أنباء وآراء

ماذا يحدث لذبابة وحيدة؟

تُعد ذبابة الفاكهة سوداء البطن كائنًا اجتماعيًا، وقد وجد الباحثون مؤخرًا أن الذباب الذي يتعرَّض لعزلة اجتماعية دائمة تظهر عليه أنماط عدم انتظام النوم والتغذية، ما يلقي الضوء على الآثار السلبية التي يمكن أن تعود على الصحة من جرّاء غياب التواصل الاجتماعي لمدة طويلة. 

جويل دي. ليفاين

  • Published online:

إن الإجهاد يُمثِّل أهم قضايا الصحة العامة في عصرنا الحاضر، وذلك كما جاء على لسان عن عالم الأعصاب بروس ماكيوين1 في عام 2002 الذي أضاف قائلًا أنه "حال استمرار الإجهاد على نحو مزمن فإنه يمكن أن يُلحق الضرر بالإنسان وأن يعجِّل بالمرض". ولا شك أن عديدًا من عوامل الضغط والإجهاد تكون ذات طبيعة اجتماعية، وقد لاحظ ماكيوين1 وزملاؤه (انظر: go.nature.com/3s3b4kw) بنوع من القلق أن بعض الضغوط الاجتماعية، مثل الفقر، وعدم كفاية التعليم، والجرائم العنيفة، يمكنها أن تُسهم في حدوث أمراض مثل السرطان، والسكري، والاكتئاب. غير أن معلوماتنا لا تزال ضئيلة بشأن الكيفية التي تتحول بها هذه الضغوط الاجتماعية إلى أمراض. وفي هذا البحث المنشور، تقدم لي وزملاؤها2 نهجًا رائعًا ومبتكرًا لنمذجة تأثيرات السياق الاجتماعي على صحة الفرد، باستخدام ذبابة الفاكهة سوداء البطن Drosophila melanogaster.

وكانت وجهة نظر ماكيوين أن المجتمع القوي يُمهِّد الطريق نحو صحة جيدة، وأن العزلة الاجتماعية يمكن أن تؤدي إلى المرض. وقد نشرت جمعية علم النفس الأمريكية مجموعة من استطلاعات الرأي التي تتفق مع هذا الرأي (انظر: go.nature.com/3s7dqic). وتُبيِّن هذه الاستطلاعات أن أكثر من 60% من البالغين في الولايات المتحدة قد اكتسبوا وزنًا زائدًا أو فقدوا بعض وزنهم في أثناء جائحة «كوفيد-19». ارتفعت أيضًا خلال الفترة ذاتها معدلات التعرّض لمشكلات تتعلّق بالصحة العقلية، مثل اضطرابات النوم، كما شهدت - إلى جانب زيادة التباعد الاجتماعي - ارتفاع معدلات حوادث التحرش الجنسي والتوترات العِرقية3 (انظر أيضًا: go.nature.com/3s3b4kw). وهكذا فإن الجائحة تُعدّ جرس إنذار لنا جميعًا من أجل إيجاد استراتيجيات جديدة لضمان صحة المجتمع.

وعلى الرغم من أن ذبابة الفاكهة سوداء البطن قد لا تبدو من العناصر المُحتمل أن تسهم في الأبحاث التي تتناول تأثيرات البيئة الاجتماعية، فإن حصيلة الأبحاث التي أجريت على مدار ما لا يقل عن عقدين تشير إلى أن ذباب الفاكهة يتأثر بالسياق الاجتماعي الذي يعيش فيه4. وتُبين لنا هذه الأبحاث أن السياق الاجتماعي يُشكِّل الوظائف العصبية والمعرفية ومستويات التعبير الجيني ويتشكَّل بها. كذلك تؤثر الخبرة الاجتماعية وتكوين المجموعات الاجتماعية في قابلية الذباب للإصابة بالأمراض، إضافة إلى كثير من سلوكياته، ومن بينها التزاوج، وتناول الطعام، والنوم6،5. وتتأثر هذه الملامح من حياة الذبابة بجيناتها وتجربتها الاجتماعية، ولكن ما الذي يحدث حين تكون الذبابة وحيدة؟

