أخبار

إيران تَأمُل في هزيمة «كوفيد» بإنتاجها المحلي من اللقاحات

  • Published online:
إيرانيون ينتظرون تلقي اللقاح في مركز تطعيم جماعي في طهران.

إيرانيون ينتظرون تلقي اللقاح في مركز تطعيم جماعي في طهران.

Credit: Majid Asgaripour/WANA via Reuters

تُعَد إيران واحدة من بين القليل من الدول القادرة على تطوير لقاحات على مستوى الشرق الأوسط، وتَجري جهودها في ذلك الصدد على قدم وساق، حتى إن لديها اليوم أكثر من عشرة لقاحات قيد التطوير، لكن خارج إيران، تُعد هذه اللقاحات مغمورة. من هنا، أجرت دورية Nature حديثًا مع كيهان أزادمانيش، رئيس شعبة عِلم الفيروسات من معهد باستور الإيراني في العاصمة طهران، لمعرفة المزيد حول مشهد تطوير اللقاحات في البلد. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن أزادمانيش يقدم المشورة للحكومة الإيرانية، ويتولى تطوير اللقاحات من خلال شركته المستقلة «هيوم-إميون بيوتك» Humimmune Biotech.

إلى أي مدى أثرت الجائحة سلبًا على إيران؟

في الفترة ما بين يناير من عام 2020 وحتى الآن، شهِدنا خمس من موجات تفشي مرض «كوفيد-19» في إيران. واليوم، بلغت حصيلة الإصابات الجديدة لدينا أعلى مستوى لها منذ بدء الجائحة؛ إذ وصل عدد الحالات التي جرى الإبلاغ عنها إلى ما يقرب من 40 ألف حالة يوميًا. وتُعد السلالة المتحورة «دلتا» الأكثر شيوعًا بين ما استطعنا رصده من سلالات.

ما الأنواع المتاحة لديكم من بين لقاحات «كوفيد-19» المختلفة؟

منذ بدء عمليات التطعيم وحتى السابع عشر من أغسطس الماضي، تلقَّى الإيرانيون حوالي 18 مليون جرعة، كان من بينها حوالي 12 مليون جرعة من لقاح «سينوفارم» Sinopharm الصيني، وأربعة ملايين جرعة من اللقاح الذي نجم عن التعاوُن بين جامعة أكسفورد وشركة «أسترازينيكا» AstraZeneca، ومليون جرعة من لقاح «كوف-إيران-بركت» COVIran Barekat، الذي طورَّته شركة الأدوية الإيرانية «شِفا-فارمد» Shifa Pharmed Industrial Group، الكائنة في طهران. أمّا باقي الجرعات، فكان بعضها من اللقاح الروسي «سبوتنيك في» Sputnik V، والبعض الآخر من اللقاح الهندي «كوفاكسين» Covaxin. ويجري حاليًا إعطاء أكثر من نصف مليون جرعة يوميًا، حتى إن حوالي 17% من سكان إيران البالغ عددهم 85 مليون شخص قد تلقّى كل منهم جرعةً واحدةً على الأقل.

هلاّ تحدثنا عن لقاح «كوف-إيران-بركت»؟

هذا اللقاح من فيروس مُعَطَّل، وهو يخضع حاليًا للمرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية. مع ذلك، فقد اعتمدته منظمة الصحة العالمية للاستخدام الطارئ في شهر يونيو من العام الجاري. وقد جرى اعتماده بناءً على مستويات الأجسام المضادة التي يحفِّزها، ومن ضمنها تلك التي يُمكِنها «تحييد» نشاط فيروس «سارس-كوف-2»، أو منعه من التسلل إلى الخلايا. وقد لاحظ الباحثون في المراحل الأولى من التجارب أن أكثر من 93% من الأشخاص الذين تلقّوا اللقاح أنتجت أجسامهم أجسامًا مضادةً مُحَيِّدةً. ولا نعلم إلى متى ستستمر هذه الحماية الناتجة عن لقاح «كوف-إيران-بركت»، لكنني لا أظن أنها ستكون مختلفةً كثيرًا - من حيث مدتها - عن الحماية الناتجة عن اللقاحات الأخرى من الفئة نفسها، مثل لقاح «كورونافاك» CoronaVac، الذي تنتجه شركة الأدوية الصينية «سينوفاك لايف ساينسز» Sinovac Life Sciences. فقد تَبَيَّن أن مستويات الأجسام المضادة الناتجة عن مثل هذه اللقاحات تهبط لدى متلقيها بعد ستة أشهر، وهو ما يشير إلى أن متلقيّ هذه اللقاحات قد يحتاجون إلى جرعات مُعَزِّزة في المستقبل القريب (M. Li et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/grsh; 2021).

