على استمرارية المشاريع العلمية الأوسع نطاقًا في هذا المجال. ويُشير هيرمان كذلك إلى وجود "عنصر عام آخر، ذي أهمية محورية، يتعلق باستعراض الخبرة والقدرات العلمية".

هل تُعَد المنشأة جزءًا أساسيًا من برنامج الإشراف على مخزون الأسلحة النووية؟

من بين منتقدي المنشأة، هناك مَن يشكك في مدى احتياج العلماء إليها في جهودهم الرامية إلى الحفاظ على مخزون الأسلحة النووية الأمريكية. يقولون إنَّ برنامج الإشراف قد عزَّز بالفعل شعور الثقة في المخزون في أروقة الإدارة الوطنية الأمريكية للأمن النووي، ويشيرون إلى أنَّ الإدارة تطرح الآن تصميم أسلحة نووية جديدة بالفعل، عوضًا عن الاكتفاء بالحفاظ على المخزون الحالي بأقل قدرٍ من التغييرات.

ويعلق هانز كريستنسن، مدير مشروع المعلومات النووية في اتحاد العلماء الأمريكيين بالعاصمة واشنطن، بقوله: "يمكن قراءة هذا التوجُّه من زاويتين: قدر ضخم من العجرفة، أو ثقة هائلة في القدرة على إنتاج كميةٍ كبيرة مما سنحتاج إليه خلال السنوات الخمسين القادمة، حتى لو لم تكن منشأة الإشعال الوطنية تعمل بكفاءة".

غير أنَّ هيرمان يرى أنَّ المنشأة ما زال بإمكانها أن تلعب دورًا في هذا الصدد، مؤكدًا أن علماء الأسلحة النووية يلجؤون دومًا في تقييمهم لعمليات المحاكاة الحاسوبية إلى استقراء النتائج من بيانات تجريبية محدودة، وأنَّ المعلومات التي أمكن الحصول عليها عن تفاعلات الاندماج ذات الطاقات الأعلى في المنشأة ستتيح لهم اختبار تلك النماذج بصورةٍ مباشرة أكثر من ذي قبل. ويأمل هيرمان في أن يُسهم ذلك في خفض منسوب الشكوك التي تحوم حول نتائجها، وأن يُعِين الإدارة الوطنية الأمريكية للأمن النووي على الاقتناع بجاهزية أسلحة الترسانة للتفجير عند الحاجة، وليس قبلها.

ما الخطوة التالية للمنشأة إذن؟

يقول مسؤولو المختبر إنَّ فريق المنشأة قد يواجه في شهر أكتوبر من العام الجاري اختباره الأصعب؛ وهو إثبات قدرته على تكرار الإنجاز الذي حققه في الثامن من أغسطس الماضي. وفي الوقت نفسه، يتبارى العلماء لفهم النتائج التي توصلوا إليها، ولنشرها. ونظرًا إلى أنَّ الاختبارات التي تجريها المنشأة تصل إلى أقصى الحدود الممكنة من الناحية العلمية، فإنَّ أي تغييراتٍ طفيفة في تصنيع كبسولة الهدف، أو ضبط أشعة الليزر، يمكن أن تقود المنظومة إلى إنتاج طاقة بكميةٍ تزيد أو تقلُّ عن التجارب السابقة، حسبما أوضح هيرمان. واستطرد قائلًا: "لا يمكننا إجراء التجربة ذاتها على نفس الهدف؛ لسببٍ وجيه، هو أنه قد سبق تفجيره". ولكن مع مرور الوقت، حسبما يرى، يُفترض أن يكتسب الفريق العلمي القدرة على تكرار إنجازه هذا، واستثمار هذا النجاح، بل ودفع المنشأة كلها إلى مزيدٍ من الإنجازات.