اختارت لي وزملاؤها ذبابة الفاكهة نموذجًا لدراسة آثار العزلة الاجتماعية. تتبع الباحثون مجموعات من الذباب الذي يعيش في جماعات (الشكل 1أ) لمدة تتراوح بين يوم واحد وثلاثة أيام، والذباب الذي يعيش في عزلة وجيزة أو دائمة لمدة تتراوح بين خمسة وسبعة أيام. وأوضح الباحثون أنه، مقارنةً بالذباب الذي يبقى في عزلة وجيزة أو يعيش في مجموعات، يتعرَّض الذباب الذي يعيش في عزلة دائمة لخلل في نظام النوم ويتناول ضعف كمية الطعام المعتادة (الشكل 1ب). وتلك الاختلافات السلوكية مصحوبة بتغيرات في التعبير عن 214 جينًا فحصها الباحثون في الرؤوس الكاملة لتلك الذبابات، ومن بينها عديد من الجينات المرتبطة بالمسارات البيولوجية للنوم.

شكل 1: آثار العزلة على ذبابة الفاكهة سوداء Drosophila melanogaster. (أ) يعيش الذباب عادة في مجموعات اجتماعية. (ب) وجدت لي وزملاؤها2 أنه عندما تعرَّض الذباب لعزلة مشددة ووجيزة (لمدة يوم واحد)، ظهرت على الحشرات أعراض تتمثل في زيادة فترات النوم، إلى جانب ارتفاع طفيف في معدل استهلاك الطعام. ولكن عندما تعرَّض الذباب لعزلة دائمة (لمدة سبعة أيام)، بدت على تلك الكائنات أعراض قلة النوم وزادت كميات الطعام التي تناولتها زيادة كبيرة مقارنة بتلك التي تناولها أقرانها من الذباب الذي يعيش في مجموعات. وجد الباحثون أنه بالنسبة للذباب الذي يتعرض لعزلة وجيزة، أدى التنشيط الاصطناعي لمجموعة من الخلايا العصبية المُسمَّاة الخلايا العصبية P2 التي تقع في الجزء العلوي من الدماغ إلى تغيرات سلوكية تحاكي تلك التي لوحظت لدى الذباب الذي تعرَّض لعزلة دائمة. تساعد الخلايا العصبية P2 على تمديد المسارات العصبية حتى تصل إلى الجسم المروحي الشكل في دماغ الذبابة، وهو المكان الذي توجد به خلايا عصبية أخرى تتحكم في التغذية والنوم (غير موضحة في الشكل). تشير هذه النتائج جميعها إلى أن الخلايا العصبية P2 قد يزداد نشاطها مع فترات العزلة، ومن ثمَّ يمكنها "تعقب" مدة تلك الفترات، وهو ما يمكن أن يؤدِّي إلى حدوث تغيرات سلوكية بمرور الوقت.

شكل 1: آثار العزلة على ذبابة الفاكهة سوداء Drosophila melanogaster. (أ) يعيش الذباب عادة في مجموعات اجتماعية. (ب) وجدت لي وزملاؤها2 أنه عندما تعرَّض الذباب لعزلة مشددة ووجيزة (لمدة يوم واحد)، ظهرت على الحشرات أعراض تتمثل في زيادة فترات النوم، إلى جانب ارتفاع طفيف في معدل استهلاك الطعام. ولكن عندما تعرَّض الذباب لعزلة دائمة (لمدة سبعة أيام)، بدت على تلك الكائنات أعراض قلة النوم وزادت كميات الطعام التي تناولتها زيادة كبيرة مقارنة بتلك التي تناولها أقرانها من الذباب الذي يعيش في مجموعات. وجد الباحثون أنه بالنسبة للذباب الذي يتعرض لعزلة وجيزة، أدى التنشيط الاصطناعي لمجموعة من الخلايا العصبية المُسمَّاة الخلايا العصبية P2 التي تقع في الجزء العلوي من الدماغ إلى تغيرات سلوكية تحاكي تلك التي لوحظت لدى الذباب الذي تعرَّض لعزلة دائمة. تساعد الخلايا العصبية P2 على تمديد المسارات العصبية حتى تصل إلى الجسم المروحي الشكل في دماغ الذبابة، وهو المكان الذي توجد به خلايا عصبية أخرى تتحكم في التغذية والنوم (غير موضحة في الشكل). تشير هذه النتائج جميعها إلى أن الخلايا العصبية P2 قد يزداد نشاطها مع فترات العزلة، ومن ثمَّ يمكنها "تعقب" مدة تلك الفترات، وهو ما يمكن أن يؤدِّي إلى حدوث تغيرات سلوكية بمرور الوقت.