ما اللقاحات الأخرى التي تعكف إيران على تطويرها حاليًا؟

نعمل في الوقت الراهن على لقاح «باستوركوفاك» Pasteurcovac، وهو لقاح يقوم على تقنية البروتين المؤتلَف، وقد جرى تطويره بالتعاون بين معهد فينلاي للقاحات في العاصمة الكوبية هافانا، ومعهد باستور الإيراني. ويُعرَف هذا اللقاح في كوبا باسم «سوبيرانا 02» Soberana 02. وعلى غرار لقاح «كوف-إيران-بركت»، اعتُمد هذا اللقاح أيضًا للاستخدام الطارئ في إيران في شهر يونيو الماضي، وذلك على الرغم من أنه لم يدخل في المرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية بعد. ويخضع الآن للتجارب الإكلينيكية العديد من اللقاحات الأخرى التي تعتمد على الفيروسات المُعَطَّلة والبروتينات المؤتلَفة. ولدينا أيضًا لقاح واحد على الأقل يستعين بتقنية الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، واثنان قائمان على نواقل الفيروسات الغُديّة، فضلًا عن لقاح يحتوي على ناقل فيروس الحصبة، وكلهم في مراحل مبكرة من التطوير.

وماذا عن اللقاحات التي تتولى شركتك تطويرها؟

تعمل شركة «هيوم-إميون بيوتك» في الوقت الراهن على المُفاضلة بين لقاحين. يعتمد أحد هذين اللقاحين على فيروس الحصبة اعتمادًا أساسيًا في عملية إدخال أحد الجينات، التي يمكنها التعرف على فيروس «سارس-كوف-2»، إلى الجسم. ويستطيع هذا الجين التعرُّف على الفيروس من خلال تشفير أحد نوعي البروتين التاليين: الأول هو البروتين الشوكي لفيروس «سارس-كوف-2»، الذي يستعين به الفيروس في الدخول إلى الخلايا، والثاني هو بروتين nucleocapsid، الذي يحتاجه الفيروس في عملية التكاثر. وتتولى شركة «بيو-صن فارمِد» BioSun Pharmed إنتاج ذلك اللقاح في طهران. أمّا اللقاح الآخر، فيعتمد في عمله على فيروس غُدي من النمط الخامس، على غرار ذلك الفيروس المُستَخدَم في الجرعة الثانية من لقاح «سبوتنيك في». ونأمل أن نبدأ في إجراء التجارب الإكلينيكية على اللقاحين في مطلع العام المقبل.

لماذا يصنع العلماء الإيرانيون الكثير من اللقاحات؟

لأننا لسنا في وضع يسمح لنا بالتعويل على مساعدة المجتمع الدولي في مواجهة الجائحة؛ فنحن نعيش تحت وطأة عقوبات فرضتها علينا الولايات المتحدة، عقوبات لا نرى لها أي مُبرِّر. تدَّعي الولايات المتحدة أن العقوبات لا تؤثر على الأنشطة الإنسانية، لكن الواقع يقول إن تقييد حرية تحويل الأموال سيعوق بلا شك القدرة على شراء الاحتياجات من العقاقير والأدوية. ومن ناحية أخرى، فنحن نملك التكنولوجيا اللازمة لإنتاج اللقاحات، فلِمَ لا نستخدمها؟ إن تطوير مجموعة متنوعة من اللقاحات بالاستعانة باستراتيجيات بحث وتطوير مختلفة، سيرًا على النهج الذي اتبعته الصين، منطقي في ظل سعينا لضمان سلامة المواطنين الإيرانيين.