كبر الصورة

انصب تركيز لي وزملائها على اثنين من تلك الجينات: أحدهما يُشفِّر البروتين المعروف باسم «ليموستاتين» limostatin، وهو هرمون يزيد التعبير الجيني عنه في الرأس استجابة للجوع، والآخر يُشفر بروتين «دروسولفاكينين» drosulfakinin، وهو ببتيد يُطلق في الرأس وينخفض التعبير الجيني عنه استجابة للجوع. ومن الأمور المثيرة للاهتمام أن نمط التعبير عن هذين الجينين في ظل ظروف العزلة الاجتماعية كان يحاكي النمط ذاته الذي يُلاحَظ في الذباب الجائع، على الرغم من توافر الغذاء باستمرار. وهكذا، فإن العزلة الاجتماعية لدى الذباب تحاكي الشعور بالجوع. وتُذكِّرنا هذه الملاحظة بنتائج دراسة أُجريت على البشر تُبيِّن أن العزلة الاجتماعية تنتُج عنها استجابات توق شديد لتناول الطعام في الدماغ الأوسط تكون ​​مشابهة لتلك الاستجابات التي يُسببها الجوع7.

حدَّد الباحثون مجموعة من الخلايا العصبية P2 المُعبِّرة عن الليموستاتين في المعقد المركزي لدماغ الذباب، وأوضحوا أن تلك الخلايا لها دور في تأثيرات العزلة الاجتماعية لدى الذباب. تعمل هذه الخلايا - التي كانت تُسمى في السابق بالعصبونات العمودية ذات الجسم مروحي الشكل8 – على مدّ مسارات تتصل بالخلايا العصبية التماسية للجسم المروحي المعززة للنوم، وهي بنى تقع في مركز دماغ الذبابة9،8. وكانت الخلايا العصبية P2 تتسم في السابق10 بتعبيرها عن ببتيد يسمى NPF، وهو قريب من بببتيد لدى الثدييات يسمى NPY مرتبط بالتغذية والسلوك الاجتماعي. غير أن وظيفة الخلايا العصبية P2 لم تكن واضحة في السابق.

وعندما ثبَّط الباحثون الخلايا العصبية P2، اختفت التأثيرات السلوكية للعزلة الاجتماعية، وهو ما يشير إلى أن الدائرة التي تُشكِّلها الخلايا العصبية P2 الممتدة إلى داخل الجسم المروحي تسبب تلك التأثيرات. وقد أدَّى التنشيط الاصطناعي للخلايا العصبية P2 لدى الذباب المعزول عزلة وجيزة ولكن مكثفة إلى تناول تلك الكائنات للمزيد من الطعام والنوم لفترات أقصر من الوقت، على غرار الذباب المعزول عزلة دائمة الذي لم يخضع للتنشيط الاصطناعي (الشكل 1ب). وتشير هذه النتيجة إلى أن الخلايا العصبية P2 يمكنها تعقب مدة العزلة، ومع زيادة الفواصل الزمنية بين تلك المُدد، تُجري تلك الخلايا تحديثًا للخلايا العصبية المسؤولة عن تنظيم عمليتي النوم والتغذية. وبعبارة أخرى، فإن الخلايا العصبية P2 قد تقوم بدور ساعة توقيت.

يتطلَّب إثبات نموذج «ساعة التوقيت» توضيح مزيد من المعلومات حول العلاقة بين قوة تنشيط الخلايا العصبية P2 ومدة العزلة الاجتماعية. وعلى الرغم من أن هذا النموذج لم يُثبت بعد، فإنه يشير إلى أن الخلايا العصبية P2 تؤثر في الحالة الاجتماعية للفرد؛ وهي فكرة يمكن أن تُبنى عليها الدراسات المستقبلية الرامية إلى بحث تأثيرات الدوائر العصبية في الحالة الاجتماعية والتدابير الفسيولوجية. فعلى سبيل المثال، ربما كان تنشيط الخلايا العصبية P2 يتنبأ بمقدار النوم الذي تحصل عليه الذبابة أو عدد مرات التزاوج التي تشرع فيها11.