إذَنْ، لماذا يُحجِم الباحثون الإيرانيون عن نشر أعمالهم على الصعيد الدولي؟

أرى أن هذا التوجه لا يشكل سوى امتداد آخر لأزمة العقوبات المفروضة على إيران؛ فقد لا يرغب الباحثون الإيرانيون في لفت الانتباه أكثر من اللازم إلى أبحاثهم، وذلك تحسبًا لما قد يؤدي إليه ذلك من وضع الشراكات البحثية المُحتَمَلة على المحك، أو قطع السُبُل التي يحصل من خلالها هؤلاء الباحثون على المواد الخام.

وعلاوة على ذلك، فإن الجائحة زادت من انهماك الباحثين في عملهم. مع ذلك، شرع البعض بالفعل في مشاركة نتائج أبحاثهم. ففي شهر يونيو الماضي، نشر الباحثون الذين طوروا لقاح «كوف-إيران-بركت» مسوَّدة أولية، يستعرضون فيها ما توصلوا إليه من نتائج خلال المرحلة السابقة على التجارب الإكلينيكية (A. Abdoli et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/grsj; 2021). ومن المُتوقَّع أن يشارك أولئك الباحثون النتائج الإكلينيكية لأبحاثهم في أقرب فرصة ممكنة. كما أننا نخطط لمشاركة نتائج التجارب التي سيخضع لها لقاحنا القائم على نواقل الفيروسات الغُديَّة قريبًا.

ما أكبر التحديات التي واجهتموها فيما يتعلق بتطوير لقاحات «كوفيد-19»؟

ألقَت العقوبات بالكثير من المصاعب في طريقنا، والسبب الأساسي في ذلك هو أن العقوبات تَحُد من قدرتنا على شراء المواد والمعدات اللازمة لعملياتنا. على سبيل المثال، تُعد الشركات متعددة الجنسيات أكبر مُنتِج لمادة الراتينج المُستخدَمة في عملية الكروماتوجرافي، أو الفصل اللوني، وهي عملية نستعين بها في تنقية اللقاحات. غير أن تلك الشركات تُعرَف أيضًا بكونها من المُورِّدين الرئيسيين للولايات المتحدة، وهو ما يعني أن أصحابها قد يعزفون عن بيع تلك المادة لإيران، خشية فقدان أحد أكبر عملائهم. من ثم، كان السبيل الوحيد أمامنا هو مواجهة تلك التحديات عن طريق تعديل الأساليب التي نستخدمها في تطوير اللقاحات، أو العثور على مُورِّدين آخرين، أو البحث عن حلول محلية.

ما توقعاتك للمستقبل؟

عندما بدأنا في إنتاج لقاح «كوف-إيران-بركت»، كان هدفنا الأوَّلي هو تصنيع ما يصل إلى 30 مليون جرعة في الشهر بحلول سبتمبر، وهو ما كان سيكفي لتطعيم شريحة البالغين في البلد. لكن نظرًا إلى تعذُّر تحقيق ذلك، اضطرت إيران إلى استيراد ملايين الجرعات من اللقاحات الأخرى. وكما قال كثيرون من قبلي، فإن هذه الجائحة لن تكون آخر ما نواجهه من جوائح فيروسات كورونا. وفي المستقبل، أتوقع أن نستفيد من القدرات التي طورناها في مجال إنتاج اللقاحات، وأن نستثمرها لسنوات قادمة في تطوير لقاحات وعقاقير جديدة، نُكافِح بها فيروسات كورونا وغيرها من مُسبِّبات الأمراض.

مقابلة أجرتها: سمريتي مالاباتي.

حُرِرَت هذه المقابلة مراعاة للطول والوضوح.