يُبدي ذباب الفاكهة سلوكًا جماعيًا، إذ يتمتع ببنية شبكة اجتماعية وتظهر دلائل على اتباعه لثقافةٍ ما12-14. ويُعدُّ البحث الذي أجرته لي وزملاؤها مثالًا على تزايد أعداد الدراسات التي تُجرَى على الذباب4 والتي تُبيِّن أن التلاعب بالسياق الاجتماعي من شأنه أن يُعدِّل سلوك الأفراد، والنواحي الفسيولوجية، والتعبير الجيني لدى أفراد المجموعة. وهكذا بدأت لي وزملاؤها الكشف عن العلاقة بين السياق الاجتماعي، والتجربة الاجتماعية، والتوازن الداخلي لجسم الكائن الحي، على المستويين العصبي والجزيئي.

لقد انبهرتُ بدراسة لي وزملاءها لِمَا كشفت عنه من أوجه تشابه بين آثار العزلة على ذبابة الفاكهة وتأثيرات الضغوط والإجهاد على الصحة العقلية للإنسان. فبحكم الأصل التطوري المشترك بيننا وبين هذه الحشرة، يمكنني القول إن ذبابة الفاكهة قد ساعدتنا بالفعل على فهم الآليات الكامنة وراء النمو، والتعلم، والمرض لدى البشر15. لذا تُعد ذبابة الفاكهة سوداء البطن - من منظور تطوري - ينبوعًا يمكن أن نستقي منه الكثير من المعرفة عن أسلافنا. ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن النموذج الذي اقترحته لي وزملاؤها وغيره من النماذج المشابهة ربما تسهم في تحسين فهمنا للأمراض العقلية لدى البشر، كما يمكن أن توجه تطوير وسائل جديدة لعلاج العزلة، وبالتبعية، علاج التوق الشديد للطعام والإدمان. ولكن وبينما نقف في انتظار أن تساعدنا ذبابة الفاكهة على مكافحة الآثار المعقدة للعزلة الاجتماعية، تُذكِّرنا دراسة لي وزملائها بأن ثمة فوائد جمة للتعاملات اليومية مع الآخرين.

 

References

  1. McEwen, B. & Lasley, E. N. The End of Stress As We Know It (Dana, 2002).
  2. Li, W. et al. Nature 597, 239–244 (2021). | article
  3. Bourassa, C., McKay-McNabb, K. & Hampton, M. Can. Woman Stud. 24, 23–29 (2004).
  4. Schneider, J., Atallah, J. & Levine, J. D. Adv. Genet. 77, 59–78 (2012). | article
  5. Dawson, E. H. et al. Nature Commun. 9, 3574 (2018). | article
  6. Sokolowski, M. B. Neuron 65, 780–794 (2010). | article
  7. Tomova, L. et al. Nature Neurosci. 23, 1597–1605 (2020). | article
  8. Hulse, B. K. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2020.12.08.413955 (2020). 
  9. Donlea, J. M., Thimgan, M. S., Suzuki, Y., Gottschalk, L. & Shaw, P. J. Science 332, 1571–1576 (2011). | article
  10. Lee, G., Bahn, J. H. & Park, J. H. Proc. Natl Acad. Sci. USA 103, 12580–12585 (2006). | article
  11. Lee, C. R., Chen, A. & Tye, K. M. Cell 184, 1500–1516 (2021). | article
  12. Ramdya, P. et al. Nature 519, 233–236 (2015). | article
  13. Schneider, J., Dickinson, M. H. & Levine, J. D. Proc. Natl Acad. Sci. USA 109, 17174–17179 (2012). | article
  14. Danchin, E. et al. Science 362, 1025–1030 (2018). | article
  15. Bellen, H. J., Tong, C. & Tsuda, H. Nature Rev. Neurosci. 11, 514–522 (2010). | article

جويل دي. ليفاين يعمل في قسم علم الأحياء بجامعة تورنتو في ميسيساجا، أونتاريو L5L 1C6، كندا.

بريد إلكتروني: joel.levine@utoronto.ca